ماتزال دمشق تعيش منذ أيام ازمة كبيرة بسبب انقطاع المياه، هي الأطول منذ سنوات بسبب خروج أجزاء من نبع عين الفيجة الذي يعد شريان الحياة الأساسي فيها من الخدمة، جراء المعارك المستمرة التي تعيشها البلاد منذ سنوات هو ما قد يتسبب وكما نقلت بعض المصادر بحدوث كارثة مائية، وسط تبادل للاتهامات بين المعارضة والقوات الحكومية التي تمكنت من استعادة السيطرة على هذه المنطقة بعد اتفاق تسوية مع الجماعات المسلحة للخروج مع عائلاتهم.

وأكدت بعض المصادر إن نحو مائتين من مقاتلي المعارضة خرجوا من عين الفيجة إلى قرية دير مقرن، تمهيدا لنقلهم بحافلات باتجاه إدلب. من اجل دخول القوات الحكومية وورشات المياه إلى نبع الفيجة، التي باشرت عملها لإعادة تأهيله وإصلاح الأضرار التي لحقت بالمحطات نتيجة الأعمال القتالية تمهيدا إعادة ضخ المياه إلى مدينة دمشق. ودفعت قلة المياه الحكومة إلى استقدام صهاريج المياه من المحافظات الأخرى، لسد النقص الحاصل، إضافة إلى دعوة المواطنين للتقشف بعد وصول عبوة الماء، سعة ليتر وربع، إلى 140 ليرة وأحيانًا 150. ويرى بعض المراقبين ان بعض الجماعات المسلحة والتنظيمات الارهابية وبعد خسارتها في المعارك المستمرة ، ربما ستسعى الى اعتماد حرب جديدة هي حرب المياه بعد ان تمكنت من تدمير العديد من المؤسسات والبنى التحتية المهمة، حيث اكدت بعض التقارير ان الملايين في العاصمة السورية دمشق ومدينة حلب وباقي المدن الاخرى، يعانون من فقدان الأمن وعدم إمكانية الحصول على المياه الصالحة للشرب بسبب مشاكل فنية في المحطات جراء المعارك. وتقع بلدة عين الفيجة بمنطقة وادي بردى الجبلية بريف دمشق الشمالي الغربي، وتبعد عن العاصمة السورية نحو عشرين كيلومترا، وتعد مصدرا رئيسيا لمد العاصمة السورية بالمياه.

تحرير وادي بردى

وفي هذا الشأن قال الجيش السوري في بيان إن قوات الحكومة السورية استردت كل البلدات والقرى في وادي بردى قرب دمشق في ضربة جديدة لمقاتلي المعارضة الذين يحاربون منذ سنوات للإطاحة بالرئيس بشار الأسد. وقال البيان الذي قرأه متحدث عسكري في التلفزيون السوري إن "وحدات من الجيش العربي السوري بالتعاون مع مجموعات الدفاع الشعبية والقوات الرديفة أنجزت مهامها في إعادة الأمن والاستقرار إلى بلدات وقرى وادي بردى."

ويهدف إلى حد ما هجوم الجيش الذي بدأ الشهر الماضي إلى السيطرة على نبع رئيسي ومحطة لضخ المياه تزود معظم العاصمة بالماء. وتسبب القتال والأضرار التي لحقت بالموقع في نقص حاد في المياه في دمشق هذا الشهر. وبث التلفزيون الحكومي لقطات لجنود سوريين يقفون في محطة ضخ المياه في قرية عين الفيجة.

وتمثل السيطرة على وادي بردى سقوط لمنطقة أخرى كان يسيطر عليها مقاتلو المعارضة في غرب سوريا وتأتي بعد أسابيع من طرد مقاتلي المعارضة من مناطق خضعت لسيطرتهم في حلب التي كانت آخر معقل حضري كبير لهم. والدعم العسكري الذي تلقاه الأسد من حلفائه الأجانب ومن بينهم روسيا وإيران وجماعة حزب الله اللبنانية كان فاصلا في تحويل دفة الحرب الأهلية الدائرة منذ ما يقرب من ست سنوات لصالح الأسد. بحسب رويترز.

وقال الإعلام الحربي التابع لحزب الله والمرصد السوري لحقوق الإنسان إن الجيش السوري وحلفاءه سيطروا على النبع في قرية عين الفيجة في وادي بردى في إطار اتفاق توصلت إليه الحكومة مع مقاتلي المعارضة الذين سيطروا على المنطقة منذ عام 2012. وقال المرصد إن المئات من مقاتلي المعارضة بدأوا الخروج من المنطقة في حافلات مع عائلاتهم وذلك بموجب الاتفاق متجهين إلى محافظة إدلب وهي معقل للمعارضة المسلحة. وشهدت اتفاقات سابقة مشابهة في غرب سوريا إخلاء مقاتلي المعارضة لمناطق سيطروا عليها لسنوات ومغادرتهم مع عائلاتهم إلى إدلب. وتقول المعارضة أن الأمر يصل إلى حد التهجير القسري للسكان. وعادة ما تُبرم مثل تلك الاتفاقات في مناطق قامت القوات الحكومية وحلفاؤها إما بحصارها أو كانت لهم الغلبة العسكرية فيها.

اعمال صيانة

في السياق ذاته بدأت اعمال الصيانة في منشأة عين الفيجة، خزان المياه المغذي للعاصمة، غداة سيطرة الجيش السوري عليها بهدف اعادة ضخ المياه المنقطعة عن دمشق منذ اكثر من شهر، وفق ما قال محافظ ريف دمشق. وقال محافظ ريف دمشق علاء ابراهيم خلال تواجده في بلدة عين الفيجة للتلفزيون الرسمي السوري "دخلت ورشات الصيانة الى المنشأة لتقييم الاضرار وبدأت اعمالها"، مضيفا "سيدأ ضخ المياه قريبا".

واوضح المحافظ ان "الاضرار كبيرة في عين الفيجة لان الارهابيين كانوا متحصنين في النبع والمباني المحيطة به"، مشيرا الى انه سيتم تقييم الاضرار ايضا في بلدة عين الفيجة والقرى الاخرى في منطقة وادي بردى كما وضع خطة لاعادة الاعمار. وتقع عين الفيجة داخل منطقة وادي بردى التي تبعد حوالى 15 كيلومترا شمال غرب دمشق وتضم المصادر الرئيسية التي ترفد دمشق بالمياه المقطوعة منذ 22 كانون الاول/ديسمبر بصورة تامة عن معظم احياء العاصمة جراء المعارك بين الجيش السوري وفصائل معارضة واسلامية.

واظهرت صور بثها التلفزيون السوري مباشرة من منشأة عين الفيجة مدى الاضرار، حيث بدا انبوب مياه حجري مدمر تماما وقد سقطت اجزاء منه في المياه. ودخل الجيش السوري بعد معارك دامت اكثر من شهر، الى منشأة نبع عين الفيجة اثر اتفاق يقضي بخروج المئات من مقاتلي الفصائل المعارضة غير الراغبين بالتسوية من منطقة وادي بردى، والتي تسيطر عليها الفصائل منذ العام 2012. بحسب فرانس برس.

ونقلت صحيفة "الوطن" المقربة من الحكومة السورية عن المحافظ قوله ان خروج مقاتلي الفصائل سيبدأ. واوضح ان الاتفاق يقضي "بتسوية اوضاع المسلحين الراغبين بالتسوية وتأمين خروج غير الراغبين مع عائلاتهم في وادي بردى الى ادلب (شمال غرب)". وكانت دمشق اتهمت الفصائل المعارضة وداعش بقطع المياه عن دمشق بعد يومين من اندلاع المعارك، في حين اكدت الفصائل ان قصف الجيش السوري ادى الى تضرر مضخة المياه الرئيسية في عين الفيجة.

الى جانب ذلك قالت وزارة الخارجية الألمانية إن دبلوماسيين ألمانا ساعدوا في التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وقوات المعارضة في وادي بردى قرب دمشق بهدف إعادة إمدادات المياه إلى العاصمة. ويهدف الاتفاق -الذي أوردته أولا مجلة دير شبيجل الألمانية- إلى منح خصوم الحكومة السورية فرصة للانسحاب من الوادي والذهاب إلى محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة.

وقالت دير شبيجل إن الاتفاق ينص على السماح لخبراء بإصلاح محطة للضخ لحقت بها أضرار أثناء القتال وهو ما سيسمح باستئناف إمدادات المياه إلى دمشق. وقال محافظ ريف دمشق إن مهندسين دخلوا البلدة التي تقع فيها محطة المياه لإجراء إصلاحات في إطار اتفاق أوسع يشمل رحيل بعض مقاتلي المعارضة من وادي بردى.

لكن المرصد السوري لحقوق الإنسان قال إن الخطة خرجت عن مسارها بعد أن قتل رجال مسلحون رئيس وفد التفاوض الذي كان يشرف على تنفيذ الاتفاق والإصلاحات. وأصبح وادي بردى الذي يسيطر عليه مقاتلو المعارضة منذ عام 2012 جبهة قتال رئيسية في الحرب السورية وتسببت الأضرار التي لحقت بمحطة الضخ في نقص حاد في المياه في العاصمة السوية منذ بداية العام.

ازمة وبدائل

على صعيد متصل يقصد انور العدس حمام الملك الظاهر المكتظ برواده في دمشق القديمة، للاستحمام للمرة الاولى منذ نحو ثلاثة اسابيع جراء انقطاع المياه عن منزله على غرار معظم سكان العاصمة السورية. وبات هذا الحمام الذي يعود تاريخ بنائه إلى العام 985 ميلادي مقصدا للمئات من الدمشقيين الذين يتوافدون اليه يوميا، مع استمرار ازمة انقطاع المياه بسبب معارك تشهدها منطقة وادي بردى، خزان مياه دمشق.

ويقول العدس (34 عاما) "لم أستحم منذ انقطاع المياه عن دمشق. ومنذ ذلك الوقت، صارت أولوية المياه المتبقية في المنزل للغسيل والجلي والشرب، أما الاستحمام فأصبح ثانويا، لا سيما أننا في فصل الشتاء". وبحسب الامم المتحدة، يعاني 5,5 ملايين شخص في دمشق من الحرمان من المياه او شحها جراء "المعارك او اعمال التخريب او الاثنين معا" في وادي بردى.

وشكلت أزمة انقطاع المياه باب رزق اضافي لحمام الملك الظاهر الذي يعد واحدا من الحمامات التاريخية في دمشق، ويعتمد على بئره الخاص، ما يجعله بمنأى عن الازمة الراهنة. وبعدما شكل ارتياد الحمامات الشعبية منذ مئات السنين عادة شعبية في دمشق، وكان يعد ملتقى اجتماعيا لا سيما في الأفراح، بات اليوم ضرورة لآلاف السكان الذي يشكون من قلة المياه في بيوتهم.

ويروي الحلاق حبيب الشيخ عيسى (32 سنة) وهو يحتسي كوباً من الشاي في القاعة الخارجية للحمام بعدما أنهى حمامه، "لم آت إلى حمام السوق منذ 12 عاما" مضيفاً "اخر مرة كانت يوم زفافي". ويهزأ من الوضع الحالي قائلا "لم يخطر ببالي أن أضع خطة طوارئ للمياه، كما فعلت للكهرباء والمازوت. لم يعد أمامنا سوى التفكير بخطة طوارئ في حال فقدنا الهواء في المدينة!". وعلى غرار كل الحمامات الشعبية في دمشق، ينقسم حمام الملك الظاهر إلى ثلاثة أقسام، قسم خارجي يجلس فيه الزبائن بعد انهاء الحمام لتناول الطعام والحلويات والشاي، وقسم في الوسط مخصص لخدمات التدليك والتنظيف.

اما القسم الداخلي فهو مقسم إلى غرف صغيرة، في كل منها أجران حجرية تصلها المياه الساخنة إلى جانبها غرفة تبعث بخارا كثيفا يملأ كل المقصورات التي تعلوها قبب زجاجية يخرقها ضوء الشمس في ساعات النهار. ويستلقي بعض الزبائن على حجر كبير يتوسط الحمام، فيما ينقسم الاخرون الى مجموعات تجلس كل منها قرب جرن مملوء بالمياه والصابون، ويتشارك كل شخصين جرنا واحدا.

يعلو الضجيج داخل الحمام كلما ازداد عدد الزوار جراء القباقيب الخشبية التي تصدر صوتا مرتفعا في كل مرة ترتطم فيها بارضية الحمام الرخامية. ويتوزع أكثر من عشرين شخصا على الكراسي الجانبية في القاعة الخارجية حيث يقوم عمال الحمام بتبديل ابريق الشاي الكبير للمرة الثالثة خلال نصف ساعة إثر خروج دفعة جديدة من الزبائن من المقصورة الداخلية. وفي حين ينهمك العمال بغسيل المناشف وتجفيفها، يشرف صاحب الحمام بسام كبب على سير العمل ويرد على هاتفه الذي يرن باستمرار.

ويقول كبب "تضاعف عدد الزبائن تقريبا، وبات سبب المجيء إلى الحمام مختلفا هذه الأيام، اذ بات ضرورة بعدما كان رفاهية". ويضيف "نحاول قدر الإمكان ألا نعيد أحدا من باب الحمام دون أن يتمكن من الدخول، ونطلب من الزبائن ألا يتباطأوا في الاستحمام كي نلبي حاجة أكبر عدد ممكن" من الزبائن. وخلال تنقله بين أقسام الحمام، يدون كبب وهو يتلقى الاتصالات الهاتفية واحدا تلو الاخر، حجوزات اليوم المقبل، ويعتذر من متصلين آخرين لعدم القدرة على استقبالهم في اليوم نفسه.

ويوضح "اضطررت لإلغاء حجز كامل للحمام من قبل بعض التجار، ومددنا فترة الدوام إلى ما بعد منتصف الليل، وأحضرت عددا إضافيا من الصابون والعبوات لنلبي حاجة الأعداد الكبيرة". ورغم الاقبال الشديد، لم يرفع كبب الأسعار وابقى تعرفة الدخول على حالها، اي 1200 ليرة سورية (حوالى 2,40 دولارا)، وهي تزداد قليلا مع التنظيف والتدليك. ويقول كبب "أتنقل بين الزبائن، وأسمع أحاديثهم التي تدور كلها حول موضوع واحد، وهو كيفية تأمين المياه، ومتى ستعود إلى سابق عهدها".

يرتدي عبدالله العبدالله (46 عاما) قميصه الأزرق، بعدما أنهى حمامه أيضا، ويستعد لتناول وجبة المجدرة الشعبية، وهو الطبق الذي اقترن بالحمام في مخيلته. ويروي معاناته جراء انقطاع الخدمات الاساسية. ويقول "افتقد في منزلي الماء والدفء والكهرباء. حين تأتي الكهرباء لا تأتي المياه، وحين تأتي المياه، لا تكون الكهرباء، لذا اضطررت للمجيء إلى الحمام حيث وجدت الماء والكهرباء والدفء في مكان واحد". بحسب فرانس برس.

رغم سواد حاجبيه، يغزو الشيب راس العبدالله كاملا، بعد نحو ست سنوات من الحرب التي ادت الى مقتل أكثر من 310 آلاف شخص واحدثت دمارا هائلا في البنى التحتية، وتسببت بنزوح أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها. ويقول العبدالله وهو يعمل في مجال الكهرباء "شاب نصف شعري تدريجيا في السنة الأولى من الحرب. وشاب النصف الآخر خلال السنوات التالية". ويضيف "عانيت مصائب كثيرة، وقاومت فقدان الكثير من أساسيات الحياة، لكنني وعائلتي لا نقوى اليوم على فقد المياه".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0