وسط قذائف ونيران الحروب القائمة والصراعات السياسية المثارة في السنوات الأخيرة بات الأطفال رماد نيران الصراعات وزناد بنادق الحروب حيث جعلت الحروب الإرهابية البشعة هدفها الأساسي الأطفال وضحايا الصراعات والمجازر المؤلمة. أصبحت الأيام بالنسبة في عيون الاطفال سوداء والساعات لا تنقضي حيث ما ينفك ان يمر يوم الا وتسجل وفاة او تضرر أطفال بسبب هجوم معين او تفجير طائش او مرض نتيجة نقص الدواء.

ان هناك حوالي 1 مليار طفل يعيشون في مناطق يتواجد فيها صراعات، بحسب احصائيات الأمم المتحدة ومنهم ما يقارب الـ 300 مليون طفل دون الخامسة من العمر! وأوضحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونيسكو أنه في عام 2013، كان هناك حوالي 28.5 مليون طفل خارج المدارس بسبب الصراعات الموجودة.

أي حياة يعيشها أطفال المناطق التي تعاني من صراعات دوي المدافع يكاد يصمم آذانهم، وأصوات الطائرات واطلاقات النار ترعب قلوبهم البريئة بسبب مشاهد القتل والدمار شريط يتجدد أمام أعينهم كل يوم حيث يرى علماء النفس ان أكثر الآثار السلبية للحروب المنتشرة بين الأطفال هي الصدمة، فغالبًا ما يصاحب الصدمة خوف مزمن (فوبيا) من الأحداث والأشخاص والأشياء التي ترافق وجودها مع الحرب مثل صفارات الإنذار. وصوت الطائرات الجنود إلخ؛ يقابلها الطفل بالبكاء أو العنف أو الغضب أو الاكتئاب الشديد.

يعانون أطفال سوريا من اسوء حرب مستمر خلال ست سنوات وبالتأكيد وقود هذه الحرب هي الأطفال الذين عانوا نتيجة الصراع العسكري في سوريا من أزمات نفسية وجسدية حيث بينت تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) ان عام 2016 من اسوء الأعوام بس تصاعد وتيرة المعاناة وتصاعد نيران الحروب المشتعلة التي بلاهوادة ولا سكون.

مع تصاعد وتيرة العنف والحرب القائمة في اليمن والتي كان ثلث قتلاها وجرحاها من الأطفال حيث أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" عن مقتل أكثر من 1500 طفل في اليمن منذ بدء التدخل العسكري بقيادة السعودية ومن لم يموت بسبب نيران الحروب يموت جوعا حيث تشهد اليمن أكبر ازمة او بسبب الامراض، التي تسببت في وفاة طفل يمني واحد على الأقل كل عشر دقائق. كما أن النزاع في اليمن حرم آلاف الأطفال من التعليم بعدما أصبحت حوالي ألفي مدرسة خارج الخدمة بفعل الدمار الذي أصاب بعضها، والأضرار التي لحقت ببعضها الآخر، وتحول مدارس إلى ملاجئ للنازحين.

وفي سياق الحديث عن التعليم يواجه التقدم الذي حققته أفغانستان في تعليم أطفالها تهديدا بينما يتسبب تزايد انعدام الأمن والفساد في إغلاق المزيد من المدارس ويؤدي تراجع التمويل الدولي إلى تقويض نظام يكافح للتغلب على المشاكل. ولن يتمكن أكثر من 3.5 مليون طفل، أو ما يعادل واحد من كل ثلاثة أطفال أفغان، من الالتحاق بالمدرسة للعام الدراسي الجديد.

يرى الخبراء والمختصين ان الحروب تفجر لدى الأطفال لاسيما الصغار منهم أزمة هوية حادة، فالطفل لا يعرف لمن ينتمي ولماذا يتعرض لهذه الآلام فالآثار السلبية لتلك المشاهد لا تنتهي بنهاية مرحلة الطفولة، بل تشكل منظارًا يرى الطفل العالم من خلاله، ولأن الأطفال لا يفهمون مبررات الحرب كما يفعل الكبار، فإنه لا سبيل أمامهم للتعبير عن تأثرهم بما يعانون ويعايشون ويرون من تلك الحرب إلا الانطواء والتوجس أو التبلد أو العدوانية؟

ونرى هذا واضح جدا في ملامح ووجوه الأطفال المتواجدين في مخيم حسن شام للنازحين العراقيين من معركة الموصل، ترى الأطفال يلعبون بالركام وفي عيونهم محتارة وتقرأ بها الف سؤال ليس له جواب بعد ان تركوا بيوتهم ومناطقهم وتشردوا هم وعوائلهم ولا يعرفون من هذا التشريد سوى داعش هذا ما سمعوا وشاهدوا اثناء رحلة تشريدهم جرائم ذلك التنظيم المجرم لكن لم يعرفوا من هم تلك العصابات ولماذا يقتلون وينهبون أسئلة سوف تبقى تلك الأسئلة ممزوجة مع المشاهد المرعبة في اذاهنهم لا تفارقهم.

العراق: هاجس الحرب

في مخيم حسن شام للنازحين من معركة الموصل على بعد 30 كلم شرق المدينة، جلست الطفلة نورا (10 سنوات) للرسم في احدى الخيم مع أطفال آخرين مثلها ما زال هاجس الحرب يرافقهم رغم ابتعادهم عن مواقع القتال. وقالت الفتاة "كان لدينا منزل كبير لكن داعش قصفتنا فاحترق. داعش دمرتنا"، مشيرة إلى تنظيم داعش، فيما اغرورقت عيناها بالدموع.

في المدينة التي فرت منها نورا شمال العراق يلعب أطفال بين الأنقاض وآخرون في باحة مدرسة. ويسير بعضهم رافعين فرحين قنينة ماء وزعتها منظمة إغاثة كما لو أنهم عثروا للتو على كنز. لكن رغم صخب المعارك والموت الحاضر في كل ناحية، يبتسم الكثيرون منهم بلامبالاة الأطفال التي قلما تقيهم فظائع الحرب.

لكن مؤشرات المعاناة موجودة وتنعكس في الوجوه المرهقة والخدود الضامرة والأجسام الهزيلة. منذ خمسة أشهر تشهد المدينة العراقية الثانية عملية عسكرية واسعة النطاق شنتها القوات الحكومية لطرد مقاتلي تنظيم داعش الذين سيطروا عليها قبل أكثر من عامين ونصف. من داخل الخيمة البيضاء الكبرى حيث جلس الأطفال للرسم علقت بالونات ملونة على لوح أبيض كبير إلى جانب خزانة كبرى تخفي "كنزا" من الألعاب ولوازم الأشغال اليدوية.

ويسعى هذا "الفضاء المخصص للأطفال" الذي فتحته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) بالمشاركة مع منظمة "تير ديزوم" (أرض البشر) إلى توفير نوع من الحياة الطبيعية وبعض المرح بعد سنوات من الدمار والأسى. وأفاد المسؤول المحلي في يونيسف مولد وارفا لوكالة فرانس برس "شاهدوا أمورا ما كان يجب أن يروها (...) شاهدوا أشخاصا يقتلون وجثثا"، مضيفا "حتى لو بدوا عاديين فإنهم من الداخل يعانون بشدة. بحسب فرانس برس.

لتمييز خيم الأطفال عن الخيم البيضاء المتطابقة في هذا المخيم رسمت عليها أشكال ملونة وشخصيات صور متحركة. وفي الداخل ينهمك الصغار في الغناء والضحك والتصفيق وملاحقة بعضهم البعض. لكن آثار الحرب وعنف الجهاديين تنبثق فجأة أحيانا. وقال أحد المدرسين رافضا الكشف عن اسمه ان "بعض الأطفال عدائي ويتجنب البالغين، فيما يعمد آخرون إلى ضرب رفاقهم، ويرفض عدد منهم المشاركة ويفضلون الانزواء". كما تتخلل رسومهم المليئة بالشخصيات المسلية والمنازل والحيوانات والقلوب والشموس، مشاهد قاسية. ورسم أحدهم بالقلم الأسود طفلا وحيدا مشدوها يبدو ضائعا وسط مدينة تلتهمها النيران.

سوريا: ثمن باهض

من جهتها ذكر تقرير عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) أن أطفال سوريا واجهوا معاناة غير مسبوقة مع تصاعد أعمال العنف في العام 2016 ما جعل هذه السنة هي "الأسوأ" على الإطلاق منذ اندلاع الحرب. ويقدر عدد الأطفال الذين يعيشون في مناطق يصعب الوصول إليها بسبب الحصار والحرب بحوالي 2.8 مليون طفل سوري.

وقال التقرير "لقد دفع الأطفال ثمنا باهظا في حرب الست سنوات هذه، ووصلت معاناتهم الحضيض السنة الماضية نتيجة العنف الذي تصاعد بحدة". بحسب اليونيسف "بشكل حاد خلال العام الماضي عدد حالات القتل والتشويه وتجنيد الأطفال"، حيث قتل "652 طفلا على الأقل، أي بارتفاع نسبته 20 بالمئة مقارنة مع العام 2015، مما يجعل من العام 2016 أسوأ عام لأطفال سوريا".

وأفادت المنظمة بأن 225 طفلا قتلوا إما داخل المدارس أو قربها، كما تم تجنيد 850 طفلا "أي أكثر من الضعف مقارنة مع العام 2015". ويتم تجنيد الأطفال، وفق اليونيسف "لكي يقاتلوا على الخطوط الأمامية مباشرة". وقد تشمل الأعمال التي يقومون بها "الإعدامات والأعمال الانتحارية بالأحزمة الناسفة" أو حراسة السجون.

وشدد المدير الإقليمي لليونيسف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خيرت كابالاري في بيان صحافي حول التقرير على "عمق هذه المعاناة غير مسبوق"، مضيفا "يتعرض ملايين الأطفال في سوريا للهجمات يوميا وتنقلب حياتهم رأسا على عقب". وتابع كابلاري "يصاب كل طفل دون استثناء بجروح تلازمه مدى الحياة وتترك عواقب وخيمة على صحة الأطفال ورفاههم ومستقبلهم". بحسب فرانس برس.

وأشارت المنظمة إلى أن الأطفال الأكثر ضعفا هم 2,8 مليون طفل يعيشون في مناطق يصعب الوصول إليها وبينهم 280 ألفا في مناطق محاصرة "في حالة انقطاع شبه كامل عن تلقي المساعدات الإنسانية". ونتيجة الأوضاع المعيشية الصعبة، تلجأ العائلات إن كان داخل سوريا أو في الدول التي تستضيف لاجئين إلى الزواج المبكر أو عمالة الأطفال.

اليمن: عشر سنوات الى الوراء

هذا وقد أودت الحرب في اليمن بحياة حوالي 7700 قتيل، بينهم 1546 طفلا على الأقل منذ تدخل التحالف العسكري بقيادة السعودية لدعم الحكومة ضد الحوثيين، كما ذكرت وكالات تابعة للأمم المتحدة. وذكرت اليونيسيف أنه بين آذار/مارس 2015 و10 آذار/مارس الحالي، قتل 1،546 طفلا على الأقل وأصيب 2،450 آخرين بتشوهات في اليمن. وبين هؤلاء 1022 من الفتيان و478 من الفتيات و46 طفلا "لم يعرف جنسهم".

وخلال هذه الفترة، أدت الحرب إلى إصابة 1801 من الفتيان و649 من الفتيات بتشوهات، بالإضافة إلى تجنيد 1572 قاصرا للقتال، وفقا للبيان. وأكدت الوكالة الأممية أنها أحصت 212 هجوما على مدارس و95 هجوما على مستشفيات خلال نفس الفترة. ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، أسفر النزاع عن مقتل ما لا يقل عن 7700 شخص وإصابة 42550 بجروح منذ تدخل قوات التحالف العربي. بحسب فرانس برس.

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إن اليمن فقد مكاسب حققها على مدار عشر سنوات في مجال الصحة العامة نتيجة للحرب والأزمة الاقتصادية وإن ما يصل إلى 63 ألف طفل ماتوا العام الماضي جراء أسباب كان يمكن منعها لها صلة بسوء التغذية. وأضافت أن قرابة 3.3 مليون شخص بينهم 2.2 مليون طفل في أنحاء اليمن يعانون من سوء تغذية حاد. ويشمل ذلك العدد نحو نصف مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد.

ويترك أشد حالات سوء التغذية الأطفال الصغار عرضة للإسهال والملاريا والتهابات الجهاز التنفسي وهي أمراض تهدد الحياة لكن يمكن منعها. وقالت ميريتكسيل ريلانو ممثلة يونيسيف في اليمن لرويترز في جنيف "ما يقلقنا هو سوء التغذية الحاد الشديد لأنه يقتل الأطفال." وأضافت "عدنا عشر سنوات إلى الوراء بسبب النظام الصحي المتداعي والصراع والأزمة الاقتصادية. فقدت مكاسب صحية تحققت على مدار عشر سنوات" مع وفاة 63 من كل ألف طفل دون سن الخامسة مقارنة مع 53 في 2014.

وتابعت أن فرق يونيسيف المتنقلة تستهدف فحص مزيد من الأطفال والوصول إلى 323 ألف طفل يعانون من سوء تغذية حاد هذا العام ارتفاعا من 237 ألفا العام الماضي مضيفة أن الوكالات المشاركة ستستهدف البقية. وتقول الأمم المتحدة إن الصراع اليمني ترك أكثر من نصف سكان البلاد البالغ عددهم 28 مليون نسمة في حالة "انعدام أمن غذائي" مع معاناة سبعة ملايين منهم من الجوع. وتسعى يونيسيف لجمع 236.5 مليون دولار لليمن هذا العام في إطار مناشدتها الإجمالية لجمع 3.3 مليار لمساعدة النساء والأطفال في 48 دولة.

أفغانستان: اغلاق المدارس

على صعيد متصل واجه التقدم الذي حققته أفغانستان في تعليم أطفالها تهديدا بينما يتسبب تزايد انعدام الأمن والفساد في إغلاق المزيد من المدارس ويؤدي تراجع التمويل الدولي إلى تقويض نظام يكافح للتغلب على المشاكل. وتوصف الزيادة في عدد طلاب المدارس، الذي وصل إلى أكثر من سبعة ملايين اليوم بعد أن كان أقل من مليون عندما أطيح بحركة طالبان من السلطة في 2001، بأنها نجاح كبير في مساعي إعادة بناء أفغانستان بعد عقود من الحرب.

لكن التقدم في زيادة معدل الالتحاق بالمدارس توقف كما أُهدرت الأموال المخصصة لبناء مدارس جديدة وألحق آلاف من "المدرسين الوهميين" أضرارا بجودة التعليم. ولن يتمكن أكثر من 3.5 مليون طفل، أو ما يعادل واحد من كل ثلاثة أطفال أفغان، من الالتحاق بالمدرسة للعام الدراسي الجديد ومن المتوقع أن يزيد هذا العدد.

وتتوقع هيئة إنقاذ الطفولة أن يزيد العدد الإجمالي للأفغان الذين لن يلتحقوا بالمدرسة بأكثر من 400 ألف هذا العام بسبب انعدام الأمن ولأن كثيرين من نحو مليون لاجئ أفغاني من المتوقع أن يعودوا من باكستان في 2017 هم أطفال لن يتمكنوا من الالتحاق بالمدرسة. ساعد الدعم الدولي ملايين الأطفال على الالتحاق بالمدارس لكن التقدم متفاوت ويوجد في أفغانستان ثالث أعلى معدل للأطفال الذين لا يلتحقون بالمدرسة الابتدائية بعد ليبيريا وجنوب السودان. وأنفقت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية نحو 868 مليون دولار على برامج التعليم الأفغانية. ووفقا لوزارة التعليم فإن 9.2 مليون طفل التحقوا رسميا بالمدارس لكن نحو مليوني طفل لا يحضرون للمدرسة. بحسب رويترز.

ويقول علي ياور عدلي من شبكة المحللين الأفغان إنه يوجد سوء إدارة شديد مشيرا إلى الواقعة التي طبعت وزارة التعليم خلالها آلافا من الكتب المدرسية غير الصحيحة التي تقبع الآن في مخزن بالعاصمة كابول. لكن الصراع وتراجع التمويل الدولي الذي تعتمد عليه الحكومة لدفع تكلفة الكتب المدرسية ومباني المدارس يجعل من الصعب التعافي من الانتكاسات التي حدثت مؤخرا. وقالت أنا لوكسين مديرة هيئة إنقاذ الطفولة الخيرية الدولية في أفغانستان "يجب تقديم شيء ما في القريب العاجل."

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0