تموج اليمن بالانقسامات والصراعات المحتدمة حاليا، بسبب أسوأ أزمة سياسية لها، منذ تولي عبد ربه منصور هادي رئاسة البلاد اليمينة خلفا للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، والممثلة بهيمنة الحوثيين على مفاصل البلاد مؤخرا.

وفي مؤشر آخر على تفاقم الازمة اليمنية، استقالة الرئيس هادي وحكومته عندما سيطر الحوثيون على بيت الرئيس، مما خلق فراغا سياسيا أدى الى تمزق النسيج السياسي الضعيف في البلاد، فالخلافات السياسية والطائفية بين النخب السياسية عززت من تفاقم الوضع الأمني وتدهوره، في هذا البلد الخليجي الهش سياسيا وأمنيا، في حين أثارت احتمالات تفكك اليمن مخاوف من تحوله إلى صومال آخر حيث يوجد فيه فرع نشط من تنظيم القاعدة، بالإضافة إلى مجاورته للسعودية أكبر مصدر للنفط في العالم.

وقد أثارت خطوة الاستقالة سلسلة ردود افعال من الأقاليم، ويوجد في بعضها وحدات قوية من القوات المسلحة التي نأت بنفسها عن العاصمة التي يسيطر عليها الحوثيون حتى وإن كانوا لم يتوصلوا حتى الآن إلى طريقة للحكم. في حين أن غياب الحلول الوسطية ولغة الحوار بين طرفي النزاع، سيجعل الازمة السياسية تستغرق فترة اطول من اللازم، وقد تشكل تداعياتها الخطيرة عقبة كبيرة على الاقتصاد والأمن وعلى مسار التحول الديمقراطي بالأخص. وكان اليمن في ظل رئاسة هادي يؤيد الضربات الجوية الأمريكية التي تستهدف القاعدة ويعد حليفا رئيسيا للولايات المتحدة في حربها على التشدد الاسلامي.

على الصعيد الخارجي بالنسبة لواشنطن سيجعل تقسيم اليمن من الصعب تنفيذ استراتيجية مكافحة الإرهاب التي تنتهجها لمحاربة مقاتلي تنظيم القاعدة الذين يستهدفونها ويستهدفون السعودية، أما بالنسبة لجيران اليمن لاسيما السعودية فإن صعود نجم الحوثيين يمثل سقوط عاصمة جديدة في أيدي حلفاء إيران المنافس الإقليمي للمملكة بعد أن أصبح أنصار طهران يتولون السلطة في كل من دمشق وبيروت وبغداد، إذ يرى الكثير من المحللين أن الإرادات الإقليمية من لدن بعض الدول المجاورة لليمن تسعى لاستغلال الأزمة اليمنية من أجل تحقيق أجندة استراتيجية.

خطر التفكك

في سياق متصل قالت محافظات في مختلف أنحاء اليمن الذي تربط أجزاءه شبكة معقدة من التحالفات القبلية والدينية إنها لن تقبل أي أوامر عسكرية من صنعاء بعد أن حاصرت جماعة الحوثي الشيعية المتحالفة مع إيران بيت الرئيس هادي وقصره.

وقال مصدر دبلوماسي "الناس غاضبون وخائفون. أسوأ ما في الأمر أنها يمكن أن تتحول إلى حرب أهلية"، ووصف دبلوماسي آخر الوضع بأنه حالة من الفوضى.

وفي مدينة عدن الجنوبية التي كانت عاصمة لدولة اليمن الجنوبي المستقلة الماركسية قالت اللجنة الأمنية المحلية إنها لن تتلق أوامر بعد الآن من العاصمة صنعاء، وكانت دولتا اليمن الجنوبي واليمن الشمالي اتحدتا عام 1990 لكن حربا أهلية تفجرت واستمرت أربع سنوات انتهت بسحق الرئيس علي عبد الله صالح الانفصاليين الجنوبيين والحفاظ على الوحدة.

أما الآن فقد أعلن عدد من القيادات في حركة انفصالية ظل نشاطها راكدا لفترة طويلة انفصال الجنوب. ولا يتحدث أحد باسم الجنوب كله الذي يتألف من ثماني محافظات الأمر الذي يثير المخاوف من نشوب اشتباكات بين الجنوبيين أنفسهم. بحسب رويترز.

في عدن رفعت جماعات محلية علم الجنوب في مبنى الأمن العام، وفي المكلا عاصمة محافظة حضرموت انتشر رجال ميليشيا في مختلف أنحاء المدينة، وفي عتق عاصمة محافظة شبوة ذكرت تقارير إعلامية محلية أن دوريات مشتركة تسيرها مجموعة انفصالية وقوى الأمن المحلية تولت مهمة الأمن في المنطقة.

وفي محافظة مأرب الشرقية الغنية بالنفط والتي برزت كنقطة ساخنة بين الحوثيين والقبائل السنية في الأشهر الأخيرة ندد مسؤولون سياسيون وأمنيون بأحداث 19 يناير كانون الثاني ووصفوها بأنها انقلاب وقالوا إنهم لن ينفذوا أي أوامر صادرة من صنعاء.

وفي تعز وإب خرج الاف المحتجين المعادين للحوثيين إلى الشوارع ورددوا هتافات تعبر عن رفضهم "الانقلاب" في مظاهرت أعادت إلى الأذهان ذكرى مظاهرات الربيع العربي عام 2011 التي أسفرت عن إسقاط الرئيس السابق صالح.

وحتى في صنعاء أصبح القتال بين فصائل مختلفة احتمالا قائما بعد أن تمزق الجيش بين ولاء وحدات للرئيس السابق صالح والأوامر الصادرة من الحوثيين، ولم تبد أي بادرة على تخفيف حدة الفراغ السياسي إذ أرجأ البرلمان إلى أجل غير مسمى الجلسة المنتظر أن يبت فيها في استقالة الرئيس هادي في الوقت الذي تستمر فيه المساعي السياسية للبحث عن مخرج من الأزمة. بحسب رويترز.

في الأيام الأخيرة شهدت العاصمة أول رفض جاد لحكم الحوثيين منذ بسط سيطرتهم عليها، وشكا كثير من سكان صنعاء من إقامة المقاتلين نقاط تفتيش واستيلائهم على وزارات حكومية وكتابة شعار "الموت لأمريكا الموت لاسرائيل" المستوحى من شعار الثورة الايرانية باللونين الأخضر والأحمر على جدران المساجد وسور الحي القديم في العاصمة.

ففي البداية لم تشهد العاصمة تحركات عامة تذكر غير أنها شهدت هذا الأسبوع أكبر مظاهرة مناهضة للحوثيين منذ سيطرة الحركة عليها، وقالت يمنية تدعى سمر في الخامسة والثلاثين من العمر "نقول لا للانقلاب. لا لعبد الملك الحوثي" مشيرة إلى زعيم الحوثيين.

وفي بادرة على أن الحوثيين بدأوا يفقدون صبرهم قال شهود إنهم فرقوا احتجاجا صغيرا خارج جامعة صنعاء يوم الأحد وأطلقوا النار في الهواء وألقوا القبض على ثمانية من المحتجين، ويرى أحمد علي بائع الذرة المسن في أحد الشوارع المزدحمة في صنعاء إن الاحتجاجات لا طائل من ورائها، ويضيف "أنا أؤيد هذه الاحتجاجات لكن ما الفائدة؟ الحوثيون يتعاملون بالقوة".

فراغ السلطة

بات اليمن، الركن الاساسي في حملة الولايات المتحدة ضد تنظيم القاعدة، يشهد فراغا في السلطة بعد استقالة الرئيس ورئيس الحكومة بضغوط من الحوثيين الشيعة الذين يسيطرون على العاصمة. بحسب فرانس برس. وينعقد البرلمان الذي سيناقش استقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي، في جلسة استثنائية، لكن انعقاد الجلسة لا يزال غير مؤكد بالنظر الى الانتشار الكثيف لميليشيا حركة انصار الله في صنعاء.

وكان مسؤول يمني اكد لوكالة فرانس برس ان البرلمان رفض اولا استقالة الرئيس وانه سيعقد جلسة طارئة صباح الجمعة لمناقشة هذه الاستقالة التي يفترض ان يقرها النواب، لكن احد مستشاري هادي قال ان البرلمان سيجتمع "في اقرب وقت"، وقال سلطان العطواني لفرانس برس "لا اعتقد انه سيكون من الممكن عقد اجتماع "، مؤكدا ان البرلمان في فترة بين دورتين ويجب اعطاء الوقت للنواب للعودة، وكان الرئيس اكد في رسالة الاستقالة انه لا يمكنه البقاء في السلطة لان البلاد وصلت الى "طريق مسدود".

وتأتي استقالة الرئيس بعيد استقالة رئيس حكومته خالد بحاح الذي يبدو انه يريد النأي بنفسه عن موقف رئيس البلاد بسبب التنازلات التي قدمها للميليشيات الشيعية، واتهم الحوثيون هادي ب"تغطية الفساد". وكان هادي حليفا اساسيا للولايات المتحدة التي سمح لها بشن غارات عبر طائرات بدون طيار ضد مقاتلي تنظيم القاعدة في اليمن.

واليمن معقل تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب الذي تعتبره واشنطن الفرع الاخطر في تنظيم القاعدة. وقد تبنى الاعتداء الدامي على صحيفة شارلي ايبدو في باريس في السابع من كانون الثاني/يناير، ومكافحة الارهاب شعار يتكرر في الخطاب السياسي لانصار الله وهو ما يلجا اليه الحوثيون بالاضافة الى محاربة تنظيم القاعدة لتبرير انتشارهم العسكري في البلاد، ولم يصدر اي رد فعل قوي لدى الحوثيين بعد اعلان الاستقالتين. وكانت الميليشيا دخلت العاصمة في 21 ايلول/ سبتمبر قبل ان تسيطر عليها بشكل شبه كامل في الايام الاخيرة.

ويقول خبراء ان الحوثيين يبدون مترددين امام تولي السلطة في البلاد بسبب قلة خبرتهم من جهة وبسبب ردود الفعل العنيفة التي يمكن ان يثيرها مثل هذا القرار لدى السكان السنة الذين يشكلون الغالبية وخصوصا لدى مقاتلي تنظيم القاعدة الذي استهدف الحوثيين بعدة هجمات دامية.

ماذا بعد استقالة الرئيس ورئيس الوزراء؟

تأججت نيران الاضطرابات السياسية في اليمن بعدما قدم الرئيس عبد ربه منصور هادي استقالته بسبب سيطرة الحوثيين على البلاد في خطوة فاجأت الجماعة المدعومة من إيران على ما يبدو. بحسب رويترز.

وأدهشت استقالة هادي اليمن الذي يعيش فيه 25 مليون نسمة والذي أصبح الحوثيون الفصيل المهيمن فيه بسيطرتهم على العاصمة صنعاء في سبتمبر أيلول وإملائهم الشروط على هادي الذي حبسوه فعليا في مقر إقامته بسبب اشتباكاتهم مع حراس الأمن هذا الأسبوع.

وقالت واشنطن التي اعتمدت على تعاون هادي لشن هجماتها بالطائرات بلا طيار على جناح تنظيم القاعدة في اليمن إنها قلقة بسبب استقالة الرئيس ورئيس الوزراء خالد بحاح، وقالت جين ساكي المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية "الولايات المتحدة منزعجة للتقارير عن استقالة الرئيس هادي وحكومته. وفي هذا الوقت من المهم أن تتفادى كل الأطراف العنف".

الاستراتيجية السعودية الجديدة نحو اليمن.. الأمن أولا

على صعيد ذو صلة تنتهج المملكة العربية السعودية سياسة الأمن أولا في تعاملها مع اليمن حيث استولى الحوثيون على السلطة تقريبا فهي لا تريد أكثر من الانتهاء من إقامة سياج حدودي لتغلق الأبواب. بحسب رويترز.

واستضافت الرياض اجتماعا لدول مجلس التعاون الخليجي للتهديد باتخاذ إجراءات غير محددة "لحماية مصالحها" في اليمن حيث استقال الرئيس عبد ربه منصور هادي ورئيس وزرائه خالد بحاح بسبب سيطرة الحوثيين الشيعة المدعومين من ايران على البلاد.

لكن الوضع الآن مختلف عما كان عليه فيما مضى فلم يعد للمملكة نفوذ يذكر على الجانب الآخر من الحدود وليست لها علاقات وثيقة مع أصحاب النفوذ السياسي الجدد. وعلقت المملكة بالفعل دفع مساعدات مالية وهي أقوى ورقة ضغط تملكها في اليمن، وسيضطر هذا الحوثيين وبالتبعية إيران لسداد الفاتورة الباهظة لاحتياجات اليمن إذا كانوا يريدون حكم واحدة من أفقر دول العالم العربي دون مساعدة الرياض، ويقول محللون سعوديون إن الأولوية لإغلاق الحدود مع اليمن بإحكام من خلال إقامة سياج على غرار ذلك المقام على الحدود مع العراق وتكلف مبالغ طائلة. وكان الحوثيون قد قتلوا نحو 200 جندي سعودي في حرب قصيرة قبل أربعة أعوام.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0