من المفترض نظرياً، أن تكون فكرة المجتمع المدني قاعدة متينة للمجتمع السياسي، وأن تكون الفعاليات والتحركات التي تقودها منظمات المجتمع المدني مدخلاً آمناً نحو المشاركة السياسية والتأثير على القرار، وكلما كانت نسبة النجاح في هذه التحركات والنشاطات متجسداً في نضوج العقلية السياسية وتعميق الوعي بالحقوق والواجبات وتنمية المهارات والمواهب، كلما كان افراد هذا المجتمع اكثر تأثيراً في الساحة السياسية لاسيما في مواسم ديمقراطية مثل الانتخابات البرلمانية او الرئاسية، ثم في ممارسة الضغوط على الحكومة لتعديل اجراءاتها وقوانينها بما يلائم مصالح افراد المجتمع، من خلال تظاهرات مطلبية او اضرابات وغيرها.

هذا من الناحية النظرية المعمول بها في العالم الغربي تحديداً الذي أسس لهذه النظرية، بيد أن الامر يختلف بشكل كامل اذا بحثنا عن مصاديق عملية في الساحة العراقية، فالظروف التي يعيشها الانسان العراقي تتميز بحالات نفسية خاصة وجملة من التراكمات السلبية، من هزائم و احباطات وانحرافات بالجملة، كل هذا يجعل من فكرة المجتمع المدني وسيلة لاختصار المسافة في ظل اجواء مشحونة بالازمات، وتحوّل تظاهرة مطلبية تدعو اليها منظمة مجتمعية ما، الى فرصة لإلحاق اكبر قدر ممكن من الضرر النفسي والمادي بالجهاز الحاكم، ربما يكون رداً صارخاً على القدر الأكبر من الأذى والضيم الذي تعيشه شريحة واسعة من المجتمع – غير المنظم مدنياً- بسبب الفساد والمحسوبية والفشل في قطاع الخدمات الى جانب قطاعات اخرى في الدولة.

هذا اللون من الحراك الجماهيري الذي يفترض ان يكون احد نتاجات المجتمع المدني، من شأنه ان خلق أجواء توتر واضطراب في المجتمع نفسه، وظهور مشاهد عنف، ربما غير مقصودة، ولكن النتيجة فقدانه مصداقيته المطلبية امام الحكومة، وهو ما تتلقفه الجهات المعنية بسرعة فائقة، فتكيل الاتهامات الى الشباب والمنضوي في تظاهرات مطلبية لتحسين الكهرباء او محاكمة سراق المال العام وغيرها، الى أناس "مندسين" او مدفوعين من جهات مشبوهة أو "مخربين" ثم تنعكس المعادلة وتكون السلطة هي من تمارس الضغوط على الجماهير بالاعتقالات التي تتطلب الادانة والتضامن والوساطات لاقناع السلطة بالافراج عن المعتقلين.

من اجل ذلك بحث الخبراء في شأن منظمات المجتمع المدني في الحد من الكبوات التي تتعرض لها وما يسفر عنه من نتائج سلبية وعكسية، وذلك من خلال "اعتماد معايير لقياس أدائها وتحديد دورها من خلال هذه المعايير، ومن هذه المعايير، المستوى التنظيمي للمنظمة وتقييم الاثر الاجتماعي والسياسي والبعد التنظيمي والهيكلي لاسيما الشفافية والادارة الرشيدة، والقيم، كالرؤية والاهداف ووسائل العمل ومستوى المشاركة المدنية في اعمالها وانشطتها والبيئة الخارجية التي تعمل فيها".

والأهم من كل ذلك؛ الاستقلالية في المنهج والرؤية والقرار، وإلا فان هذه المنظمات اذا سقطت في قبضة الاحزاب السياسية المتنفذة او تأثرت بالاجواء السياسية الحاكمة فان قدراتها تتقلص في مجال تخصصها ودورها الاساس وهو التنمية والتثقيف والتربية، فالأولوية للتفاوض مع السلطة بغية الحصول على مكاسب او استجابات لمطالب الجمهور – في أحسن الاحوال- ولا يكون مهماً وسائل الضغط والممارسات الفردية في الشارع، ومن الذي يدفع ثمن الاخطاء من حرق او تحطيم او إطلاق عبارات خارج نطاق القيم الاخلاقية المتبناة من قبل المجتمع.

إن البرامج العملية للطفل والمرأة والشباب وايضاً للمهنيين والاكاديميين وحتى الكسبة في السوق، بل وجميع شرائح المجتمع، في ميادين التنمية والتوعية من شأنها صناعة الفرد المسؤول عن مجتمعه وبلده، فهو كما يحرص على تحقيق مطالبه الخاصة، فانه ينظر ايضاً على مطالب المجموع، والمصلحة العامة، بمعنى؛ ان يرى نجاحه وتقدمه في تقدم المجتمع والدولة برمتها، لذا لابد من ان يعرف كل فرد واجباته كما يعرف حقوقه، ويعرف مجالات التأثير وفرص المشاركة الناجحة في القرار السياسي من خلال تحقيق اقصى درجات الحرية والعلم والوعي السياسي والاجتماعي.

هذا المستوى من الوعي هو الذي يجبر الحكومة في العراق، وفي أي بلد آخر للاستجابة لمطالب المتظاهرين مهما كانت، لان ببساطة، الوعي والثقافة الواسعة تشكل عامل ردع لكل من تسول له نفسه التطاول على القانون والاموال العامة وحقوق الناس، ولن يكون مطمئناً من وجود المصفقين والاصوات الجاهزة صوب صناديق الاقتراع في الانتخابات، انما يكون امام حراك جماهيري واسع وموحد من الشباب والاكاديميين والمهنيين والفلاحين وغيرهم للضغط بشكل سلمي وبالكلمة الحازمة بما من شأنه إصلاح ما يمكن اصلاحه مهما تراكمت حالات الفساد كالذي نشهده في العراق، وإلا فان أي حراك جماهيري في المستقبل مهما كان المنطلق مهماً مثل أزمة الكهرباء، فان سيكون محل تشكيك، ليس فقط من الحكومة، بل ومن شرائح المجتمع التي نراها دائماً تقف متفرجة أمام احداث العنف التي تشوب بعض التظاهرات المطلبية في عديد المدن العراقية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1