ينتمي مبدأ العدالة الاجتماعي إلى حزمة الحقوق المدنية التي تعد المرتكز الأساس لحياة الإنسان الحرة المؤمَّنة، وأهم الأركان والحقول التي ينشط فيها هذا المبدأ، هو حقل الاقتصاد والثروات والوظائف والفرص الأخرى، وجعلها متاحة للجميع في مسافة واحدة، فيسود في هذه الحالة، مبدأ مهم من مبادئ الحقوق المدنية ونعني به العدالة الاجتماعية.

وبحسب علماء الاقتصاد فهي (نظام اقتصادي واجتماعي يهدف إلى إزالة الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين طبقات المجتمع، وتسمى أحياناً العدالة المدنية، وتصف فكرة المجتمع الذي تسود فيه العدالة في كافة مناحيه، بدلاً من انحصارها في عدالة القانون فقط. وبشكل عام، تُفهم العدالة الاجتماعية على أنّها توفير معاملة عادلة وحصة تشاركية من خيرات المجتمع، وتشكل العدالة الاجتماعية مادة خصبة للنقاش في السياسة، والدين، ومحددات المجتمع المتحضر، من وجهة نظر اليسار، تتمثل العدالة الاجتماعية في النفعية الاقتصادية، وإعادة توزيع الدخل القومي، وتكافؤ الفرص، وغيرها من ملامح المجتمع المدني، أما من وجهة نظر اليمين، فهي متناقضة في ما بينها ومبهمة لكونها تحتوي على هيكل محدد لما هو عادل اجتماعياً.

ويعتمد الفيلسوف السياسي الليبرالي جون رولس (1921-2002) بعض فلاسفة التبصر، وأفكار العقد الاجتماعي عند جون لوك، وأفكار كانت، وقد ورد أول تعبير له عن نظريته في العدالة الاجتماعية في "نظرية في العدالة" التي نشرت في 1971، وتعد العدالة الاجتماعية في كتابات جون رولس، فكرة فلسفية لا سياسية، كما تعد من الأركان الأربعة لحزب الخضر التي تعتقد بها جميع أحزاب الخضر في العالم.

مراعاة الحقوق ومدنية المجتمع

أما الحريات الأساسية عند جون رولس، فهي حرية الفكر، حرية التعبير والصحافة، حرية التجمع، حرية العمل المشترك، حرية التنقل، حرية اختيار الوظيفة. وهي كما نرى تعدّ مرتكزات أساسية للحرية بمفهومها الشامل، ولا يصح الحديث عن الحرية دون اعتماد فروع الحريات المذكورة آنفا، وطالما أنها تحجز لها مساحة واسعة من حيّز الحريات، فإنها والحال تدخل ضمن حزمة الحقوق المدنية، التي تعدّ من أهم سمات الأمم والشعوب المتمدنة، أما في حالة ضعف أو أو انتفاء هذه الحقوق، فإن ذلك يعطي دليلا قاطعا على تخلف الأمة أو الشعب.

وقد عُدّ تطبيق العدالة الاجتماعية ومراعاة الحقوق المدنية دليلا على مدنية المجتمع ومتانة وجودة النظام السياسي في الدولة، لهذا ينبغي أن يكون هناك تنفيذ دقيق لمعيار العدالة الاجتماعية، من خلال اعتماد التشريع وتطبيق القانون، وبوساطة نشر ثقافة احترام الحريات الفردية والجماعية حتى تغدو سلوكا شائعا بين الجميع، ويبدو أن الأمر يتعلق على نحو مباشر بالعدل والإنصاف الرسمي والعرفي او الاجتماعي، العدل بمفهومه العام، بما يؤكد عدم التجاوز على حقوق وحدود الآخر وخصوصياته وأفكاره، وكل ما يتعلق بحياته، فلابد من خلق نظام جيد من المساواة بين الجميع، مع حتمية الامتناع التام عن تفضيل فئة أو جهة أو حزب أو فرد على آخر في جميع الأمور التي تدخل في إطار العدالة الاجتماعية.

وانطلاقا من هذا التصوّر الأساس لجعل العدالة الاجتماعية معيارا في نجاح الثالوث الأساس لأية دولة (الشعب، الحكومة، التشريع)، فمما لا شك فيه أن لها أهميتها القصوى في حياة الفرد والمجتمع، فهي تعني تكافؤ الفرص بين الجميع، وتعني شمول الجميع بالنظرة الإنسانية والسلوك السليم، فالمرأة على سبيل المثال هي الحلقة الأضعف في المجتمع الذكوري، لاسيما المجتمعات المتخلفة او المتأخرة عن الركب العالمي المتطور، ولا يمكن ضمان حقوق المرأة المتعارف عليها، ما لم يتحقق مبدأ العدالة الاجتماعية ويشمل الجميع في بنوده وخطواته، بمن فيهم المرأة، فضلا عن الطبقة الفقيرة في مثل هذه المجتمعان، حيث ترزح دائما تحت قبضة الصمت، وتحكمها أنظمة سياسية لا تعترف بمبدأ العدالة الاجتماعية لأنه لا يحقق لها أي امتيازات تُذكَر.

شروط وممكنات الحقوق المدنية

فإذا أراد الباحثون والساعون إلى زرع العدالة الاجتماعية وتنشيطها ضمن حزمة الحقوق المدنية، فإن ذلك يستدعي شروط وممكنات عديدة، إذ لا يتحقق هذا الاشتراط الحقوقي من دون سعي منظّم، ومخطط له من قبل المنظمات والمؤسسات الرسمية المعنية بتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية، واستمرار السعي الى الإصلاح ونشره بين الجميع، بسبب أهمية الوعي والثقافة والإيمان بالتساوي في فرص الحياة كافة وإتاحتها للجميع كل حسب قدراته ومواهبه وكفاءته، على أن يُمنَع الانتهازيون من التدخل في صناعة حاضر ومستقبل الأجيال، لاسيما فيما يتعلق بالبناء المجتمعي وفقا لمبدأ العدالة الاجتماعية وأهمية هذا المبدع في صيانة الحقوق المدنية.

بالطبع لن يتحقق للفرد أو المجتمع ما يصبو إليه في هذا المجال الحقوقي، لذلك يتأكد لنا أن هناك نوعا من الصراع بين من يؤمن بتحقيق العدالة الاجتماعية، وشمولها للجميع وجعلها حالة سلوك شائعة، تعم شرائح ومكونات المجتمع كافة، وبين من تتضارب مصالحهم مع تحقيق هذا المبدأ، وهم في الغالب الجهات التي ترى في العدالة تهديدا لمصالحها، ومنافعها التي تتأسس أصلا على حساب وحقوق الآخرين. لذا لابد أن يسعى الجميع لتحقيق هذا المبدأ، وأولهم النخب المثقفة ورجال الدين والمفكرين، وغيرهم ممن يسعون لبناء مجتمع مدني متطور، وقادر على حماية حقوق الجميع، من خلال انتهاج وتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية، وصيانة الحقوق المدنية كونها تشكل عمود المجتمع المدني الشاخص والراكز في مجال الحقوق.

ومن المؤكّد أن العدالة الاجتماعية تتطلب مساعٍ كبيرة ومنتظمة ذات ديمومة واستمرار في تثبيت أسس هذا المبدأ الحقوق الأساس، لذلك يجب أن نفهم ونؤمن بالدور الريادي للثقافة والوعي والتطور الفكري أولا، بمعنى إذا تحقق التطور المادي (الصناعي الزراعي وسواهما)، قد لا يعني هذا حدوث قفزة باتجاه تحقيق العدالة الاجتماعية، لأن الأمر يرتبط على نحو وثيق بدرجة الوعي الفكري العام، وخصوصا وعي النخب التي تقود المجتمع، وقد يشمل هذا عموم المجتمع العالمي، لذا ينبغي أن يكون ثمة ترابط وثيق بين التطور المادي والسمو الفكري للمجتمع عموما، هذا الرأي يدلل على أن الحياة البشرية السعيدة، ليست مرهونة بالتطور المادي وحده، بل لابد أن تتحقق درجة جيدة من العدالة الاجتماعية التي تسود المجتمعات كافة، فالبون شاسع بين مجتمعات التطور المادي الهائل، وبين المجتمعات المتأخرة، التي تعاني من العوز المادي المتضخم مع مرور الزمن، على الرغم من أن العصر الراهن بات يقف على تخوم عصر آخر سوف يكون أكثر تطورا وسرعة واختلافا.

انقر لاضافة تعليق
حامد الجبوري
احسنت حقيقة هذا المقال راائع جدا وبحاجة الى اجراء المزيد من الاهتمام به من قبل مؤسسات المجتمع المدني واجراء العديد من المناقشات والندوات والمؤتمرات حتى تنضج لدى المجتمع ويستطيع بعدها مطالبة الحكومة بتطبيقه.2018-03-04

مواضيع ذات صلة

1