وسط حضور خجول ومشاعر ممزوجة بالحزن والالم، يحتفل المسيحيون العرب في عيد الفصح، أهم الأعياد المسيحية مع عيد الميلاد، في ذكرى قيام المسيح بعد ثلاثة أيام على صلبه، حيث كانت أجواء الاحتفالات في هذا العام يملئها العويل والنواح والبكاء وشموع على أرواح الشهداء بدلا من الفرح والتناغم والاحتفال، نتيجة للظروف الصعبة التي مر بها المسيحيون خلال الآونة الأخيرة حيث تعرضوا الى انتهاكات صارخة من قبل العصابات الإرهابية، أدت الى تشريدهم وانتهاك ثرواتهم وقتل أولادهم.

ان عصابات داعش هي وليدة لمخططات إسرائيلية أمريكية لتخريب وحدة الأرض العربية تلك الوحدة التي باتت على اخر حلقاتها وتنتهي، لذا جعلت من المسيحيين هدفا لتحقيق اهداف إسرائيل الصهيونية في اخلاء الأراضي العربية من المسيحين وبث روح التفرقة والطائفية. خاصة ان التنظيم المتشددة قد جعل الدين الإسلامي ذريعة وحجة لعملياته الإرهابية والوحشية.

فقد استهدفت تنظيمات داعش الإرهابية المسيحين المتواجدين على الأراضي العربية وبدأت حملتها الأبادية ضدهم من خلال القتل والتشريد والنهب والتجنيد. وكان التنظيم الإرهابي يفرض عقوبات قاسية على الذين رفضوا الالتزام بتفسيرها المتشدد للشريعة الإسلامية. والادهى من هذا وذاك فرضت داعش ثلاثة خيارات للمسيحيين في المناطق التي تعلن خلافتها المزعومة فيها، وهي دفع الجزية أو التحول للإسلام أو القتل.

لذا بات المسيحيون في الدول العربية مشردون وليس لهم مأوى حتى اعيادهم وطقوسهم الدينية قد تأثرت من جراء ذلك ففي العراق لم يخرق الهدوء السائد بلدة قرة قوش شرق منطقة الموصل اخر معاقل داعش، إلا رنين جرس كنيسة مار يوحنا احتفالا بعيد الفصح للمرة الاولى منذ طرد الارهابين قبل نحو اربعة أشهر.

لكن وسط حضور خجول للأهالي بسبب انعدام الخدمات والتدمير الهائل الذي لحق بالمدينة والتي تعتبر من أكبر المدن المسيحية في العراق فقد دمر التنظيم الإرهابي البيوت والمباني والمحلات والشوارع إضافة الى ذلك تعمد على إزالة الرموز الدينية فحطموا القبب وأزالوا أجراس الكنائس والصلبان.

وبأجواء تعمها الحزن احيا المسيحيون المصريين الذين يمثلون نحو عشرة بالمئة من السكان البالغ عددهم 92 مليون نسمة، قداس عيد القيامة في أنحاء البلاد ووسط إجراءات أمنية متشددة من قبل الحكومة المصرية وذلك بسبب وقوع اعتداءين استهدفا أحد السعف على الكنيسة وتفجير بكنيسة أخرى في الإسكندرية في نفس اليوم وراح ضحية التفجيران نحو 45 شخصا وقد اعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته على الاعتداء.

من جانب اخر شارك الاف من المسيحيين في احتفالات عيد الفصح في كنيسة القيامة في البلدة القديمة في القدس. وهذا اول فصح منذ اعادة افتتاح قبر المسيح، بحسب الاناجيل، وقد بلغت تكاليف ترميمه 3,7 ملايين دولار. ولكن بالرغم من الحضور الكبير كان من المتوقع ان يكون الحضور أكبر بسبب قدسية المكان بالنسبة الى المسيح لكن توقع المختصون ان الظروف الصعبة التي يتعرض اليها المسيحيون في الوطن العربي كان حاجزا لحضورهم.

العراق: رسالتنا هي رسالة سلام

رغم الحشود الكبيرة التي شاركت في قداس أحد الشعانين في كنيسة الطاهرة الكبرى في البلدة قرة قوش بعد ان حررتها القوات العراقية من تنظيم داعش الإرهابي، إلا أن المشاركين لم يتخطوا مئة في قداس الفصح. ويعزو الأب شربل عيسو الذي ترأس القداس الحضور الخجول إلى أن "البنى التحتية مهدمة، وأيضا لا ماء ولا كهرباء" ما يصعب على أهالي البلدة العودة حاليا.

ورغم ذلك، لم يخف عيسو، الذي سبق ان أقام قداس عيد الميلاد الماضي في الكنيسة نفسها، فرحته العارمة. ويقول "دخلت البلدة بعد تحريرها بثلاثة أيام، كنت قد غادرتها في السادس من آب/أغسطس الماضي. حين عدت كان شعوري مليئا بالفرح، لأنني رأيت هذه الكنائس التي عشت فيها طوال حياتي الكهنوتية".

في باحة الكنيسة، لا يزال الدمار جليا في قبة الجرس رغم رفع الأنقاض. على القبة، يقرع الجرس عنصر من قوات حماية سهل نينوى (الحشد المسيحي)، التي كانت منتشرة بشكل كبير داخل الكنيسة وفي محيطها. يشير الضابط في تلك القوات الملازم أول ميلاد زكر منصور لفرانس برس إلى أن "إقامة القداس اليوم هنا هي بادرة خير وأمل". ويضيف "لم نحقق فقط نصرا في الحرب، بل نصرا حقيقيا هو انتصار الله على الشيطان". وتعتبر قرقوش التي تعرف كذلك باسم الحمدانية وبغديدا، إحدى أهم البلدات المسيحية في العراق.

وإلى جانب تدمير وإحراق البيوت عمدا، سعى الارهابيون خلال وجودهم في البلدة إلى إزالة الرموز الدينية، فحطموا القبب وأزالوا أجراس الكنائس والصلبان. واليوم، حتى مع عودة الأمن إلى قرقوش، ما زال السكان يرون العودة بعيدة المنال مع انعدام الخدمات الأساسية، وعدم البدء بعملية إعادة الإعمار.

لكن قزوان بولس موسى (37 عاما)، كان أول العائدين مع عائلته من مخيم في عينكاوة بأربيل. يقول موسى الذي شارك في قداس الفصح مع زوجته وأطفاله الثلاثة، لفرانس برس، "لقد عدت قبل شهر إلى قرقوش (...) نحن أول عائلة عادت إلى البلدة، والآن هناك نحو أربع عائلات. ولكن العيش صعب، وخصوصا أنني تركت ابني في أربيل لأن المدارس لم تفتح أبوابها هنا بعد".

لم تمح العبارات التي كتبها الجهاديون على جدران الكنيسة، كما لا يزال صليب نزعه التنظيم المتطرف ملقى على سطحها. لكن ذلك لم يزرع ضغينة في قلوب أهالي قرقوش، الذين يعتبرون أن المحبة بين البشر والإيمان أهم من الحجر. ويقول أنور يوسف، أحد سكان البلدة، "هذا أول قداس لي في قرقوش بعد تهجيرنا منذ ثلاث سنوات. نحن هنا اليوم لنؤكد أن رسالتنا هي رسالة سلام، ولا شيء لدينا الا المحبة".

مصر: إجراءات أمنية مشددة

خيم الحزن والأسى على المسيحيين المصريين الذين تدفقوا على الكنائس بعد أيام من تفجيرين استهدفا كنيستين وخلفا 45 قتيلا خلال احتفالات أحد السعف. وشددت السلطات على نحو خاص إجراءات الأمن في الكنيستين المستهدفتين. وقال البابا تواضروس الثاني بابا الأقباط الأرثوذكس في رسالته بمناسبة عيد القيامة يوم السبت "نتذكر بالخير شهداء أحد الشعانين (السعف) الذين سجلوا بدمائهم صفحة جديدة في تاريخ الكنيسة القبطية المصرية."

وكان البابا تواضروس قال في ختام كلمته في صلوات الجمعة العظيمة في الكاتدرائية المرقسية بالقاهرة إن يوم عيد القيامة هذا العام لن يكون مناسبا لاستقبال أحد بعد التفجيرين. وأعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن هجومي أحد السعف اللذين استهدفا الأقباط الأرثوذكس كما هدد التنظيم بشن المزيد من الهجمات.

ويشن التنظيم المتشدد هجمات على قوات الأمن في محافظة شمال سيناء. وفي مدينة الإسكندرية التي تطل على البحر المتوسط تجمع المسيحيون في الكاتدرائية المرقسية التي شهدت أحد تفجيري أحد السعف وهي المقر التاريخي لبابا الأقباط الأرثوذكس. وعبر المصلون من خلال بوابة أمنية لكشف المعادن وهي بوابة مماثلة لتلك التي فجر عندها الانتحاري نفسه.

وقال رفيق بشري رئيس اللجنة التنظيمية بالكنيسة إنه فوجئ بأنه رغم المخاطر الأمنية حضر عدد كبير للصلاة التي تذكر بصلب وقيامة السيد المسيح. وقال لتلفزيون رويترز "هذه رسالة واضحة عايزة توصل للعالم كله.. إن احنا ما بنخافش." وكان البابا تواضروس بابا الأقباط الأرثوذكس يقود الصلوات في الكاتدرائية وقت الهجوم لكنه لم يصب بأذى.

وفي الكنيسة التي شهدت التفجير الآخر في مدينة طنطا بدلتا النيل شمالي القاهرة وقف جنود ملثمون ومسلحون يرتدون سترات واقية من الرصاص بينما جرى تفتيش المصلين ودخلوا من بوابات الكشف عن المعادن. وكثف داعش هجماته على المسيحيين في الشهور الماضية وأعلن مسؤوليته عن قتل 80 شخصا في تفجيرات بثلاث كنائس منذ ديسمبر كانون الأول.

وقالت مها رجائي وهي معلمة قبطية تعيش في القاهرة إنها تجنبت مشاهدة التلفزيون يوم أحد السعف خوفا من مشاهدة صور الدماء والأشلاء بعد التفجيرين. وقالت لرويترز أثناء إشعالها شمعة أمام تمثال صغير للسيد المسيح مصلوبا أثناء تجمع أسرتها وأصدقائها بالمنزل بمناسبة عيد القيامة "ياريت ما يستمرش (هذا الوضع). ما اتمناش انه يستمر. بس مش حاسة ان احنا بنعمل أي حاجة علشان نوقف الكلام ده."

وذكرت مها أن احتفالات عيد القيامة هذا العام سيسودها الحزن على من فقدوا أرواحهم. وبعد التفجيرين أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر في جميع أنحاء البلاد. ويشكل المسيحيون حوالي عشرة بالمئة من سكان البلاد البالغ عددهم 92 مليون نسمة. وهم أكبر عدد للمسيحيين في المنطقة.

تشهد سيناء معارك دامية بين قوات الشرطة والجيش من جهة وعناصر تنظيم ولاية سيناء، الفرع المصري لتنظيم "داعش" الجهادي، من جهة أخرى. وتنفذ الجماعات الجهادية اعتداءات منذ الإطاحة بالرئيس الإسلامي محمد مرسي في تموز/يوليو 2013. وأكد قبطي اكتفى بإعطاء اسمه الأول "جون" أنه سيحضر قداس الفصح رغم التهديد الأمني. وقال "أشعر بالتأكيد بأنني لو كنت في مكان آخر مثل قرية خارج القاهرة، فلن أرغب في أن يذهب أهلي (إلى القداس) وسأكون قلقا من الذهاب بنفسي".

فلسطين: الظروف الاقتصادية الصعبة

شارك الاف من المسيحيين في احتفالات عيد الفصح في كنيسة القيامة في البلدة القديمة في القدس. وهذا اول فصح منذ اعادة افتتاح قبر المسيح، بحسب الاناجيل، امام الزوار. وقد بلغت تكاليف ترميمه 3,7 ملايين دولار. وقام خبراء يونانيون بترميم القبر الذي تقرر إثر نشوب حريق في المكان، ليكشفوا لونه الأصلي الاصفر المائل الى الاحمر.

تحتفل الكنائس التي تتبع التقويمين الشرقي والغربي بالفصح في وقت واحد كل فترة زمنية معينة. وتدير كنيسة القيامة ست جهات هي: الروم الارثوذكس ورهبنة الفرنسيسكان والارمن الارثوذكس والاقباط الارثوذكس والاثيوبيون الارثوذكس والسريان الارثوذكس. وتتسلم كل كنيسة من هذه الكنائس قسما محددا داخل كنيسة القيامة.

وتدفق المؤمنون من مختلف الطوائف الى زيارة المكان. بينما قام حجاج من العديد من اماكن عدة في العالم بوضع هواتفهم وحتى قطع من القماش والملابس للمس موقع القبر. وتعتبر كنيسة القيامة التي دشنتها الملكة هيلانة والدة الامبراطور الروماني قسطنطين الكبير العام 335 ميلادية، من أقدس الاماكن بالنسبة للمسيحيين.

ويؤكد مايكل حنا (64 عاما) القبطي من اصول مصرية والمقيم في استراليا منذ عام 1980، "هذا امر رائع. لا يمكنكم تخيل شعور تلمس الاماكن التي لمسها المسيح. لا يمكنني وصف الشعور". من جهته، اعرب وجيه نسيبة (67 عاما) وهو من العائلتين المسلمتين اللتين تحتفظان تقليديا بمفتاح الكنيسة عن خيبة امله لقلة عدد الزوار هذا العام. والقى نسيبة باللوم على الظروف الاقتصادية الصعبة بالإضافة الى الاوضاع في الشرق الاوسط، حيث يعاني المسيحيون من تهديدات خصوصا في العراق وسوريا.

وتقع الكنيسة في الشطر الشرقي من القدس الذي تحتله اسرائيل منذ عام 1967. وبحسب التقليد المسيحي فان جثمان المسيح وضع في مكان محفور في الصخر بعد أن صلبه الرومان في العام 30 او 33 ميلادية. ويؤمن المسيحيون بحسب الاناجيل بان المسيح قام من الموت، وان نسوة قدمن لدهن جثمانه بالزيت بعد ثلاثة ايام على دفنه وجدن القبر خاليا.

وافاد مصور فرانس برس ان عشرات الاف المؤمنين المسيحيين تدفقوا الى كنيسة القيامة المقامة في المكان الذي صلب فيه المسيح قبل ان يدفن ثم يقوم من الموت، حسب التقليد المسيحي. وتدفق المؤمنون الى كنيسة القيامة وغالبيتهم من الارثوذكس من روسيا ومن اوروبا الشرقية اضافة الى الفلسطينيين المسيحيين.

ويعود تقليد الاحتفال بسبت النور الى القرن الرابع ميلاديا وهو يسبق عيد الفصح الذي يحتفل بقيامة المسيح من الموت. ودخل المؤمنون الكنيسة حيث اشعلوا الشموع التي يحملونها من "الشعلة المقدسة" بعد ان "يفيض النور المقدس من قبر المسيح". والمعروف ان غالبية المسيحيين في الارض المقدسة من الروم الارثوذكس.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2