تواجه السلطات الصينية انتقادات شديدة من الجماعات الحقوقية والحكومات الغربية، بسبب اجراءاتها القمعية وانتهاكاتها المستمرة لملف الحقوق والحريات، حيث اكدت التقارير الاخيرة وجود إجراءات عقابية صارمة شهدت احتجاز اكثر من مليون شخص معظمهم من الويغور المسلمين في شينجيانغ (تركستان الشرقية). واحتجزت السلطات الصينية بحسب بعض المصادر، منذ الربيع الماضي مئات الآلاف من المسلمين الصينيين والأجانب، بحجة محاربة النزعات الانفصالية والتطرف الإسلامي، في ما وصفته إحدى اللجان الأميركية بأنه "أكبر سجن جماعي لأقلية من سكان العالم اليوم".

فمقاطعة Xinjiang تمتد على مساحة تقارب نصف مساحة الهند. وتضيّق الحكومة الصينية الخناق على أقلية الويغور المسلمة في البلاد، إذ أجبرتهم على تركيب كاميرات مراقبة في الشوارع والمتاجر وترسل بثاً مباشراً إلى الشرطة، وأصدرت في مارس/ آذار الماضي، قرارات بمنع النساء المحجبات من ركوب القطارات ودخول المطارات، وشجعت الموظفين على تبليغ الشرطة عن أي محجبة مخالفة، كذلك منعت إطلاق اللحى، وفي رمضان عام 2016، حظرت السلطات صوم الموظفين الحكوميين والمدرّسين والتلاميذ، ومنعتهم أيضاً من المشاركة في أي نشاط ديني أو إغلاق محلات الطعام والشراب خلال هذا الشهر.

من جانبها دافعت الصين عن برنامجها لاحتجاز المسلمين في شمال غرب البلاد، مؤكدة أنها تريد بذلك التصدي للإرهاب عبر مراكز "تدريب متخصصة". ويتعرض هذا البرنامج لمزيد من النقد في العالم، خصوصا في الولايات المتحدة ولجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري. وأسفرت اعتداءات نسبتها الصين الى انفصاليين أو متطرفين من الأويغور، عن مئات القتلى في السنوات الأخيرة. وتعرب السلطات عن قلقها من تصاعد الحركة الاسلامية المتطرفة في هذه المنطقة التي يعتنق نصف سكانها ال24 مليونا الدين الاسلامي. ونفت الصين في البداية وجود مركز الاحتجاز هذه. لكن نشر صور للأقمار الاصطناعية ووثائق رسمية للسلطات المحلية على الإنترنت تشير إلى وجودها، حملتها على إعادة النطر في موقفها. ونشرت شينجيانغ نصوص اجراءات جديدة تمنح هذه المراكز رموزا واضحة.

الصين تدافع

قال مسؤول بارز بالحزب الشيوعي الصيني إن التدريب المهني يستخدم ”بأقصى درجة“ في إقليم شينجيانغ في أقصى غرب الصين لضمان القضاء على أنشطة المتشددين ”قبل بدئها“. وتمثل المقابلة التي أجرتها وسائل الإعلام الحكومية مع شهرت ذاكر ثاني أكبر مسؤول بالحزب وأبرز مسؤول من أقلية الويغور العرقية في شينجيانغ أكثر محاولات الدفاع تفصيلا حتى الآن عن السياسات المتبعة في المنطقة التي يعيش فيها عدد كبير من المسلمين.

وكانت تقارير عن اعتقالات جماعية ومراقبة صارمة للويغور وغيرهم من المسلمين قد دفعت الولايات المتحدة لبحث فرض عقوبات على مسؤولين وشركات ارتبطت أسماؤهم بانتهاكات لحقوق الإنسان. وبعد النفي القاطع في البداية قال مسؤولون صينيون في الأسابيع القليلة الماضية إنهم لا يطبقون اعتقالات تعسفية أو إعادة تأهيل سياسي في شبكة من المعسكرات السرية بل إن بعض المواطنين المدانين في مخالفات بسيطة يرسلون إلى مراكز تدريب مهني لتحسين فرصهم في العثور على وظائف.

وقال ذاكر في مقابلة نشرتها وكالة الصين الجديدة (شينخوا) إن هذه الإجراءات ساعدت في منع هجمات المتشددين في الإقليم على مدى 21 شهرا مضت. وقال إن المتدربين وقعوا على ”اتفاقات تعليمية“ لتلقي ”تدريب مركز“ مع الإقامة في مراكز التدريب. وأضاف أنهم تلقوا دروسا في اللغة الصينية ومحاضرات عن الدستور والقوانين دون أن يحدد عدد من يتلقون مثل هذه التدريبات. وقال إن المهارات التي يجري التدريب عليها تشمل الصناعات الغذائية وتجميع المنتجات الالكترونية وتصفيف الشعر وصناعة الملابس والتجارة الالكترونية. وقال ذاكر ”من خلال التدريب المهني تمكن أغلب المتدربين من التفكير في أخطائهم ومن أن يروا بوضوح جوهر الضرر الذي يحدثه الإرهاب والتطرف الديني“. وتابع ”أصبحوا قادرين أيضا على معرفة الصواب من الخطأ ومقاومة تسلل المتطرفين وسطهم“.

من جانب اخر دشنت أورومتشي، عاصمة إقليم شينجيانغ الصيني الذي تسكنه أقلية الويغور المسلمة، حملة ضد المنتجات الحلال لمنع الإسلام من التسلل إلى الحياة العلمانية وتغذية ”التطرف“. وأفادت مذكرة نشرها الحساب الرسمي للمدينة على موقع (وي تشات)، أشهر مواقع التراسل في الصين، بأن زعاء الحزب الشيوعي في أورومتشي قادوا كوادره للقسم على ”خوض معركة حاسمة ضد الأطعمة الحلال“. بحسب رويترز.

كما قال زعماء الحزب الشيوعي إنهم سيلزمون مسؤولي الحكومة وأعضاء الحزب باعتناق الفكر الماركسي اللينيني وبالتحدث لغة الماندرين الصينية في العلن. ويتمتع الصينيون من الناحية النظرية بحرية ممارسة أي دين، لكنهم يخضعون لمستويات متزايدة من الرقابة مع محاولة الحكومة وضع الشعائر الدينية تحت سيطرة الدولة الصارمة.

دعوات واجراءات

في السياق ذاته دعت فرنسا وألمانيا الصين لإغلاق معسكرات ”إعادة التأهيل“ في إقليم شينجيانغ المضطرب بأقصى غرب البلاد حيث يعتقد أن قرابة مليون من أقلية الويغور وغيرهم من المسلمين محتجزون ضمن عملية لغرس مفاهيم سياسية فيما تتزايد الضغوط على الأمم المتحدة من أجل التحرك. وفجرت التقارير عن احتجاز أبناء هذه الأقلية وفرض مراقبة مشددة عليها في شينجيانغ انتقادات دولية منذ كشف هذا الأمر الشهر الماضي.

وتقول بكين إن إقليم شينجيانغ يواجه تهديدا خطيرا من المتشددين الإسلاميين والانفصاليين. وينفي مسؤولون إساءة معاملة المسلمين هناك ويقولون بدلا من ذلك إنهم يخضعون بعض الناس لدورات تدريبية ”مهنية“ لمنع انتشار التطرف. وألقت الصين باللوم على جماعة تدعى حركة تركستان الشرقية الإسلامية في الكثير من الهجمات التي شهدها الإقليم في السنوات القليلة الماضية رغم أن بعض الخبراء شككوا إن كانت الجماعة موجودة بأي تشكيل متماسك.

وتزامنت دعوات القوى الأوروبية في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مع أول حدث يشهده المجلس بهذا الشأن. وقال دولكون عيسى رئيس المجلس العالمي للويغور أمام المجلس ”ما نشهده الآن في تركستان الشرقية هو أكثر من مجرد قمع. إنها حملة محو متعمدة من الحكومة الصينية تستهدف هوية الويغور“. وأضاف ”كل شيء يجعلنا متفردين، لغتنا، ثقافتنا، ديننا، يتعرض للهجوم. كل أسرة من الويغور في الشتات لها أحد أفرادها محتجز في المعسكرات“.

من جانب اخر بدأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مراجعة سبل وقف تصدير التكنولوجيا الأمريكية التي يمكن أن تستخدمها الحكومة الصينية في عملياتها لمراقبة واعتقال الأقلية المسلمة وسط تقارير عن تعرض الويغور وآخرين لعمليات اعتقال جماعي في منطقة شينجيانغ. وقال ويبور روس وزير التجارة الأمريكي في رسالة إلى رئيسي لجنة بالكونجرس إن وزارته قد تعلن عن تعديلات في سياسة التصدير في غضون أسابيع بالتشاور مع وزارة الخارجية وإدارات أخرى.

وأضاف روس في الرسالة التي بعث بها إلى ماركو روبيو والنائب كريس سميث ”نقوم بهذه المراجعة بشكل سريع ونتوقع نشر التعديلات في إجراءات التصدير في وقت لاحق من هذا الخريف“. وذكر أن المراجعة تضمنت تقييم ما إذا كان ستتم إضافة أفراد وشركات وصينيين آخرين لقائمة الكيانات الخاضعة لشروط ترخيص خاصة، وذلك في تعديل لسياسة الترخيص وتحديث لقائمة الوسائل التكنولوجية الخاضعة للرقابة من أجل حماية حقوق الإنسان. بحسب رويترز.

وأي قرار بفرض عقوبات سيكون خطوة نادرة تتخذها إدارة الرئيس دونالد ترامب لأسباب تتعلق بحقوق الإنسان ضد الصين التي تخوض معها حربا تجارية في الوقت الذي تسعى فيه للحصول على مساعدة بكين من أجل التوصل لحل لمواجهة بشأن أسلحة كوريا الشمالية النووية. وكان روبيو وسميث، الزعيمان الجمهوريان للجنة التنفيذية الخاصة بالصين في الكونجرس، قد بعثا برسالة إلى روس في سبتمبر أيلول لحث الإدارة على توسيع العقوبات ضد الصين بسبب طريقة معاملتها للأقلية المسلمة. وكانت رسالة روس ردا على هذه الرسالة. وكانت وزارة الخارجية الأمريكية أبدت قلقها العميق بشأن ”تفاقم القمع“ الذي تقوم به الصين في منطقة شينجيانغ مع دراسة المسؤولين فرض عقوبات على مسؤولين صينيين كبار وشركات صينية مرتبطة بمزاعم انتهاك حقوق الإنسان.

اختفاء رئيس الإنتربول

الى جانب ذلك طلبت منظمة الانتربول من الصين "توضيحا" رسميا حول مكان وجود رئيس المنظمة مينغ هونغوي، بعدما فقد أثره منذ مغادرته الى بلاده في نهاية أيلول/سبتمبر. وقال يورغن ستوك أمين عام منظمة الشرطة الجنائية الدولية في بيان إن "الانتربول طلب من خلال القنوات الرسمية لتطبيق القانون توضيحا من السلطات الصينية حول وضع رئيس الانتربول مينغ هونغوي". ولزمت بكين الصمت حتى الان حيال مسألة اختفاء مينغ الذي يشغل أيضا منصب نائب وزير الامن العام الصيني.

وانقطعت اخبار مينغ هونغوي (64 عاما) منذ 25 أيلول/سبتمبر بحسب زوجته التي أعربت الخميس للشرطة الفرنسية عن قلقها ازاء "الاختفاء المقلق" لزوجها. وقبل أيام وبحسب مصادر متطابقة، عاد مينغ الى الصين واستقل طائرة من ستوكهولم. وكتبت صحيفة "تشاينا مورنينغ بوست" الصادرة في هونغ كونغ أن هونغوي موضع تحقيق في الصين وقد تكون السلطات "اقتادته حال هبوطه" في المطار الاسبوع الماضي وذلك لاسباب لا تزال غامضة.

وفتح تحقيق في فرنسا في اختفاء المسؤول حيث أن مقر الانتربول يوجد بمدينة ليون، كما قالت باريس إنها تتحرى الأمر وعبرت عن "قلقها" من تهديدات تلقتها زوجته. وقالت وزارة الداخلية الفرنسية "اثر سؤال مكتب اتصال الانتربول ببكين، لم تقدم السلطات الصينية حتى الان توضيحات" مشيرة الى استمرار الاتصال مع السلطات الصينية. وهو آخر اختفاء لمسؤول كبير في الصين حيث فقد في السابق أثر عدة مسؤولين حكوميين وأقطاب أعمال على مدى أسابيع أو أشهر.

وتكثفت التساؤلات لمعرفة ما اذا كان مينغ الذي انتخب في نهاية 2016 على رأس الانتربول- المنظمة التي كان يرأسها حتى الان الالماني يورغن ستوك- وقع ضحية حملة مكافحة الفساد التي أطلقها الرئيس شي جينبينغ منذ وصوله الى السلطة في 2012. وبحسب الارقام الرسمية فان 1,5 مليون مسؤول ملاحقون في إطار هذه الحملة التي يشتبه أنها تستهدف أيضا معارضين.

وانشأت الصين في آذار/مارس هيئة جديدة اطلقت عليها اسم "اللجنة الوطنية للاشراف" لتوسيع المهام العامة في ملاحقة الضالعين في الفساد. ويعبر المدافعون عن حقوق الانسان عن قلقهم من ان تكون هذه اللجنة واجهة قانونية لحملة قمع ترجمت عبر اعتقالات سرية واتهامات بالتعذيب. ويسمح لهذه الهيئة باستجواب مشتبه بهم على مدى ستة أشهر. كما يتوجب عليها إبلاغ أقرباء الموقوفين بذلك في الساعات ال24 التي تلي توقيفهم الا في حال كان ذلك "يسيء للتحقيق".

وأسباب فتح تحقيق بحق مينغ غير واضحة. فقد ترقى في سلم الاجهزة الامنية في البلاد في ظل تولي تشو يونغ كانغ رئاسة الاجهزة والذي يقضي حاليا عقوبة بالسجن المؤبد. وحكم على تشو في حزيران/يونيو 2015 بتهم فساد واستغلال السلطة "وكشف اسرار الدولة"، وهو أعلى مسؤول في النظام الصيني تطاله حملة مكافحة الفساد. وسجن ابنه وزوجته ايضا بتهم فساد في 2016 . وكان تشو عين مينغ نائبا لوزير الامن العام في 2004 وهو المنصب الذي يشمل عدة ملفات حساسة بينهما مكافحة الارهاب. واضطر مينغ أيضا للتعامل مع عدة حوادث في شينجيانغ بغرب البلاد. بحسب فرانس برس.

وانتخاب مينغ على رأس الانتربول لاربعة أعوام كان أثار انتقادات منشقين تخوفا من ان تستخدم بكين المنظمة الدولية لملاحقة معارضين لجأوا الى الخارج. وقلل الانتربول انذاك من شأن هذه المخاوف مؤكدا ان المادة الثالثة من ميثاقه "تحظر على الاطلاق أي تدخل ذات طابع سياسي وعسكري وديني أو عرقي". وتقوم الصين منذ 2014 بحملة ملاحقة دولية واسعة تستهدف فارين يشتبه أنهم اختلسوا أموال. وبحسب ما أورد الانتربول على موقعه الالكتروني فان هناك 44 "مذكرة بحث حمراء" أطلقت بطلب من بكين وغالبيتها مرتبطة بجرائم وتهريب مخدرات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1