ما تزال الفلبين تعيش حرب حقيقية ضد عصابات وتجار المخدرات، وهي حرب أعلنها رئيس البلاد رودريغو دوتيرتي وأسفرت عن مقتل الكثير من الاشخاص. وهو ما اكده قائد شرطة الفلبين، رونالد ديلا روزا، الذي قال بأن عدد حالات القتل شهد ارتفاعا كبيرا في البلاد، منذ إطلاق الحملة، واعلن ايضا أن حوالي 700 ألف من مستهلكي المخدرات وبائعيها استسلموا للشرطة، معلنا عن التحسينات الملموسة في الحالة العامة للقضية. من أجل القضاء على المخدرات في البلاد، دعا رونالد ديلا روزا جميع مدمني المخدرات إلى قتل المتاجرين بها وإحراق بيوتهم.

وتواجه الحملة القاسية والحاسمة ضد المخدرات في الفلبين كما نقلت بعض المصادر، انتقادات شديدة من قبل المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية. ودعت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الولايات المتحدة، التي تعد حليفا وثيقا بالنسبة إلى الفلبين، وكذلك الاتحاد الأوروبي إلى أن يوضحا لسلطات البلاد أن "إطلاق مثل هذا العنف أمر غير مقبول، وسيكبّد (البلاد) خسائر دبلوماسية وسياسية كبيرة".

وأدانت الأمم المتحدة، على لسان مقررتها الخاصة، إنييس كالامار، ما سمته بـ"التحريض على العنف والقتل" من قبل السلطات الفلبينية. لكن الرئيس الفلبيني، الذي خصص أباطرة المخدرات جائزة مقدارها مليون دولار لمن يقتله، لا ينوي، على ما يبدو، تغيير سياسته، حيث هدد بالانسحاب من الأمم المتحدة، واصفا إيها بمنظمة "عديمة النفع". وقال الرئيس الفلبيني ردا على تلك الانتقادات: " اللعنة عليهم (الأمم المتحدة)... هم دائما يتدخلون في شؤون الآخرين، ليس من الممكن أن تذهب وتدلي بتصريح ...حول دولة ما".

وانتقدت الحكومة الفلبينية 39 دولة معظمها دول غربية ومنها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بعد أن حثتها هذه الدول على إنهاء الآلاف من عمليات القتل في الحملة التي يشنها الرئيس رودريغو دوتيرتي على المخدرات والسماح للتحقيقات بالتعاون مع المجتمع الدولي. وقالت وزارة الخارجية، إن دبلوماسييها أخبروا الدول، التي أصدرت بيانا مشتركا في جنيف يعرب عن القلق الشديد بسبب ظروف حقوق الإنسان في الفلبين "لاحترام العمليات الداخلية لمانيلا".

أدوات في يد العصابات

وفي هذا الشأن قال هاري روك المتحدث باسم الرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرتي إن بعض الجماعات الحقوقية ربما تحولت ”بشكل غير متعمد“ إلى ”أدوات“ في يد زعماء عصابات المخدرات في الفلبين والذين يسعون لتقويض سلطة الرئيس، في بيان قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إنه ”مخز“ وربما يحرض على العنف ضد تلك المنظمات.

ونددت جماعات حقوقية بالحرب الدامية التي يشنها دوتيرتي على المخدرات والتي أسفرت عن مقتل آلاف سواء على يد قوات الشرطة أو مسلحين مجهولين. وقال روك إن زعماء عصابات المخدرات تكبدوا خسائر مالية فادحة منذ بدء الحملة قبل 20 شهرا وإن العصابات تسعى لزعزعة استقرار الحكومة. وقال روك دون تسمية أي منظمة حقوقية ”لذا نحن لا نستبعد احتمال أن بعض منظمات حقوق الإنسان تحولت بشكل غير متعمد إلى أدوات في (يد) زعماء العصابات لعرقلة ما جرى اتخاذه من خطوات واسعة“.بحسب رويترز.

وأضاف أن الانتقادات لحرب الرئيس على المخدرات ”خبيثة ولا تتوقف“ في تكرار لما قاله وزير الشؤون الخارجية الفلبيني آلان بيتر كايتانو في الآونة الأخيرة دفاعا عن سياسة بلاده خلال اجتماع لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف. ولم يوفر المتحدث أي دليل يدعم افتراضه بأن الجماعات الحقوقية يجري استغلالها من جانب زعماء العصابات.

وانتقد براد أدامز مدير منظمة هيومن رايتس ووتش لشؤون آسيا بيان روك وما سبقه من تعليقات لكايتانو واصفا إياها بأنها ”خطيرة ومخزية بصورة صادمة“. وتساءل أدامز في بيان ”هل يسعيان إلى أن تستهدف كتائب الإعدام نشطاء حقوق الإنسان؟“ وقال ”كايتانو وروك لم يوفرا أي دليل. عليهما سحب تعليقاتهما على الفور“.

الفلبين والمحكمة الدولية

على صعيد متصل قالت المحكمة الجنائية الدولية في بيان إن انسحاب الفلبين من المحكمة لن يؤثر على تحقيق يجريه الادعاء حول عمليات قتل مرتبطة بالحرب التي يشنها الرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرتي على المخدرات. وقالت المحكمة إنها أبلغت الأمم المتحدة بأن الفلبين بدأت رسميا في 17 مارس آذار عملية الانسحاب من المحكمة. وسيستغرق الأمر عاما ليدخل الانسحاب حيز التنفيذ. وقالت المحكمة في بيان ”لن يؤثر الانسحاب على الإجراءات الجارية أو أي شيء تنظر فيه المحكمة قبل الموعد الذي يدخل فيه الانسحاب حيز التنفيذ“.

وقال دوتيرتي إن الفلبين ستنسحب من نظام روما الأساسي، وهو المعاهدة المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية، مضيفا أن ممثلي الادعاء يتعاملون معه بشكل جائر. وليس هناك تحقيق ضد دوتيرتي غير أن الادعاء في المحكمة يجري ”تحريات أولية“ أو مراجعة لحرب الحكومة الفلبينية على المخدرات والتي قُتل فيها آلاف من تجار المخدرات المزعومين.

وأبلغت الفلبين الأمين العام للأمم المتحدة بقرارها الانسحاب من المحكمة بسبب ما وصفه دوتيرتي بهجمات ”شائنة“ من مسؤولي المنظمة الدولية وانتهاكات للإجراءات القانونية. وقال الرئيس الفلبيني ”سأقنع جميع الموقعين على المعاهدة بالانسحاب... هذه.. وثيقة ... تم إعدادها برعاية الاتحاد الأوروبي“.

وقال أو-جون كون رئيس مجلس الدول الأعضاء في المحكمة، وهو من كوريا الجنوبية، إنه يأسف لقرار الفلبين. وحث كون الفلبين على البقاء عضوا في المحكمة و“الانخراط في حوار“ بدلا من الانسحاب الذي سيضر بجهود المحكمة لمعاقبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وأضاف في بيان ”المحكمة الجنائية الدولية بحاجة لدعم قوي من المجتمع الدولي لضمان فعاليتها. أحث الفلبين على البقاء طرفا في نظام روما الأساسي“. ونظام روما الأساسي هو المعاهدة المؤسسة للمحكمة. وصدقت الفلبين عليه في 2011.

الى جانب ذلك قال رئيس الفلبين رودريجو دوتيرتي إنه لا يوجد أي احتمال لمثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية لأنه لن يكون من حقها قانونا توجيه اتهامات له ”ولا بعد مليون سنة“. وقدم محامي فلبيني شكوى أمام المحكمة الجنائية الدولية يتهم فيها دوتيرتي بجعل القتل ”أفضل وسيلة“ في حربه على المخدرات. وقالت المحكمة إنها بدأت عملية فحص أولية لتحديد مدى اختصاصها وعما إذا كانت هناك جرائم ضد الإنسانية قد ارتكبت. بحسب رويترز.

وقال دوتيرتي ”لا يمكنكم الحصول على أي سلطة قضائية تجاهي ولا بعد مليون سنة..ولهذا السبب لا أرد عليهم. هذه هي الحقيقة“. وأضاف : ”صدقوا. لا يمكنهم ذلك أبدا ولا حتى الأمل في الحصول على سلطة قضائية تجاه شخصي“. وتقول حكومته إن المحكمة الجنائية الدولية ليس لها الحق في التدخل لأن القضاء الفلبيني والنظام القانوني يعملان باستقلالية وفاعلية. كان دوتيرتي وصف في السابق المحكمة الجنائية الدولية بأنها ”عديمة النفع“ و ”منافقة“.

وتنفي الحكومة اتهامات ناشطين بأن تجار المخدرات والمتعاطين يتعرضون لعمليات قتل ممنهجة. وتقول الشرطة إنها قتلت نحو 4100 من تجار المخدرات خلال تبادل لإطلاق النار لكن ليس لها أي صلة بالمسلحين المجهولين الذين قتلوا المئات من متعاطي المخدرات.

وأمر الرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرتي قوات الشرطة والجيش بعدم التعاون مع أي تحقيق في حربه الدامية على المخدرات وسط مطالبات دولية بفتح تحقيق خارجي. وتعبر الدول الغربية والجماعات الحقوقية عن قلقها بشأن قتل الشرطة أكثر من أربعة آلاف فلبيني منذ تولي دوتيرتي السلطة في يونيو حزيران 2016، فضلا عن مقتل مئات آخرين من متعاطي المخدرات على أيدي مسلحين مجهولين.

وقال دوتيرتي في خطاب أمام وحدات النخبة في القوات المسلحة بمدينة دافاو التي ينحدر منها ”عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان أو أيا كان المقرر (الخاص بها)، فأمري لكم هو: لا تجيبوا. لا تهتموا“. وأضاف”من أنتم كي تتدخلوا في الطريقة التي أدير بها بلادي؟ أنتم تعرفون جيدا أن المخدرات تقضي علينا“. ويقول المدافعون عن حقوق الإنسان إن كثيرا من حالات القتل التي نفذتها الشرطة كانت عمليات إعدام. وتنفي الشرطة هذه المزاعم، قائلة إنها تستخدم القوة المميتة لأن المشتبه بهم مسلحون وأبدوا مقاومة. وعلى الرغم من الانتقادات التي تواجهها الحملة الدموية على المخدرات، فإن استطلاعات الرأي تشير إلى أن دوتيرتي لا يزال يحظى بشعبية واسعة وأنه أكثر مسؤول عام يثق فيه الشعب.

من جانبه قال المحامي الفلبيني جودي سابيو إنه لم يعد إلى منزله منذ عام ولا يحضر مناسبات عامة ويتلفت وراءه بعد أن اتهم الرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرتي بارتكاب جرائم في حق الإنسانية. ويقول سابيو البالغ من العمر 51 عاما إنه يعيش في خوف مستمر من التعرض لانتقام بعد أن قدم شكوى للمحكمة الجنائية الدولية ضد دوتيرتي الذي يحظى بشعبية كبيرة والذي يعتبر الفلبينيون إدارته من أفضل الحكومات.

وكان سابيو محاميا غير معروف على نحو يذكر قبل أن يقدم هذه الشكوى في ابريل نيسان ويقول إن موت آلاف الفلبينيين في حرب وحشية على المخدرات هي أسلوب دوتيرتي للحد من الجريمة وإنه استخدم هذا الأسلوب بشكل فعال على مدى 22 عاما خلال رئاسته لبلدية دافاو سيتي في جنوب البلاد. ولم تلق خطوة سابيو تأييدا في بلد يحظى فيها دوتيرتي بشعبية طاغية كما أن له أنصارا على الانترنت يلاحقون ويضايقون خصومه. وقال سابيو “عندما ذهبت إلى لاهاي تلقيت تهديدات كثيرة. ” وعند صدور (أحدث) إعلان من المحكمة الجنائية الدولية تلقيت أيضا تهديدات. إنها كثيرة ولا أريد قراءتها“.

ويقول هاري روك المتحدث باسم الرئاسة إن ”أعداء الدولة في الداخل“ يقفون وراء شكوى سابيو. وعندما سئل عن سلامة سابيو قال روك إنه يجب أن يبلغ الشرطة بالتهديدات التي يتلقاها. وأضاف “لا نكن له ضغينة. ”نعرف أنها (الشكوى) لن تتجاوز الفحص المبدئي“.

تصعيد جديد

في السياق ذاته قال الأمير زيد بن رعد الحسين مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إن تصرفات الرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرتي مع نشطاء في حقوق الإنسان تابعين للمنظمة الدولية تشير إلى حاجته لطبيب نفسي. وأضاف الأمير زيد في مؤتمر صحفي ”لا يمكن التغاضي عن هذه الهجمات. مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لا بد أن يتخذ موقفا“. جاءت تعليقات الأمير زيد بعدما قدمت وزارة العدل الفلبينية طلبا لإحدى محاكم مانيلا تطلب فيه إعلان أن أكثر من 600 شخص تقول إنهم متمردون شيوعيون، ومن بينهم مقررة خاصة تابعة للأمم المتحدة، ”إرهابيون“. وقال الأمير زيد ”يحتاج للخضوع لنوع من الفحص النفسي. هذا النوع من التعليقات غير مقبول.. غير مقبول“.

ويورد الطلب اسم فيكتوريا تاولي-كوربوز التي جرى تعيينها في عام 2014 مقررة خاصة لحقوق الشعوب الأصلية بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والتي أدرج اسمها على أنها عضو مهم في جماعة المتمردين الماويين. ووصفت تاولي-كوربوز الاتهام بأنه ”بلا أساس وخبيث وغير مسؤول“.

من جانبه هاجم وزير الخارجية الفلبيني مفوض حقوق الإنسان بالأمم المتحدة قائلا إنه أدلى بتصريحات ”غير مسؤولة وغير محترمة“ بشأن الرئيس رودريجو دوتيرتي وحذر من أن مثل هذه الخطوة قد تكون سابقة خطيرة. وقال وزير الشؤون الخارجية الفلبيني آلان بيتر كايتانو ”تعترض الفلبين بقوة على التصريحات غير المسؤولة وغير المحترمة التي تفوه بها مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان والتي تطلق افتراءات صعبة تتعلق برئيس جمهورية الفلبين“. وسب أيضا دوتيرتي مقررة الأمم المتحدة الخاصة بجرائم القتل خارج نطاق القضاء، أجنيس كالامارد، لانتقادها حملته الدامية ضد الاتجار بالمخدرات. بحسب رويترز.

وقال كايتانو في بيان شديد اللهجة أن الفلبين تشعر بالانزعاج إزاء ”الأسلوب الذي يتخطى فيه مسؤول رفيع المستوى في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة حدود صلاحياته ويهين زعماء دول أعضاء دون أن يمنحهم أولا الحقوق المكفولة“. وقال ”قد يشكل هذا سابقة خطيرة يتعين على المجلس التعامل معها على الفور نظرا لأن دولا أخرى أعضاء قد تسقط ضحية من يسعون لتسييس واستغلال حقوق الإنسان كسلاح لتقويض الحكومات الشرعية“. وقال هاري روك المتحدث باسم دوتيرتي إن كلمات الأمير زيد تحقير لسيادة الفلبين. وأضاف في رسالة إلى المفوض السامي ”أرجو أن تحترم نمط الديمقراطية لدينا في الفلبين رغم أنك تفتقر لنفس النظام الديمقراطي في وطنك.. الأردن“.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1