على الرغم من الإجراءات الأمنية المشددة التي تقوم بها بعض الدول الأوروبية على حدودها، لايزال الكثير من الافارقة يخاطرون بحياتهم من اجل الوصول الى اوروبا، هربا من الفقر والحروب وعدم الاستقرار السياسي والتقلبات المناخية، رحلة السفر غالبا ما تكون طويلة وشاقة. يتعرض فيها المهاجرون وكما نقلت بعض المصادر، لمخاطر متنوعة فمنهم من يسقط في أيدي عصابات متخصصة تستولي على اموالهم وتعنفهم وتقتلهم في بعض الأحيان ومنهم من تتخلى عصابات تهجير البشر عنهم وسط الصحاري بعد الاستيلاء على كل ما يملكون من اموال وزاد ليموتوا جوعا وعطشا. يضاف الى ذلك ان مئات الافارقة يموتون في البحر المتوسط اثناء محاولاتهم الوصول للضفة الاوروبية.

مآسي المهاجرين كانت وراءها ايضا سياسة للهجرة غلب عليها الطابع الأمني سواء سياسات الاتحاد الاروبي او بعض الدول الافريقية التي وقعت اتفاقيات مع الاتحاد لمراقبة الحدود والحد من تدفق المهاجرين نحو اوروبا. وقد حاول الاتحاد الاوروبي خلال القمة الاوروافريقية التي انعقدت في مدينة فاليتا بمالطا في نوفمبر 2015 ايجاد حلول لمعالجة اسباب الهجرة غير الشرعية من دول أفریقیا إلى الاتحاد الأوروبي. وتبين من خلال توصيات القمة بان الاتحاد لا زال يراهن على المقاربة الامنية للحد من الظاهرة حيث تبنت القمة توصية تؤكد على ضرورة تكثيف التعاون الأمني بين الاتحاد والدول الأفريقية للمساعدة في ضبط الحدود وتفكيك شبكات المتاجرين بالبشر.

كما ان التشريعات الاوروبية الحالية المتعلقة بعمليات الاعتراض البحرية لا زالت تشوه في نظرنا الخطاب المتعلق بحقوق الإنسان لصالح الأغراض الأمنية الداخلية لدول الاتحاد، وتعرض للخطر حياة المهاجرين واللاجئين في البحر. وتضاعف عدد المهاجرين الذين عبروا البحر من شمال أفريقيا في 2017 مقارنة بالعام الماضي وتشير المفوضية إلى أن ما يربو على 360 ألف لاجئ ومهاجر وصلوا إلى الشواطئ الأوروبية عبر البحر المتوسط العام الماضي. ووصل ما يزيد على 85 ألفا إلى إيطاليا حتى الآن هذا العام. وفي حين يبقى الطريق البحري عبر إيطاليا هو المسار المفضل مع وصول 59 ألفا في الفترة من يناير كانون الثاني إلى مايو أيار بزيادة 32 بالمئة مقارنة مع العام الماضي زاد الطلب على المسار الإسباني مع استخدام 6800 مهاجر لهذا المسار في نفس الفترة بزيادة 75 بالمئة مقارنة بعام 2016. وفي يونيو حزيران زاد اللجوء عبر هذا المسار بشكل كبير إذ وصل 1900 مهاجر أغلبهم شبان من غينيا وساحل العاج وجامبيا والكاميرون إلى سواحل منطقة الأندلس في جنوب إسبانيا ليصل الرقم إلى أربعة أمثال العدد المسجل في نفس الشهر من العام الماضي.

سعي اممي

وفي هذا الشأن قالت الأمم المتحدة إنه ينبغي إثناء المهاجرين وطالبي اللجوء من غرب أفريقيا عن الذهاب إلى ليبيا وهي نقطة المغادرة الرئيسية إلى أوروبا حيث يتعرضون في أغلب الأحيان لانتهاكات والاحتجاز على أيدي المهربين. وناشدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الدول المانحة توفير "بدائل مجدية" للناس الذين يخوضون رحلات خطيرة بالقوارب من أجل الوصول إلى أوروبا.

وقالت المفوضية إن أكثر من 110 آلاف مهاجر ولاجئ وصلوا بحرا إلى جنوب أوروبا هذا العام حتى الآن وفد 92 ألفا منهم إلى إيطاليا. وغرق 2360 شخصا على الأقل وتوفي عدد غير معروف في الصحراء الكبرى وهم يسعون للوصول إلى ليبيا. وقال فينسنت كوشيتل مبعوث المفوضية الخاص لمنطقة البحر المتوسط في إفادة صحفية "يجب ألا يذهب الناس إلى ليبيا. لا نعلم عدد الذين يفقدون حياتهم في مراكز الاحتجاز التي يديرها المهربون". وتابع يقول "لكن عندما تجري مقابلات مع الناس في إيطاليا تسمع حكايات مرعبة عن المفقودين".

وقال نائب وزير الخارجية الإيطالي إن بلاده تدرس إصدار تأشيرات سفر مؤقتة تسمح للمهاجرين بالسفر في أنحاء الاتحاد الأوروبي في إجراء يهدف للضغط على الدول الأخرى بالاتحاد لبذل المزيد من الجهد للمساعدة في تخفيف أزمة المهاجرين. وزادت المفوضية المبلغ الذي دعت لتوفيره ليصل إلى 421 مليون دولار بهدف تمويل استراتيجيتها في دول المنشأ والعبور بأفريقيا جنوب الصحراء وشمال أفريقيا وأيضا الوجهات المستهدفة في أوروبا. بحسب رويترز.

وقال كوشيتل إن ما بين سبعة وتسعة آلاف مهاجر ولاجئ يكونون محتجزين في ليبيا في أي وقت من الأوقات منهم من هم داخل مراكز احتجاز. ومضى يقول "الباقون في ليبيا يحتجزهم المهربون داخل ما تسمى ’دور اتصال’ أو مخازن ويتعرضون في الغالب لكل أنواع الانتهاكات". وقال "نعتقد أنه يمكن تجنب هذا الموقف". وأوضح أنه في دول أفريقيا جنوب الصحراء ومنها النيجر تهدف المفوضية لمساعدة الساعين للجوء في الوصول لإجراءات اللجوء وزيادة الوعي بمخاطر السفر إلى ليبيا". وأضاف قائلا "لذلك ما نقترحه... زيادة في الأنشطة التي توفر استقبالا ملائما وظروف استقبال جيدة وأيضا خدمات أخرى حتى يكون أمام الناس بدائل فعلية للبقاء في بلدان العبور تلك وأن تخضع حالاتهم وطلباتهم للفحص في تلك البلدان".

القوارب المطاطية

الى جانب ذلك أقر الاتحاد الأوروبي وضع قيود على تصدير القوارب المطاطية والمحركات المنفصلة للقوارب إلى ليبيا في محاولة للحد من الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا. ويهدف القرار الذي أصدره وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي الـ28 إلى مساعدة ليبيا الغارقة في العنف والفوضى على الحد من تدفق المهاجرين إلى ايطاليا، في ما بات حاليا الطريق الرئيسي للوصول إلى دول الاتحاد.

وأكدت وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فيديريكا موغيريني "اتخذنا قرارا لفرض قيود من اليوم فصاعدا على تصدير القوارب المطاطية والمحركات إلى ليبيا وتزويدها بها". وأضافت موغيريني التي شغلت في السابق منصب وزيرة الخارجية الإيطالية أن "هذه المعدات تستخدم من قبل المهربين للقيام بأنشطة تهريب. وسيساعد هذا القرار الذي اتخذناه على مستوى الاتحاد الأوروبي في جعل أعمالهم وحياتهم أكثر تعقيدا".

وأفاد بيان صادر عن الاتحاد الأوروبي أنه سيكون هناك أساس قانوني الآن لحظر تزويد ليبيا بالقوارب المطاطية والمحركات المنفصلة للزوارق في حال وجود "مبررات معقولة" للاشتباه في أنها ستستخدم من قبل مهربي بشر. وستنطبق القيود كذلك في حال عبورها من خلال الاتحاد الأوروبي إلى ليبيا -- في تحرك قد يؤثر على الصين حيث تتم صناعة معظم هذه القوارب والمحركات.

وأكد مجلس وزراء خارجية الاتحاد أنه سيظل بإمكان الصيادين وغيرهم ممن لديهم مبررات شرعية لاستخدام القوارب المطاطية والمحركات استيرادها. وأشارت مصادر أوروبية إلى أنه سيكون بإمكان دول الاتحاد الأوروبي حرمان شركات الاستيراد والتصدير التي يشتبه في أنها تزود المهربين بهذه البضائع من الرخص. وفي السياق ذاته، مدد وزراء الخارجية إلى نهاية العام 2018 عمل بعثة تابعة للاتحاد الأوروبي تتمثل مهمتها في مساعدة ليبيا على استعادة السيطرة على حدودها الجنوبية، وهي أول نقطة يصل إليها المهاجرون من افريقيا جنوب الصحراء. وتحاول ليبيا جاهدة السيطرة على حدودها البرية الطويلة مع السودان وتشاد والنيجر. بحسب فرانس برس.

وفي محاولة أخرى للحد من التهريب، درب الاتحاد الأوروبي 113 من حرس السواحل الليبي خلال الأعوام القليلة الماضية، فيما يخطط لتدريب 75 آخرين بدءا من ايلول/سبتمبر، بحسب ما أعلنت موغيريني. ويواجه الاتحاد الاوروبي ضغوطا متزايدة من ايطاليا لوقف تدفق المهاجرين إلى شواطئها، بما في ذلك مطالبات للدول الأعضاء للسماح بدخول عشرات الآلاف من المهاجرين في إطار خطة طوارئ أطلقت منذ نحو عامين ولم تطبق.

طريق اسبانيا

على صعيد متصل عاود آلاف المهاجرين الراغبين في بلوغ أوروبا سلوك طريق البحر في رحلة لا تخلو من المآسي باتجاه اسبانيا حيث ازداد عدد الواصلين مرتين منذ بداية السنة ولاسيما بسبب الوضع في ليبيا. وقال المتحدث باسم جمعية مكافحة العنصرية (SOS Racism) في اسبانيا ميكيل اراغواس "نحن قلقون لأننا نحصي أعدادا لم نشهد لها مثيلا منذ سنوات. وهذه منطقة خطرة توجد فيها تيارات بحرية قوية جدا".

وفي وقت سابق انقلب قارب مطاطي يقل 52 مهاجرا بسبب الموج فلم ينج سوى ثلاثة منهم فيما غرق الباقون. وقالت المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة إنها "اسوأ مأساة في منطقة المتوسط الاسبانية منذ عشر سنوات". وبين كانون الثاني/يناير ونهاية حزيران/يونيو، أنقذ أكثر من 6400 شخص في البحر بين المغرب والجزائر واسبانيا، وفق منظمة الهجرة الدولية، في حين تم طيلة سنة 2016 انقاذ 8100 مهاجر. ويأتي القسم الأكبر من الرجال والنساء والأطفال الذين يعبرون البحر من غينيا وغامبيا وساحل العاج والكاميرون وبوركينا فاسو هربا من أوضاع سياسية واقتصادية سيئة ويسلكون طريقا مختلفا عن الطريق التي تمر عبر النيجر وليبيا ومنها إلى إيطاليا.

فالطرق تتغير من سنة إلى أخرى، من الشرق إلى الغرب: بعد إغلاق "طريق البلقان" في آذار/مارس 2016 مرورا بمقدونيا وصربيا والمجر ومن ثم النمسا، بات المهاجرون يعبرون عبر ليبيا وإيطاليا. ولكن بعضهم يعرفون المخاطر والصعوبات التي يواجهونها مع تشديد القيود على طرق الهجرة، وفق هيلينا ماليون غارثون من جمعية مساعدة المهاجرين "كاميناندو فرونتيراس". وتكثر الروايات المفجعة التي يرويها المهاجرون الذين يصلون إلى ليبيا الغارقة في الفوضى منذ سقوط معمر القذافي في 2011.

ونقلت منظمة الهجرة الدولية عن مهاجرين روايات عن بيعهم في "أسواق للعبيد". وتحدثت المفوضية السامية للاجئين عن ظروف حياتية "مروعة" في نحو أربعين مركز احتجاز للمهاجرين. وقالت منظمة العفو الدولية أنهم يتعرضون للاعتقال والتعذيب. بعدها بات كثيرون يفضلون المرور عبر الجزائر أو المغرب لعبور المتوسط إلى اسبانيا. وهكذا يسلكون طريقا أقصر وأقل كلفة.

وقال اندرس غارثيا لوركا، نائب محافظ المرية في جنوب اسبانيا "انخفضت الأسعار وهي بحوالي 900 يورو للشخص بدلا من 1500 و2000 يورو في 2016. ومقابل المبلغ نفسه يحظون بثلاث محاولات لبلوغ اسبانيا". في المقابل تراجعت الرقابة على حركة العبور من المغرب وفق ميكيل اراغواس حتى وأن كانت منظمة فرونتكس الأوروبية تؤكد أنها لم تلحظ "اي تغيير في المراقبة على الحدود" المغربية.

ويضاف إلى الأفارقة الذين يتجنبون ليبيا المغاربة القادمون من منطقة الريف في الشمال والتي تشهد حراكا شعبيا للمطالبة بتنمية المنطقة المهمشة وتشهد اعتقالات وصدامات مع قوات الأمن. وتقول هيلينا مالينو، "جاء عدد كبير من المهاجرين القادمين من الريف في حزيران/يونيو، لم نحص هذا العدد الكبير من المغاربة منذ سنوات التسعينات". لكن عدد الواصلين لا يزال أدنى ممن يتدفقون على إيطاليا التي سجلت وصول 85 ألف شخص منذ بداية السنة. بحسب فرانس برس.

وتقترب اسبانيا من اليونان حيث أحصت منظمة الهجرة الدولية وصول أكثر من 9 آلاف مهاجر من أصل أكثر من 100 ألف في الاجمال في المتوسط منذ بداية 2017. ورغم غرق 2297 شخصا في البحر، لم تنجح هذه المخاطر في وقف المهاجرين. وقالت رئيسة جمعية "أهلاً في الأندلس" (أندلوثيا اكوخي) ايلينا تاخويلو "لا بد أن ندرك بصورة عاجلة مدى خطورة الوضع. لا يمكنهم الاستمرار في اغلاق الأبواب". وقالت ماريا خيسوس فيغا المتحدثة باسم مفوضية اللاجئين في اسبانيا إنه اذا لم يوفر الاتحاد الأوروبي "الحل، سيحقق المهربون وعصابات المافيا المزيد من المكاسب مستفيدين من يأس" المهاجرين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1