دخل المعارض التركي فتح الله كولن في حرب اعلامية واسعة ضد خصمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي اتهم حليفه في السابق كولن الذي يعيش في منفى اختياري في ولاية بنسلفانيا الأمريكية منذ عام 1997، عندما اتهمته السلطات آنذاك بممارسة أنشطة إسلامية، والوقوف وراء محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، وطالب أردوغان الولايات المتحدة بتسليمه لمحاكمته بتدبير مؤامرة للإطاحة به وتقويض استقرار البلاد. وعمدت الحكومة التركية بعد فشل المحاولة الانقلابية الى القيام بحملة عنيفة ضد تنظيم واتباع كولن في تركيا.

من خلال اجراء تغيرات جذرية في جميع مؤسسات الدولة، هذا بالإضافة الى اتخاذ قرارات واجراءات اخرى حيث أغلقت السلطات التركية، كافة المؤسسات الصحية والتعليمية والجمعيات تابعة أو مرتبطة بمنظمة فتح الله كولن، بموجب إعلان حالة الطوارئ في البلاد، وشملت عمليات الإغلاق 35 مؤسسة صحية، و1043 مؤسسة تعليمية خاصة وسكن طلابي، و1229 وقف وجمعية، و19 نقابة واتحاد نقابات، و15 من مؤسسات التعليم العالي الخاصة. نقل ملكية جميع الأصول المنقولة وغير المنقولة للمؤسسات الى الخزانة العامة للدولة. وهو ما اثر بشكل سلبي على تحرك الحركة داخل وخارج تركيان ودفع كولن الى اعلان حرب مضادة.

واكد إنه واثق من وقوف الرئيس رجب طيب إردوغان وراء المحاولة الفاشلة. وقال كولن إن الانقلاب أتاح لإردوغان الفرصة لعزل آلاف من المحسوبين على المعارضة في الوزارات والجيش والشرطة والقضاء بالإضافة للقبض على محامين ورجال أعمال وصحفيين وزوجات مؤيدين لكولن مضيفا أن من المؤكد أن كل هذا كان مخططا له مسبقا. وفي الحملة التي أعقبت الانقلاب أقيل نحو 100 ألف شخص أو أوقفوا عن العمل في الشرطة والقطاع الحكومي والجيش والقضاء. وألقي القبض على 40 ألفا آخرين. وقال كولن إن حركة (خدمة) دعمت إردوغان ذات يوم لأنه عند تأسيسه حزب العدالة والتنمية وعد بإرساء الديمقراطية وتحسين أوضاع حقوق الإنسان وكذلك الحد من دور الجيش في الحياة السياسية. وأضاف أن إردوغان لم يف بوعوده بعد انتخابات عام 2011.

تزايد الضغوط

في السياق ذاته اشتدت الضغوط المالية والقانونية على شبكة تضم أكثر من 150 مدرسة أمريكية تربطها صلات بأتباع رجل الدين التركي فتح الله كولن المقيم في بنسلفانيا وتتهمه الحكومة التركية بالتحريض على الانقلاب الفاشل الذي وقع في يوليو تموز الماضي. هذا ما كشفت عنه أقوال مسؤولين في المدارس وأعضاء حاليين وسابقين في حركة كولن بالإضافة إلى ما اطلعت عليه رويترز من سجلات عامة.

وتشير السجلات العامة إلى ان المدارس التي تمول بالمال العام وتعد مصدرا رئيسيا للوظائف وفرص الأعمال لأعضاء حركة كولن العالمية في الولايات المتحدة شهدت تباطؤا حادا في النمو في السنوات الأخيرة. ويأتي هذا التباطؤ وسط سلسلة من التحقيقات الحكومية في أكثر من عشر ولايات في ادعاءات تتراوح من سوء استخدام المال العام إلى التحايل على نظام تأشيرات الدخول للبلاد. ولم تسفر التحقيقات التي يجريها مسؤولون على مستوى الولايات وعلى المستوى الاتحادي عن توجيه اتهامات جنائية لأحد أو توريط كولن الذي لا تحمل أي مدرسة من المدارس اسمه توريطا مباشرا.

كما يأتي الضغط المتزايد على المدارس في وقت تضيق فيه الحكومة التركية الخناق على أنصار كولن في الداخل وتبذل جهدا حثيثا من أجل تسليم كولن إليها. ولم تفتتح سوى ثلاث مدارس جديدة في العام الماضي وثلاث مدارس خلال العام الجاري بالمقارنة مع افتتاح 23 مدرسة جديدة في ذروة توسع الشبكة خلال عام 2010 وفقا للسجلات العامة التي اطلعت عليها رويترز الخاصة بعدد 153 مدرسة والشركات التي تديرها في مختلف أنحاء البلاد.

ويتعارض هذا التراجع مع النمو المطرد خلال السنوات الست الماضية لكل المدارس المماثلة في الولايات المتحدة التي تحصل على أموال عامة لكنها معفاة من بعض القواعد التي تنظم عمل المدارس العامة التي تديرها الولايات. وفي الوقت نفسه تم منذ عام 2010 إغلاق 15 مدرسة أو نقل ملكيتها إلى ملاك لا صلة لهم بحركة كولن. كما أن شركات إدارة أو مدارس بعينها واجهت تحقيقات رسمية في 11 على الأقل من تلك الحالات في ولايات جورجيا وكاليفورنيا وبنسلفانيا وأوهايو.

وقال خاقان بربر أوغلو القائم بأعمال المدير التنفيذي لمؤسسة نياجرا فاونديشن التي تهدف للترويج للحوار بين الأديان الذي ينادي به كولن رئيسها الشرفي "منذ بدأت هذه التحقيقات والضغوط من التغطية الإعلامية أصبحت المدارس أكثر حرصا ربما بخمسة أمثال حرصها فيما يتعلق بأوضاعها المالية وكيفية تغيير المتعاقدين." وأضاف "أصبحت أكثر حرصا بكثير في كيفية توسعها." وقال بربر أوغلو إن المدارس لا تربطها صلة رسمية بكولن وليست خاضعة لسيطرة مركزية من أحد. وفي مؤشر آخر على تباطوء نمو المدارس انخفض عدد طلبات التأشيرات التي تقدمها المدارس لاستقدام عاملين من تركيا ودول أخرى إلى 360 طلبا في العام الماضي من أكثر من ألف عام 2010 حسبما توضح سجلات الهجرة.

وقال أعضاء حاليون وسابقون في حركة كولن إن هذا يعكس رغبة المدارس المرتبطة بأتباع كولن في تفادي الخضوع لمزيد من إجراءات الفحص الحكومية. وفي أعقاب الانقلاب الفاشل صعد محامون يعملون لحساب أنقره في الولايات المتحدة حملة شرسة لمحاولة إقناع السلطات على مستوى المحليات والولايات والمستوى الاتحادي لبدء تحقيقات جديدة وتشويه سمعة المدارس وغيرها من الأنشطة الأمريكية المرتبطة بكولن. وسئل ألب أصلان دوجان المتحدث باسم كولن عن مؤشرات على تعرض الحركة لضغوط في الولايات المتحدة فقال "لا يقلقنا ذلك."

ويقول الأعضاء الحاليون والسابقون في الحركة إن كثيرين من أنصار كولن في تركيا يتطلعون الآن لأشقائهم المقيمين في الولايات المتحدة طلبا للدعم المادي وبحثا عن الملاذ الآمن. وقال رجل أعمال تركي يقيم في الولايات المتحدة مشترطا إخفاء هويته بسبب حساسية جهوده لمساعدة الراغبين في الهجرة "مهمتي هي إنقاذ الناس ومساعدة من يريدون القدوم إلى هنا." وينفي كولن الذي يميل لحياة العزلة ويعيش في منفى اختياري في بنسلفانيا منذ عام 1999 أي دور له في المحاولة الانقلابية.

وتسعى حركة كولن العالمية المعروفة باسم "الخدمة" لنشر ما يقول أنصارها إنه تفسير زعيمها المعتدل للإسلام والذي يدعم التعليم على النمط الغربي والأسواق الحرة والحوار بين الأديان. ويقول خبراء مستقلون لهم باع فيما يخص الحركة إن الولايات المتحدة أصبحت أهم قاعدة للأعمال لحركة كولن خارج تركيا باستثناء ألمانيا. وإلى جانب المدارس يدير أتباع الحركة مجموعة من الأنشطة التجارية والجمعيات المدنية والخيرية التي تربطها صلات ضعيفة.

ويوضح الأعضاء الحاليون والسابقون والوثائق القانونية أن التحقيقات على مستوى الولايات والمستوى الاتحادي استهدفت بعض الشركات المتعاقدة المملوكة لأمريكيين من أصول تركية والتي لها تعاملات مع المدارس بسبب اتهامات بحصولها على معاملة تفضيلية. وقال بربر أوغلو إن المدارس توظف بعض أعضاء الحركة وتبرم تعاملات معهم وذلك لأن بالإمكان الاعتماد عليهم والثقة بقدراتهم. وأضاف "إذا أردت النجاح لهذه المدارس فعليك أن تعتمد على من تعرفهم."

وأوضحت سجلات الكونجرس أن جماعات لها صلة بحركة كولن رعت مئات من رحلات أعضاء الكونجرس إلى تركيا ودول قريبة منها في السنوات الثماني الماضية. لكن مثل هذه الرحلات توقفت في الغالب منذ عام 2015 عندما بدأت وزارة العدل تحقيقا جنائيا في احتمال ارتكاب مخالفات في مصادر تمويل بعض هذه الرحلات. وسلم أصلان دوجان بأن بعض المدارس أنشأها "متعاطفون" مع كولن (77 عاما). وأضاف أن الحركة لا تتمتع بالتحكم المركزي ويقول بعض أتباعها إن دور كولن ينحصر في القيادة الملهمة.

وقد رسخت شبكة المدارس جذورها في الولايات المتحدة خلال العقدين الأخيرين وأصبح إداريوها يمتلكون مهارات تمكنهم من الحصول على التمويل العام. وتوضح بيانات أن سلسلة من مبيعات السندات بلغت قيمتها الإجمالية 683 مليون دولار منذ عام 2006. ومثلت مبيعات السندات من جانب أربعة من سلاسل المدارس في عام 2014 وحده - وفقا لأحدث البيانات السنوية المتاحة - ستة في المئة من إجمالي سوق السندات لمثل هذه المدارس الأمريكية المعفاة من الضرائب بالكامل في ذلك العام.

ويقول محامون أمريكيون يعملون لحساب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إنهم يشتبهون أن المدارس مجرد واجهة لتوليد 500 مليون دولار سنويا تحول من حركة كولن كل عام لتمويل أنشطة تخريبية مناهضة للدولة التركية مثل رشوة المسؤولين. ولا يقدم المحامون تفاصيل محددة عما يدعوهم للاعتقاد في ذلك. ووصف أصلان دوجان المتحدث باسم كولن هذه الاتهامات بأنها "زائفة" ولا دليل عليها وقال إنها جزء من ثأر يستهدف المشاركين في الحركة خارج تركيا.

وفي حالة واحدة على الأقل بولاية تكساس أدت الاتهامات التي أطلقتها الحكومة التركية بعد المحاولة الانقلابية على سلسلة كبرى من المدارس إلى تجدد التحقيقات. وقالت إدارة التعليم في تكساس في أواخر يوليو تموز إنها تدرس شكوى قدمها الفريق القانوني للحكومة التركية عن مخالفات مالية مزعومة من جانب شركة مدارس هارموني العامة التي تدير 48 مدرسة ومقرها هيوستون. بحسب رويترز.

وفي الشكوى اتهم محامو الحكومة التركية شركة هارموني بإساءة استخدام 18 مليون دولار من المال العام وتحويل أموال لحركة كولن واتهموها باتباع إجراءات تمييزية في توظيف العاملين. ولم يعلن حتى الآن أي قرار بفتح تحقيق رسمي من عدمه. ونفى سونر تاريم أحد مؤسسي هارموني ارتكاب أي مخالفات وقال إنه لا توجد "مؤامرة سرية" في إدارة المدارس التي لا تهدف للربح. وأضاف "الهدف في الحقيقة هو تكوين خبرات في الرياضيات والعلوم." غير أن تاريم سلم بأن شركته تعرضت لضغوط واضطرت لزيادة إنفاقها على الرسوم القانونية والعلاقات العامة. وقال "ولهذا فإن لها أثر ما على مواردنا لكن ليس على سمعتنا."

تشكيل لجنة دولية

الى جانب ذلك دعا رجل الدين التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله كولن إلى تشكيل لجنة دولية للتحقيق في اتهام تركيا له بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو تموز الماضي وقال إنه سيقبل بما تخلص إليه إذا عثرت تلك اللجنة على أي دليل يدينه. وقال كولن لقناة تلفزيون (زد.دي.إف) الألمانية في مقابلة إنه لا توجد أدلة تربطه بمحاولة الانقلاب الفاشلة التي أدانها. ويعيش كولن في منفى اختياري منذ عام 1999 في ولاية بنسلفانيا الأمريكية. واتهم كولن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان باستغلال الانقلاب لإسكات معارضيه. بحسب رويترز.

وقال كولن للمحطة "يجب أن تفحص منظمة دولية القضية. إذا كانت الاتهامات صحيحة سوف أقبل ما يريدون. لكنهم لم يثبتوا أي شيء ولم يردوا على اقتراحاتي. الأمر كله مجرد افتراضات." وأضاف "إذا تمكنوا من إثبات انني تحدثت شخصيا أو عبر الهاتف مع المسؤولين عن محاولة الانقلاب يسعدني أن أتحمل العواقب." وقال إنه سيمتثل إذا قررت واشنطن تسليمه إلى تركيا. وأضاف كولن "إذا قالت الولايات المتحدة ’نعم’ سأذهب. وقتها سأقضي ما بقي من أيامي المعدودة وهم يعذبونني حتى أتمكن من تحرير نفسي أكثر من آثامي وأخطائي وأقابل ربي كرجل نقي."

تدخل اوروبي

من جانب اخر قال كولن إن رئيس تركيا رجب طيب إردوغان يستغل محاولة الانقلاب لإظهار نفسه في صورة البطل القومي ودعا أوروبا للتدخل لمنع "كارثة" مع استمرار عمليات التطهير في الجيش والسلطة القضائية. وقال كولن "الضغط الداخلي من اللاجئين وانتشار الجماعات المتطرفة واضطهاد عشرات الآلاف من المدنيين واندفاع إردوغان لإظهار نفسه في صورة البطل القومي... كان يجب أن يدفع الزعماء الأوروبيين لاتخاذ إجراء فعال لوقف... تحرك الحكومة نحو الاستبداد." ولم يخض كولن في تفاصيل بشأن شكل التصرف المنشود من جانب زعماء أوروبا.

وظل إردوغان لفترة طويلة أكثر ساسة تركيا شعبية على الإطلاق وهي شعبية يقول نقاد إنه أساء استخدامها لتوسيع سلطاته وقمع معارضيه. وزادت هذه الشعبية بعد محاولة الانقلاب. وتستضيف تركيا ما يقرب من ثلاثة ملايين لاجئ فروا من الحرب في سوريا. وتأخر تطبيق اتفاق بين أنقرة والاتحاد الأوروبي لوقف تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا بسبب خلافات بشأن قوانين مكافحة الإرهاب التركية وإجراءات القمع التي أعقبت محاولة الانقلاب.

وقال كولن "تعزيز الديمقراطية وحكم القانون واحترام حقوق الإنسان في تركيا ضروري بشدة للتعامل مع أزمة اللاجئين والحرب (على تنظيم الدولة الإسلامية) على المدى الطويل. وإن لم يحدث هذا فقد تجد أوروبا نفسها أمام مشكلة أكبر.. أمام كارثة." وقال كولن إن على زعماء أوروبا تشجيع تركيا على الانضمام للاتحاد الأوروبي لأن ذلك قد يعزز الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

من جانبه دعا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان زعماء العالم في الأمم المتحدة إلى اتخاذ إجراءات ضد "الشبكة الإرهابية" لرجل الدين التركي فتح الله كولن الذي يقيم في الولايات المتحدة والتي قال إنها تهدد أمن بلدانهم. وقال الرئيس التركي في كلمة في الجمعية العامة للامم المتحدة "أنا أدعو من هذا المنبر كل أصدقائنا إلى أن يسارعوا إلى اتخاذ الاجراءات الضرورية ضد منظمة كولن الإرهابية من أجل سلامة ومستقبل دولهم. "من الواضح من تجربتنا أنه إذا لم تكافحوا شبكة كولن في هذه المرحلة فربما يكون الأوان قد فات لاحقا".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1