في ظل استمرار الصراع في سوريا التي تحولت الى ساحة حرب دولية، تتفاقم معاناة اللاجئين و والنازحين من ابناء هذا البلد، وسط تجاهل المجتمع الدولي الذي ابتعد كثيرا عن الأزمة السورية التي بلغ ضحاياها أكثر نصف مليون قتيل، ومئات الآلاف من الجرحى، ناهيك عن ملايين اللاجئين والنازحين الذين يعانون الأمرين في البلاد المستضيفة، لاسباب كثيرة ومنها قلة التخصيصات والمساعدات الدولية يضاف الى ذلك تشديد الإجراءات والقوانين في بعض الدول الاوروبية بسبب تنامي مطالب الاحزاب والتيارات اليمينية المتطرفة التي تدعو الى ابعاد اللاجئين، وهو ما اثار قلق ومخاوف العديد من المنظمات الحقوقية التي تخشى من استفحال موجة الكراهية والتمييز ضدهم في دول اوروبا ودول الجوار.

وحذرت منظمات دولية عدة الدول المضيفة لمئات آلاف اللاجئين السوريين في الشرق الأوسط والغرب من إجبارهم على العودة إلى بلادهم في ظل استمرار العنف فيها. وتحدثت المنظمات وبينها المجلس النروجي للاجئين و"سايف ذي شيلدرن" و"كير" في تقرير عن مسارات مثيرة للقلق يتم اتباعها للترويج لاعادة اللاجئين في العام 2018. وذكر التقرير أن "مئات آلاف اللاجئين في خطر أن يتم دفعهم إلى العودة إلى سوريا في العام 2018 برغم استمرار العنف والقصف الذي يهدد حياة المدنيين". وأشار التقرير الذي يحمل عنوان "أرض خطرة"، إلى أن ملف عودة اللاجئين إلى سوريا موجود على جدول أعمال الدول المضيفة. وجاء في التقرير "مع تغير الوضع العسكري في سوريا وفي مواجهة موقف متصاعد ضد اللاجئين (...) بدأت الحكومات في العام 2017 التفكير ملياً بعودة اللاجئين إلى بلادهم".

وبلغ عدد اللاجئين السوريين الذين عادوا الى بلادهم العام الماضي 721 ألفاً مقابل 560 ألفاً في العام 2016، وفق التقرير الذي ذكر أنه "مقابل كل لاجئ عاد (إلى بلاده) كان هناك ثلاثة نازحين جدد بسبب العنف". وحذّر التقرير من احتمال نزوح 1,5 مليون شخص من مناطقهم في العام 2018 داخل سوريا، وفق تقديرات الأمم المتحدة. وأسفر النزاع السوري المستمر منذ العام 2011 عن مقتل 340 ألف شخص وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها.

وتستضيف تركيا على أراضيها أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ سوري فروا من النزاع المستمر منذ نحو سبع سنوات، لكنها تسعى الآن الى نقل النازحين الى مخيمات على الجانب السوري للحدود. ويستضيف لبنان أقل من مليون لاجىء، والأردن نحو 630 الفا مسجلين. وتغلق هاتان الدولتان حدودهما أمام تدفق المزيد من اللاجئين إليها. ويعيش ثلاثة في المئة من اللاجئين السوريين في دول غنية.

وأكد الأمين العام للمجلس النروجي للاجئين يان ايغلاند ان "العودة اليوم لن تكون آمنة أو طوعية بالنسبة لغالبية كبرى فرت الحرب والعنف"، مضيفاً "نشهد حالياً على سفك للدماء واستهداف للمستشفيات والمدراس، وعلى الموت حتى في المناطق التي يطلق عليها خفض التوتر". وأبدت المنظمات في تقريرها قلقاً من الاجراءات التي تتم مناقشتها في دول اوروبية، بينها الدنمارك وألمانيا، والتي قد تؤدي إلى إجبار اللاجئين على العودة.

وذكر التقرير أن "دفع اللاجئين على العودة في الدول المجاورة لسوريا برز من خلال الحدود المغلقة والترحيل والعودة الاجبارية او غير الطوعية". وحذرت رئيسة "سايف ذي شيلدرن" هيلي تورنينغ شميت من أنه "لا يٌفترض أن يعود أي طفل الى بلاده قبل أن تكون آمنة". وأوضحت أن "الكثير من المناطق السورية اليوم غير آمنة للاطفال"، مضيفة "القذائف لا تزال تتساقط كما أن الخدمات الأساسية مثل المستشفيات والمدارس تحولت الى أنقاض". ومن المنظمات المشاركة أيضا في التقرير "العمل ضد الجوع"، والمجلس الدنماركي للاجئين.

وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" انتقدت السبت في بيان تركيا لاستخدامها "القوة المميتة" ضد النازحين السوريين الذين يحاولون العبور إلى أراضيها، ودعت أنقرة إلى التوقف عن إعادتهم "قسرياً" وفتح الحدود أمامهم. وشددت على أن "الظروف في سوريا ليست آمنة لعودة اللاجئين".

المانيا

وفي هذا الشأن أطلق سوريون يعيشون في ألمانيا وسم ”أنا أدفع ثمن قهوتي“ على وسائل التواصل الاجتماعي بعد أن أغضبهم تصريح لسياسي من اليمين المتطرف زار سوريا في الآونة الأخيرة قال إن دافعي الضرائب الألمان يتحملون ثمن قهوة اللاجئين السوريين. وزار سبعة من أعضاء حزب (البديل من أجل ألمانيا) سوريا لجمع معلومات عن الوضع الأمني على أمل إظهار أن سوريا بلد آمن من الممكن إعادة طالبي اللجوء الذين تُرفض طلباتهم إليه.

ونشر كريستيان بليكس، المشرع الإقليمي عن حزب (البديل من أجل ألمانيا)، صورة له وهو يشرب القهوة في مدينة حمص التي دمرتها الحرب. وكتب على فيسبوك ”بينما يشرب من يوصفون باللاجئين السوريين القادمين من حمص القهوة على حساب دافع الضرائب الألماني نشرب نحن القهوة على حسابنا في حمص“. ورد سوريون يعيشون في مناطق مختلفة في ألمانيا بنشر صور ومقاطع فيديو قصيرة لأنفسهم وهم يشربون القهوة ويقولون ”أنا أدفع ثمن قهوتي“.

وقالت علا سليمان، وهي سورية تدرس الطب في برلين تشارك في الحملة ”عندما رأيت الصورة التي نشرها السيد كريستيان بريكس، وجدت أنها مهينة حقا“. وأضافت أن كل السوريين الذين التقت بهم أثناء العمل في مركز لدمج اللاجئين في برلين يريدون العمل لكن الحصول على وظيفة يمثل تحديا كبيرا لهم. وقال مهند مالك، وهو مهاجر سوري نشر صورة له مع الوسم، إن الحملة تهدف إلى توجيه رسالة لحزب البديل من أجل ألمانيا مفادها أن السوريين جزء من المجتمع.

وأضاف مالك، الموجود في ألمانيا منذ 2016 ويعمل باحثا في البيولوجيا الخلوية وعلم الأورام في برلين ”أعتقد أنه لما زار سوريا، أجل، ربما دفع ثمن قهوته، لكن ثمن أمنه الشخصي لم يُدفع من جيبه الخاص وإنما من جيب دافعي الضرائب السوريين“. وقال”نحن لاجئون. نحن مهاجرون. ونحاول المشاركة في (تحقيق) الثروة للشعب الألماني“. بحسب رويترز.

واقترح حزب (البديل من لأجل ألمانيا) في نوفمبر تشرين الثاني، بعد فوزه بثالث أكبر عدد من المقاعد في البرلمان في الانتخابات الوطنية، إعادة نصف مليون لاجئ سوري يعيشون في ألمانيا إلى بلدهم، قائلا إن الحرب هناك شارفت على الانتهاء. وقال يورجن بول، السياسي بالحزب والذي زار سوريا أيضا، إن من الممكن إرسال السوريين إلى أماكن آمنة محددة في سوريا، وليس مناطق مثل الغوطة الشرقية القريبة من دمشق والتي فر منها آلاف المدنيين مع تقدم القوات الحكومية. وأضاف بول لراديو دويتشلاند فونك ”في وسط دمشق، لا توجد مشكلة الآن في إعادة اللاجئين“.

تركيا

على صعيد متصل دعت رئيسة بلدية مدينة تركية، استقبلت العدد الأكبر من اللاجئين السوريين، الاتحاد الأوروبي للوفاء بتعهداته بتقديم مساعدات فيما يسعى مجلس البلدية لتوفير سبل عيش مستدامة للناس. واستقبلت تركيا نحو 3.5 مليون لاجئ من سوريا وآوت مدينة غازي عنتاب في جنوب البلاد قرب الحدود الشمالية مع سوريا 500 ألف أو ما يعادل ربع عدد سكانها.

بعد أن تدفق أكثر من مليون لاجئ عبر تركيا إلى الاتحاد الأوروبي في 2015 وافق التكتل على أن يدفع لأنقرة مبلغا مقابل منع مزيد من اللاجئين من عبور البحر المتوسط إلى اليونان ومن ثم التحرك نحو الدول الغنية في غرب أوروبا. وقلص هذا الاتفاق بشدة عدد اللاجئين الذين يحاولون العبور. ويقول الاتحاد الأوروبي إنه دفع بالفعل المبلغ الذي وعد بتقديمه لتركيا وقيمته ثلاثة مليارات يورو (3.7 مليار دولار) خلال عامي 2016 و 2017 رغم أن أقل من مليارين من هذا المبلغ صرفت حتى الآن بسبب مسائل إجرائية وهو أمر تعتبره تركيا تافها.

وقالت فاطمة شاهين رئيسة بلدية غازي عنتاب وإحدى أبرز أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي ينتمي له الرئيس طيب إردوغان ”نتوقع من الاتحاد الأوروبي أن يفي بوعوده بأسرع وسيلة ممكنة.. عليهم أن يحولوا أقوالهم إلى أفعال“. وتريد شاهين، التي ستجتمع مع كبار المسؤولين في مجال الهجرة والإغاثة الإنسانية بالاتحاد الأوروبي في بروكسل، من التكتل أن يساهم بالمزيد لأن غازي عنتاب تحولت من تقديم الغذاء والمأوى للاجئين إلى توفير التعليم والخدمات الصحية والوظائف لهم.

ومنذ اتفاق الهجرة في أوائل 2016 توترت العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي بشأن ما يرى التكتل أنه نزعة استبدادية لدى إردوغان ومعاملته الصارمة للمنتقدين والمعارضين ولا سيما منذ المحاولة الانقلابية في يوليو تموز 2016. ورغم أن تركيا حليف قوي لحلف شمال الأطلسي فقد جمد الاتحاد الأوروبي بشكل فعلي مساعيها لنيل عضويته، المؤجلة بالفعل في جميع الأحوال، ردا على عمليات الفصل والاعتقال واسعة النطاق لأفراد الجيش والقضاة والعلماء والصحفيين بعد محاولة الانقلاب. بحسب رويترز.

ورغم أن إردوغان يريد من كل اللاجئين السوريين أن يعودوا لموطنهم في نهاية المطاف فإن شاهين تدرك بصفتها رئيسة بلدية مدينة تقع قرب الحدود السورية أن هذا لن يحدث قريبا. وقالت ”أبرمنا اتفاقا مع الاتحاد الأوروبي وتركيا تنفذ شروطها بشكل كامل“ مضيفة أن الدفعة الأولى من المساعدات التي تبلغ قيمتها ثلاثة مليارات يورو ينبغي أن تصل سريعا. وتابعت ”لا يوجد يقين بشأن الدفعة الثانية في الوقت الراهن ونحن نريد أن يحدث كل شيء كما وعدوا به وبأسرع وقت ممكن“. وكانت رئيسة البلدية تشير إلى ثلاثة مليارات يورو أخرى وعد الاتحاد بشكل مبدئي بدفعها لكنه، بعد تدهور العلاقات، يناقش إمكانية وكيفية الوفاء بهذا الوعد.

الأردن

في السياق ذاته أعلنت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، في بيان أن الأردن بدأ في الرابع من آذار ، بتنظيم وضع اللاجئين السوريين بدون تصاريح، ما يوفر لهم حماية أكبر. لكنها أشارت إلى أن الحكومة الأردنية ألغت، في 24 كانون الثاني الماضي، إمكانية حصول من يعيش خارج مخيمات اللاجئين على الرعاية الصحية المدعومة. واعتبرت المنظمة، أن قرار تنظيم وضع اللاجئين يحمي الآلاف من اللاجئين السوريين من الاعتقال، كونهم يعيشون خارج مخيمات اللاجئين بشكل غير قانوني، ويزيد فرص حصولهم على وظائف ومساعدات وتعليم. في حين أن قرار الرعاية الصحية سيترك كثيرين منهم غير قادرين على تحمّل تكاليف العلاج والمتابعة الصحية.

وقال الباحث الأول في قسم حقوق الطفل في "هيومن رايتس ووتش"، بيل فان إسفلد: "الخطوة الرامية إلى تنظيم وضع اللاجئين السوريين خارج المخيمات في الأردن، تعني أنه لم يعد عليهم الاختباء، وتعد بمستقبل أفضل لأطفالهم. لا ينبغي للأردن ومانحيه الدوليين أن يقوّضوا هذه التحسينات، عبر وقف الرعاية الصحية للاجئين الذين يعانون أصلا من أجل تحمّل تكاليفها".

وأشارت المنظمة إلى نتائج دراسة استقصائية للاجئين السوريين الذين يعيشون خارج المخيمات أجرتها "يونيسف"، في شباط الماضي، بينت أن 45 في المائة من الأطفال السوريين دون 6 سنوات لا يحصلون على الرعاية الصحية اللازمة مثل اللقاحات، وإن 85 في المائة من الأطفال السوريين في الأردن يعيشون تحت خط الفقر. واعتبر البيان، أن قرار "التنظيم" أو "الإعفاء" الذي أعلنته "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، ينطبق على السوريين الذين غادروا مخيمات اللاجئين في الأردن من دون إذن من الحكومة للحصول على ظروف معيشية أفضل في البلدات والمدن، لكنهم لم يتمكنوا من تلبية الشروط الصارمة للأردن بالتسجيل كطالبي لجوء خارج المخيمات.

كما يشمل التنظيم السوريين الذين لم يسجلوا لدى المفوضية. ويؤثر القرار على 30-50 ألف سوري. في حين أن أكثر من 3300 سوري نظموا أوضاعهم القانونية،. ويتطلب قرار الرعاية الصحية، بحسب المنظمة، أن يدفع اللاجئون السوريون خارج المخيمات نفس التكاليف التي يدفعها الأجانب الآخرون في المستشفيات الحكومية، أي 80 في المائة من كلفة العلاج مقدما. وحصل اللاجئون السوريون على الرعاية الصحية المجانية منذ 2012 وحتى 2014، ومنذ ذلك الحين تلقوا نفس الإعفاءات المالية للأردنيين غير المؤمّنين.

وأوضح البيان أن جميع اللاجئين السوريين الذين فرّوا إلى الأردن منذ منتصف 2012 نقلوا إلى مخيمات اللاجئين في مخيمي الزعتري أو الأزرق، ومعظمهم مسجلون لدى المفوضية. وحتى تموز 2014، سمح الأردن للاجئين بمغادرة المخيمات والانتقال إلى المناطق الحضرية، ولكن في وقت لاحق سمح لهم فقط بالانتقال إذا كان ذلك بكفالة أحد أقربائهم، وفقا لشروط صارمة أخرى. وعلقت هذه العملية في أوائل 2015، ما لم يترك للناس في المخيمات خيار مغادرتها، سوى لفترة وجيزة فقط من خلال "تصاريح الإجازات".

ورأت "هيومن رايتس ووتش" أن توقيف اللاجئين السوريين الذين لم يتمكنوا من إثبات أنهم كانوا خارج المخيمات، ساهم بشكل كبير في عمالة الأطفال، وانقسام العائلات، واضطرار الأطفال إلى ترك المدرسة للعمل إذا تم اعتقال آبائهم وإرسالهم إلى مخيمات اللاجئين. كما أدى الفقر بين اللاجئين السوريين إلى زيادة معدلات زواج الأطفال. وتسبب ذلك في عراقيل منع التحاق الأطفال بالمدارس، والحصول على المنح والمساعدات الشهرية. ومنذ بداية الصراع السوري حتى نهاية عام 2016، أوضح الأردن أنه أنفق 1.5 مليار دينار أردني (2.1 مليار دولار أميركي) على الرعاية الصحية للاجئين السوريين، مقدرا تكاليف الرعاية الصحية المباشرة بأكثر من 115 مليون دولار سنويا من 2018 إلى 2020.

ولم يوفر التمويل الإنساني الدولي للاجئين في الأردن، الذي يستضيف أكثر من 650 ألف لاجئ سوري مسجل بالإضافة إلى اللاجئين العراقيين وغيرهم، سوى نحو 66 في المائة من احتياجات الرعاية الصحية في عام 2017، ونصف الميزانية الإنسانية الإجمالية. ورأت "هيومن رايتس ووتش" أن على المانحين الدوليين الوفاء بتعهداتهم لدعم الأردن كدولة مضيفة للاجئين السوريين. ولفتت إلى أن المفوضية لم تتلق حتى فبراير الماضي سوى 17.8 مليون دولار من أصل ميزانية 274.9 مليون دولار يحتاجها الأردن خلال 2018.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3