تسعى الحكومة البريطانية التي تواجه انتقادات عنيفة بسبب استمرار مسلسل فضائح الاعتداءات الجنسية وجرائم الاغتصاب وخصوصا ضد الأطفال التي ارتكبتها شخصيات مشهورة، الى اتخاذ إجراءات صارمة للحد من تفشي وانتشار هذه الظاهرة الخطيرة، حيث تشير بعض التقارير الى ارتفاع معدلات حالات الاغتصاب المسجلة في بريطانيا، إلى حدود غير مسبوقة في أعقاب الكشف عن العديد من فضائح الاعتداء الجنسي داخل البلاد. ويأتي التحرك الحكومي كما تشير بعض المصادر مع صدور تقرير خاص في قضية هزت الرأي العام البريطاني بعد أن كُشف عن تعرض ٣٧٣ طفلا للاعتداء الجنسي في مقاطعة أوكسفوردشاير الإنجليزية بين عامي ٢٠٠٤ و٢٠١٢، على يد عصابة مكونة من سبعة أشخاص، وأن الشرطة والمجلس المحلي هناك ارتكب العديد من الأخطاء في هذه القضية. إضافة إلى اعتداءات أخرى على ١٤٠٠ طفلة بينهن فتيات أعمارهن 11 في مقاطعة روثرهام بإنجلترا بين عامي ١٩٩٧ و٢٠١٣، وتم الكشف عنها في وقت سابق. وجرائم الاغتصاب وبحسب بيانات سابقة تحدث بمعدل جريمة واحدة كل 20 دقيقة. وتشمل الاغتصاب وسفاح المحارم وبغاء الأطفال والمواد الإباحية.

ويعتزم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون جعل الاعتداء الجنسي على الأطفال أولوية وطنية والمساواة بينه وبين الجريمة المنظمة عندما يعلن عن سلسلة إجراءات لمنع الاعتداء الممنهج على الأطفال. وقال مكتب كاميرون إن تصنيف الاعتداء الجنسي على الأطفال كتهديد وطني من شأنه الزام قوات الشرطة بالتعاون في مختلف المناطق لحماية الأطفال.

وسيعلن كاميرون عن إجراءات أخرى أيضا لتحسين التنسيق بين الهيئات العامة وخط مساعدة ساخن لتشجيع المبلغين. علاوة على ذلك سيقترح كاميرون اثناء حديثه في اجتماع مع بعض الضحايا والشرطة وخبراء حماية الأطفال في مقر اقامته الرسمي في لندن فرض عقوبات جنائية على كبار العاملين في القطاع العام الذين يخفقون في حماية الأطفال من الاعتداء.

معضلة الشذوذ والاطفال

وفي هذا الشأن قالت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة في بريطانيا إنها اعتقلت 660 شخصا خلال عملية سرية مستمرة منذ ستة أشهر لضبط أشخاص يبحثون على الانترنت عن صور اباحية للاطفال. وكان من بين المحتجزين أطباء ومدرسون وقادة كشافة وعاملون في مجال الرعاية وضباط شرطة سابقون واشتركت في العملية 45 وحدة شرطة في شتى انحاء المملكة المتحدة. وقالت الوكالة انه تم "تأمين" أكثر من 400 طفل بفضل هذه العملية.

ومن بين 660 شخصا تم احتجازهم في العملية كان هناك 39 شخصا ارتكبوا جرائم جنسية لكن الغالبية لم تكن معروفة للسلطات من قبل وبعضها كان مسؤولا عن رعاية اطفال بشكل مباشر. وبدأت الوكالة التي تقوم بدور مكتب التحقيقات الاتحادي في الولايات المتحدة العملية في اكتوبر تشرين الاول بغرض تحسين عمليات التنسيق بين أجهزة الشرطة في قضايا منها التحرش الجنسي بالاطفال والجريمة المنظمة.

وصدمت بريطانيا في السنوات القليلة الماضية بعد اكتشاف ان عددا من المشاهير تورط في اعتداءات جنسية على الاطفال خلال السبعينات والثمانينات. وصدر في بريطانيا حكم بسجن نجم برامج الاطفال التلفزيونية رولف هاريس لادانته بالاعتداء جنسيا على فتيات صغيرات بينما كشفت الشرطة عام 2012 ان مذيع البي.بي.سي جيمي سافيل تورط في فضائح جنسية مع اطفال. بحسب رويترز.

وبعد تكشف هذه الفضائح انهالت الاتهامات من اشخاص قالوا انهم كانوا ضحايا تحرش جنسي في طفولتهم. وبعد سلسلة من الاتهامات بأن المؤسسة السياسية دأبت على التستر على فضائح التحرش الجنسي باطفال تورط فيها سياسيون معروفون في الثمانينات أطلق رئيس الوزراء ديفيد كاميرون تحقيقا لمعرفة ما اذا كانت مؤسسات الدولة قد تخاذلت في حماية الاطفال من التحرش الجنسي. لكن الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة أوضحت ان العملية التي تقوم بها حاليا لا تستهدف جرائم قديمة.

الامير اندرو فضيحة جديدة

من جانب اخر بات الامير اندرو مجددا هدفا لوسائل الاعلام البريطانية بعدما ورد اسمه في قضية استغلال جنسي لقاصر تلاحقه منذ سنوات عدة، ما اثار ردا جديدا وقوي اللهجة من قصر باكينغهام. ومرة جديدة تغرق صداقة الامير اندرو (54 عاما) القديمة والمثيرة للجدل مع رجل الاعمال الاميركي الثري جدا جيفري ابستين، النجل الاوسط للملكة اليزابيث الثانية في الدوامة وتحرج قصر باكينغهام.

فقد حكم على جيفري ابستين الذي كسب المليارات في بورصة وول ستريت، في العام 2008 بالسجن 18 شهرا بعد ادانته بتهمة الاستعانة بخدمات مومسات قاصرات. وقد نشرت له بعد ثلاث سنوات على ذلك صورة في الصحف البريطانية وهو يتنزه في نيويورك مع الامير اندرو الذي ابقى على ما يبدو على صداقته به. وقد اثارت الصورة ضجة كبيرة حينها حملت نجل الملكة والخامس في ترتيب ولاية العرش الى التخلي عن منصب ممثلا خاصا للحكومة البريطانية لشؤون التجارة العالمية.

وكانت للامير الذي تلطخت سمعته ايضا بسبب فضائح زوجته السابقة ساره فرغسون، علاقات اثارت شبهات مع صهر الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي ونجل الزعيم الليبي معمر القذافي ومليادير كازاخستاني مثير للجدل. وقد عادت قضية ابستين لتطاله من خلال شكوى تقدمت بها امرأة في فلوريدا (الولايات المتحدة). والامير اندرو غير معني مباشرة بالشكوى اذ ان الشهادة اتت في اطار اجراءات قضائية مدنية يتهم فيها المدعون العامون بانهم ابرموا اتفاقا مع ابستين في العام 2008 من دون استشارة الضحايا.

الا ان الضحية المعرف عنها في الشكوى باسم "جاين دو 3"، تأتي على ذكر اسمه وتؤكد انها ارغمت عندما كانت قاصرا على "اقامة علاقات جنسية" مع دوق يورك في لندن ونيويورك وفي الكاريبي خلال جلسات جنس جماعية مع قاصرات أخريات. ولم يرد في الشكوى اي تاريخ محدد الا ان "جاين دو 3" تؤكد انها كانت ضحية "استرقاق جنسي" من قبل ابستين بين عامي 1999 و2002 وانها تحركت بأوامر منه.

وفي بيان جديد صدر بعد نشر مقتطفات من مقابلات مع مقدمة الشكوى تشير فيها الى لقاءات مع الامير اندرو، في صحيفتي "ذي ميل اون صنداي" و"ذي صنداي ميرور"، نفى قصر باكينغهام "نفيا قاطعا ان يكون دوق يورك قام باي اتصال او اي علاقة جنسية" مع هذه المرأة. واضاف القصر "هذه الادعاءات خاطئة ولا اساس لها من الصحة". ويلزم القصر عادة الصمت في ظروف كهذه، لكنه حرص هذه المرة على التحرك بسرعة وبقوة.

وقال قصر باكينغهام ان "اي ادعاء يفيد بحصول تصرفات غير مناسبة مع قاصر خاطئ كليا". وتتهم "جاين دو 3" الملياردير الاميركي بانه "اعار" فتيات الى "رجال سياسيين اميركيين من الصف الاول ورجال اعمال نافذين ورؤساء اجانب ورئيس وزراء معروف جدا وقادة عالميين اخرين". ومن بين الاشخاص المذكورين الامير اندرو وجيفري ابستين ومحاميه في العام 2008 آلن ديرشوفيتس احد اهم رجال القانون في الولايات المتحدة.

ونفى هذا الاخير نفيا قاطعا ان يكون ضالعا في القضية متهما مقدمة الشكوى بانها "فبركت هذه القضية" من اجل ابتزاز المال من ابستين. واضاف "انا بريء وسأدافع عن نفسي لان ليس لدي ما اخفيه" مضيفا انه على قناعة ببراءة الامير اندرو. وقد كرست الصحف البريطانية كلها صفحاتها الاولى لهذه القضية. ودخل بعضها في تفاصيل العلاقة بين الامير وابستين اللذين كانا يمضيان بعض العطل معا. وقد يكون رجل الاعمال الاميركي سدد جزءا من ديون ساره فرغسون التي لا يزال الامير اندرو قريبا منها. بحسب فرانس برس.

ونشرت صحف عدة مجددا صورة قديمة سبق ان نشرت في السابق تظهر دوق يورك مع فيرجينيا روبرتس التي كانت يومها في السابعة عشرة خلال سهرة نظمها ابستين في العام 2001. وقبل سنوات قليلة اتهمت فيرجينيا روبرتس ابستين بانه قدمها كسلعة جنسية الى مقربين منه نافذين من بينهم امراء من دون ان تأتي على ذكر اسم الامير اندرو. وألمحت وسائل اعلام عدة السبت الى ان فيرجينيا روبرتس ليست الا "جاين دو 3".

من جانب اخر وجهت تهمة ارتكاب اعتداءات جنسية إلى مساعد سابق للأمير فيليب، زوج ملكة بريطانيا إليزابيث، وتعود هذه الاعتداءات إلى سنوات السبعينات. وقال مدعون إن مساعدا سابقا للأمير فيليب، زوج الملكة إليزابيث ملكة بريطانيا، وجهت له اتهامات بارتكاب تجاوزات جنسية بحق فتاة في السبعينيات، وهي فترة كان يعمل خلالها لدى العائلة المالكة.

ووجهت لبنجامين هيرمان (79 عاما) ثلاثة اتهامات بالاعتداء على فتاة عمرها 12 عاما تقريبا وتهمة أخرى بالشروع في الاعتداء بين عامي 1972 و1974. وقال متحدث باسم هيئة الإدعاء الملكية "سيمثل أمام هيئة قضاة ويمبلدون". ولم يتسن الوصول لهيرمان للتعقيب، لكن عندما سألته صحيفة ديلي ميرور إن كان سينفي الاتهامات أجاب "بالطبع". وقال قصر بكنجهام إنه لن يدلي بأي تعقيب أثناء سير الإجراءات القانونية.

مشهورون يطاردون القاصرين

في السياق ذاته قال متحدث باسم المغني البريطاني الشهير كليف ريتشارد إن الشرطة البريطانية استمعت لأقوال ريتشارد في إطار تحقيق في مزاعم ذات طبيعة جنسية ترجع إلى الثمانينات ربطت بينه وبين صبي قاصر. ونفي ريتشارد البالغ من العمر 73 عاما ارتكاب أي اثم. وكانت الشرطة قد فتشت منزله في اطار التحقيق في نفس المزاعم.

وقال المتحدث "ذهب كليف ريتشارد طواعية للقاء أعضاء من شرطة ساوث يوركشير. لم يتم القاء القبض عليه أو توجيه اتهامات له." وأضاف "تعاون بالكامل مع الضباط وأجاب على الأسئلة الموجهة إليه. وبخلاف إعادة التأكيد على أن هذه المزاعم عارية عن الصحة تمام وبانه سيواصل التعاون الكامل مع الشرطة لن يكون من المناسب بالنسبة للسير كليف أن يقول أي شيء آخر في الوقت الحالي."

وأكدت شرطة ساوث يوركشير انها استمعت لأقوال ريتشارد "فيما يتعلق بمزاعم علاقة جنسية تعود لعام 1985." وذكرت الشرطة في بيان أن ريتشارد حضر إلى مقر الشرطة بناء على ترتيبات سابقة وجرى استجوابه على سبيل الاحتياط لكن لم يتم القاء القبض عليه. وولد ريتشارد عام 1940 واشتهر في بدايته بلقب إلفيس بريسلي بريطانيا.

على صعيد متصل اتُّهِم قاض بريطاني بالنوم أثناء جلسة مخصصة لنظر قضية اغتصاب طفل في مدينة مانشستر، الأمر الذي أدى إلى تأجيل المحاكمة. واشتكى محامون من أن القاضي، فيليب كاتان، استسلم للنوم عندما كان ضحية مزعوم للاغتصاب يخضع للاستجواب.

وتقرر إعادة جدولة القضية لتعرض في وقت لاحق بعدما استغني عن خدمات هيئة المحلفين. وقال مكتب التحقيق في سلوك جهاز القضاء إنه على علم بهذه المزاعم، مضيفا أن تحقيقا يجري لتحديد ملابسات الموضوع. وأضاف المكتب أن القاضي كاتان لا يمكن أن يعلق على الحادثة لأنه يخضع للتحقيق في الوقت الراهن. بحسب رويترز.

والقاضي في الأصل محام لكن النظام القضائي البريطاني يطلب منه الجلوس في منصة القضاء ما بين 15 و30 يوما في السنة وإذا توصل مكتب التحقيق في جهاز القضاء إلى أن القاضي كاتان مذنب بالنوم خلال جلسة عمل، فإنه وزير العدل البريطاني هو الذي يقرر العقوبة التي يستحقها. وتابع مكتب التحقيق في سلوك القضاء قائلا إن المحاكمة سيعاد جدولتها في أقرب وقت بعد الاستغناء عن هيئة المحلفين، مضيفا أن المشتكين والشهود قد أخبروا بذلك. وقالت رئيسة الادعاء العام السابقة، فيرا بايرد، إنها تشعر بالصدمة جراء هذه الادعاءات. وتساءلت بايرد قائلة "ماذا يمكن أن يحدث للدولة ومنظومة العدل والنظام القضائي الجنائي؟"

ضحايا من إفريقيا

الى جانب ذلك قال مكتب محاماة بريطاني إن شابات وفتيات صغار تزعمن أنهن تعرضن لاعتداءات جنسية في دور للأيتام ومدارس في عدد من البلدان الأفريقية من قبل طيار كان يعمل في الخطوط الجوية البريطانية ستقاضين شركة الطيران. ويقول المحامون إن على الخطوط الجوية البريطانية أن تتحمل مسؤوليتها عن أفعال الطيار سايمون وود الذي قام بالجرائم المزعومة المنسوبة إليه خلال توقف الطائرات في كينيا وأوغندا وتنزانيا.

وعثر على وود (54 عاما) في أغسطس آب عام 2013 ميتا بعد أن دهسه قطار وذلك قبل أسبوعين من مثوله أمام المحكمة في اتهامات بالإعتداء الجنسي والتقاط صور فاضحة لطفلة. وقالت نيكولا مارشال وهي محامية في شركة (لي داي) للمحاماة التي تمثل نحو 16 ضحية مزعومة لوود تتراوح أعمارهن بين 8 و20 عاما "نحن نزعم أن وود كان قادرا على استغلال الضحايا بسبب وظيفته في الشركة وخصوصا مشاركته في أعمال اجتماعية للشركة". بحسب رويترز.

وأضافت "جميع المدارس ودور الأيتام التي كانت ترتادها موكلاتنا كانت تتلقى تبرعات خيرية من الشركة وكان وود يلعب دورا رئيسيا في ادارة هذه التبرعات بالنيابة عن الخطوط الجوية البريطانية." وقالت إن فريقا من شركة المحاماة سيلتقي بضحايا محتملات أخريات في كينيا وأوغندا. وقالت الخطوط الجوية البريطانية في بيان "أصبنا بالصدمة والهلع لسماع المزاعم ضد سايمون وود التي يبدو أنها ذات صلة بمشاركته في نشاطات متعلقة بالاطفال تقع تماما خارج حدود مهام وظيفته مع الخطوط الجوية البريطانية."

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1