تعيش دول الاتحاد الأوروبي حالة من القلق منذ وتولي الرئيس الجديد دونالد ترامب مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الامريكية التي تعد اهم حلفاء الاتحاد، فمنذ تولى ترامب السلطة في 20 يناير، وكما نقلت بعض المصادر خطا خطوات سريعة لوضع رؤيته القائمة على مبدأ "أمريكا أولا" موضع التنفيذ، فانسحب من اتفاقية تجارية مع دول منطقة المحيط الهادي وحظر دخول المسافرين القادمين من سبع دول إلى الولايات المتحدة، وأكد عزمه بناء جدار على امتداد الحدود مع المكسيك ضمن سلسلة من الأوامر التنفيذية. وأثارت أفعال ترامب إدانة من بعض الحكومات الأوروبية، ودفعت رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك إلى القول إنه يمثل خطرا على الاتحاد الأوروبي بما يضعه في مصاف روسيا والصين والإسلاميين المتشددين. غير أن أفعاله قوبلت بالاستحسان من من قبل بعض الشخصيات والأحزاب اليمينية المتطرفة، التي تؤيد فرض قيود على الهجرة وترفض المعاهدات التجارية الدولية.

ويرى بعض الخبراء ان سياسية ترامب وتصريحاته، تهدف الى إضعاف الاتحاد الأوروبي والعمل على تفكيكه، خصوصا وان ترامب قد وصف في وقت سابق قرار بريطانيا بالخروج من الاتحاد الاوروبي بأنه قرار عظيم وتنبأ بأن دولاً أخرى ستخرج منه، يضاف تغريدات ترامب وكلماته اللاذعة، ضد بعض قادة الاتحاد وحلف الناتو و تهديداته للشركات الاوربية وغيرها من الامور الاخرى، وقد سبق لوزراء خارجية الاتحاد الاوروبي ان عبروا عن مخاوفهم مما قد يفعله ترامب خلال فترة الرئاسية، وقد عبر ترامب عن عدم اكتراثه بما اذا كان الاتحاد الاوروبي سيبقى ام يتفكك، وهذا مخالف كلياً لموقف ادارة اوباما، كما عبر عن قناعته بأن دولا اخرى سوف تختار الخروج لأن الحفاظ على تماسك الاتحاد لن يكون امراً سهلاً. وقسا ترامب على صانعي السيارات الالمان عندما قال انهم سوف يواجهون تعريفات كمركية تصل الى 35 %.

وفي هذا الشأن قال جي فيرهوفشتات أحد كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي وكبير مفاوضيه لخروج بريطانيا من التكتل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جزء من هجوم ثلاثي المحاور على الاتحاد. وأضاف في كلمة في أمام معهد تشاتام هاوس "عدت لتوي من الولايات المتحدة ورأيي أن هناك جبهة ثالثة تقوض الاتحاد الأوروبي... وهي دونالد ترامب." وتابع أن التهديدين الآخرين اللذين يسعيان لتقويض الاتحاد الأوروبي هما الإسلاميون المتشددون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين

من جانب اخر توقع المرشح لتسلم منصب السفير الاميركي لدى الاتحاد الاوروبي في بروكسل تيد مالوك تفكك الاتحاد الاوروبي، معتبرا ان خروج المملكة المتحدة من هذا الاتحاد ليس سوى البداية. وقال مالوك "اذا تطلعتم الى اوروبا بامكانكم تقريبا وضع حرفين تختارونهما امام كلمة اكسيت"، في اشارة الى احتمال خروج دول اخرى، كما فعلت بريطانيا فاطلق على خروجها كلمة بريكست، واذا خرجت فرنسا تكون كلمة "فريكست" او اليونان "غريكست".

وسبق ان تسلم مالوك مناصب دبلوماسية عدة في العالم وهو مرشح ليكون سفير الولايات المتحدة لدى الاتحاد الاوروبي. كما كرر القول في مقابلته هذه ان اليورو "تجربة فاشلة" ولو انه كان يعمل في مصرف للاستثمار "لكان راهن ضد اليورو". وكان زعماء كتل نيابية عدة داخل البرلمان الاوروبي من اليمين واليسار والليبراليين طالبوا الخميس الاتحاد الاوروبي برفض تعيين مالوك سفيرا في بروكسل للولايات المتحدة.

حرب التصريحات

على صعيد متصل قال المفوض الأوروبي جونتر أوتينجر إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلعب لعبة "فرق تسد" مع الاتحاد الأوروبي وإنه ينبغي لأعضاء الاتحاد عدم الاستسلام لتلك الخدعة. وقال أوتينجر وهو ألماني لإذاعة دويتشلاند فانك "يجب علينا أولا وقبل كل شيء أن نحرص على ألا نقبل لعبته هذه." وشن ترامب سلسلة من الهجمات العنيفة على ألمانيا صاحبة أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي. فقد قال إن الاتحاد أصبح "أداة" لتحقيق مصالح ألمانيا وتنبأ بتصويت مزيد من أعضائه لصالح الخروج مثلما فعلت بريطانيا في يونيو حزيران الماضي.

وحذر ترامب شركات صناعة السيارات الألمانية من أنه سيفرض رسوم واردات تبلغ 35 بالمئة على السيارات التي تدخل الأسواق الأمريكية. واتهم كبير مستشاريه بشأن التجارة ألمانيا باستغلال اليورو "المقوم بأقل بكثير من قيمته" للحصول على مزايا على حساب الولايات المتحدة وحتى شركاء ألمانيا في الاتحاد. ورفضت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ذلك الاتهام مشيرة إلى أن البنك المركزي الأوروبي مسؤول عن اليورو وإن ألمانيا تحترم استقلال البنك. بحسب رويترز.

وكانت ميركل الحليف الأوروبي المقرب للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما الذي أشاد بها خلال زيارة وداع إلى برلين في نوفمبر تشرين الثاني بوصفها "شريكا رائعا". وتدهورت العلاقات سريعا منذ أن تولى ترامب السلطة. وحث أوتينجر الاتحاد على الثقة بالنفس في تعاملاته مع ترامب. وقال "نملك السوق الأكبر. نحن أقوى إذا عملنا كفريق واحد."

من جانب اخر قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انضم إلى روسيا والصين والتطرف الإسلامي ضمن التهديدات التي تواجه أوروبا ودعا الأوروبيين إلى التآزر لتجنب هيمنة القوى الثلاث الأخرى. وفي رسالة إلى زعماء دول الاتحاد الأوروبي قال رئيس وزراء بولندا المحافظ السابق إن سياسات ترامب الأكثر نزوعا صوب الحماية التجارية تتيح للاتحاد فرصة وإنه ينبغي له الآن عمل المزيد لإبرام اتفاقات للتجارة الحرة.

وقال توسك إن الاتحاد يواجه أكبر تحديات في تاريخه الممتد منذ 60 عاما وإن سياسة "الصين الحازمة" و"السياسة العدائية الروسية" تجاه جيرانها و"الإسلام المتطرف" الذي يؤجج الفوضى بالشرق الأوسط وأفريقيا كلها تمثل تهديدات خارجية رئيسية. وأضاف أن كل تلك الأمور "علاوة على الإعلانات المثيرة للقلق من الإدارة الأمريكية الجديدة.. جميعها تجعل مستقبلنا لا يمكن التكهن به إلى حد بعيد".

وتصريحات توسك من أقوى التعليقات الموجهة ضد الرئيس الأمريكي الجديد منذ توليه السلطة تعكس شعورا متناميا في كثير من الدول الأوروبية بالحاجة إلى الرد على تحركاته السياسية لاسيما الحظر الذي فرضه قبل أيام على دخول اللاجئين والمسافرين من سبع دول ذات أغلبية مسلمة إلى الولايات المتحدة. وينتاب زعماء الاتحاد الأوروبي القلق بشكل خاص من دعم ترامب لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وحديثه عن اقتفاء دول أخرى لأثر لندن في هذا. وكتب توسك يقول لزعماء الاتحاد "تفكك الاتحاد الأوروبي لن يؤدي إلى استعادة دوله الأعضاء لبعض السيادة الكاملة الوهمية وإنما سيؤدي إلى اعتمادهم الحقيقي والواقعي على القوى العظمى: الولايات المتحدة وروسيا والصين." وأضاف "لا يمكننا أن ننعم بالاستقلال التام إلا معا." وتابع يقول "لذلك علينا اتخاذ خطوات حازمة وقوية تغير المشاعر الجمعية وتنعش الطموح للارتقاء بالاندماج الأوروبي إلى مستوى أعلى."

الخضوع لواشنطن

في السياق ذاته قال وزير الدولة الفرنسي المكلف بالتجارة الخارجية ماتياس فيكل إن على الاتحاد الأوروبي أن يخرج من حالة "الخضوع" للولايات المتحدة في مجال العولمة و"يطبق بشكل كامل مبدأ المعاملة بالمثل في العلاقات الاقتصادية". وأضاف فيكل لصحيفة "جورنال دو ديمانش" مشيرا إلى الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب "تصور أن بلدا ما يحقق مستقبله بالانعزال عن باقي العالم لا ينسجم مع أي حقيقة". وأضاف "إزاء ذلك على أوروبا بالمقابل أن تعرف كيف تلقي بثقلها في العولمة وأن تخرج من ’الخضوع الطوعي‘ للولايات المتحدة".

وتابع المسؤول الفرنسي "على أوروبا أن تضع حدا للسذاجة التي أظهرتها أحيانا وأن تطبق بشكل كامل مبدأ المعاملة بالمثل في علاقاتها الاقتصادية". ومنذ توليه السلطة بدا ترامب راغبا في تطبيق سياسة الحمائية حتى إن كانت على حساب أهم شركائه وضمنهم الاتحاد الأوروبي. وبات مشروع الاتفاق التجاري بين أوروبا والولايات المتحدة الذي كان أصلا يعاني في عهد باراك أوباما، حاليا في وضع صعب. بحسب فرانس برس.

ولا يخفي ترامب الذي ينتقد بشدة الصرح الأوروبي، رغبته في أن يتفاوض أولا بشأن اتفاق ثنائي مع المملكة المتحدة ليجعل من خروجها من الاتحاد الأوروبي عملية "ناجحة". وأشار المسؤول الفرنسي إلى أن "عدم القدرة على التنبؤ (بأفعال ترامب) واندفاع" الرئيس الأمريكي "يضفيان حيرة على العالم بأسره". وتابع فيكل "سنشهد على الأرجح انسحابا للولايات المتحدة من شؤون العالم مع تدخلات ظرفية من فترة لأخرى تستجيب لمنطق الدفاع عن المصالح الوطنية". وأكد أنه "إزاء ذلك يتعين أن يكون الاتحاد الأوروبي وفرنسا، أكثر من أي وقت مضى، عامل استقرار في العالم".

الاتحاد منقسم

الى جانب ذلك قال زعماء الاتحاد الأوروبي إنهم اتفقوا على البقاء سويا في التعامل مع دونالد ترامب لكنهم -في أول قمة لهم منذ تولى الرئيس الأمريكي الجديد منصبه- اختلفوا بشأن المدى الذين يذهبون إليه في التصدي له أو التواصل معه. وأثناء مناقشاتهم في مالطا حول "التحديات" الخارجية التي تواجه الاتحاد تطرق الزعماء بشكل متكرر إلى ترامب وسياساته بدءا من التشكيك في قيمة حلف شمال الأطلسي والتجارة الحرة إلى حظر دخول اللاجئين المسلمين.

وأطلعت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي -التي تستعد للخروج ببلدها من الاتحاد الأوروبي- نظراءها على ما تم في زيارتها لواشنطن وأكدت لهم أن ترامب ملتزم بالتعاون في الدفاع عنهم تماما مثلما ستكون بريطانيا بعد مغادرتها الاتحاد. وقاد الرئيس الفرنسي فرانسوا أولوند الانتقادات لترامب قائلا إن "من غير المقبول" أن يشيد الرئيس الأمريكي بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وأن يتوقع تفكك الاتحاد. وفي توبيخ مستتر لماي وبعض الدول في شرق أوروبا حذرهم أولوند من أن يحاولوا عقد اتفاقات منفصلة مع الولايات المتحدة.

وفي تأكيد للحاجة إلى الوحدة قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن الأوروبيين ما زال لديهم أرضية مشتركة مع الولايات المتحدة في مجالات كثيرة في حين لا يشاركون ترامب انتقاداته للكثير من المؤسسات الدولية. وأبلغت ميركل مؤتمرا صحفيا "أوضحنا بجلاء مجددا قيمنا المشتركة وإيماننا بالتعددية." وقالت إن الاتحاد الأوروبي سيسعى إلى اتفاقات للتجارة الحرة مع المزيد من الدول بينما يتراجع ترامب. لكنها أضافت أن التعاون مع الولايات المتحدة ضد التهديدات التي تشكلها الجماعات المتشددة سيستمر. بحسب رويترز.

وقال دبلوماسي بالاتحاد إن من الواضح أن فرنسا تحاول استخدام رئاسة ترامب لحشد الأوروبيين خلف سياسة للابتعاد بشكل أكبر عن واشنطن والاتجاه إلى الاتحاد الأوروبي بدلا من حلف الأطلسي لحماية أمنهم. وأضاف الدبلوماسي قائلا "الألمان أكثر حذرا... توجد قضية واضحة يجب حسمها: هل نسعى إلى موقف مشترك للتواصل مع الولايات المتحدة أو ندير ظهورنا." وأختار مضيف القمة رئيس الوزراء المالطي جوزيف موسكات إبراز التوازن في وصف مختصر للمناقشات بأن تحدث عن "قلق" بشأن سياسة ترامب لكن "بدون أي مشاعر مناهضة لأمريكا." وأضاف قائلا "كان هناك شعور بأننا نحتاج إلى التواصل مع الولايات المتحدة... لكننا نحتاج إلى إظهار أننا لا نستطيع البقاء صامتين عندما يتعلق الأمر بالمبادئ."

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0