التعاون الاخير بين واشنطن وموسكو بخصوص الحرب المستعرة في سوريا منذ سنوات، تسببت في إثارة موجة من الجدل وردود الأفعال المتباينة في الولايات المتحدة الامريكية، والعديد من الاوساط الاعلامية في مختلف دول العالم، خصوصا وان البعض يرى ان روسيا وبعد تدخلها المباشر في هذه الحرب، قد استطاعت تحقيق اهدافها وخططها الرامية إلى استعادة دورها السابق كقوة عالمية مؤثرة على حساب أمريكا، وهذا التعاون والتقارب الجديد يواجه وكما تنقل بعض المصادر معارضة قوية من جانب بعض المسؤولين في واشنطن، حيث يعتبرون أن أهداف البلدين متعارضة تمامًا في هذا، كما تخشى قطاعات أمريكية أخرى من إعطاء بوتين هامش عسكري دولي للتحرك بعيدًا عن عزلته عقب أزمة أوكرانيا.

ويشكك منتقدو الحكومة الأمريكية والحلفاء الأوروبيون في التحالف المناهض لتنظيم داعش، والمعارضة السورية الرئيسية التي لا تثق في نوايا روسيا في أحدث اقتراح لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري لتوثيق التعاون بين واشنطن وموسكو ضد "الجماعات المتطرفة" في سوريا. ووصف عدد من المسؤولين العسكريين ومن مسؤولي المخابرات الأمريكيين الخطة بالساذجة وقالوا إن كيري يخاطر بالوقوع في الفخ الذي نصبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتشويه سمعة الولايات المتحدة لدى جماعات المعارضة المسلحة المعتدلة ودفع بعض مقاتليهم إلى أحضان داعش وغيرها. وعبرت بعض الدول الأوروبية التي تشارك في التحالف عن قلقها بشأن تبادل معلومات المخابرات مع روسيا التي يقولون إنها شريكة غير جديرة بالثقة في سوريا.

والاقتراح الحالي الذي يأمل كيري في وضع اللمسات الأخيرة عليه خلال أسابيع يضع تصورا لسبل تبادل واشنطن وموسكو لمعلومات المخابرات من أجل تنسيق الضربات الجوية ضد "جبهة النصرة" جناح تنظيم القاعدة في سوريا ومنع سلاح الجو السوري من مهاجمة جماعات المعارضة المعتدلة، ويشعر كثير من المسؤولين الأمريكيين بالقلق من أن تبادل معلومات المخابرات مع روسيا يهدد بخطر كشف مصادر المخابرات الأمريكية وأساليبها وقدراتها.

البنتاجون وروسيا

بالنسبة لمسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) الذين عاشوا الحرب الباردة في بداية مشوارهم العملي فإن احتمال التعاون الميداني بين الولايات المتحدة وروسيا في سوريا لا يسبب عدم ارتياح فحسب بل إنه لم يسبق له مثيل. وسط هذه الخلفية فإن ردود أفعال المسؤولين العسكريين الأمريكيين تتراوح بين الحذر والتشكك الصريح إزاء إنشاء مركز مشترك مقره جنيف ربما يجمع قريبا الجيشين الأمريكي والروسي لبحث الأهداف المشتركة للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية.

وقال الجنرال جوزيف فوتيل رئيس القيادة المركزية الأمريكية "ينطوي الأمر على تحديات. هناك نقص في الثقة مع الروس". وجاءت هذه التصريحات بينما عبر فوتيل عن تأييده للمبادرة خلال منتدى في وقت سابق. وعبر مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون عن مخاوف بشأن المبادرة ولفتوا إلى انتقادات البنتاجون العلنية التي استمرت لفترة طويلة لأسلوب روسيا في إدارة الحرب دعما للرئيس السوري بشار الأسد وضم موسكو للقرم من أوكرانيا عام 2014.

وحذرت إيفلين فاركاس النائبة السابقة لمساعد وزير الدفاع التي تخصصت في الشأن الروسي من مخاطر قادمة. وقالت "القيام بعمليات مشتركة مع الجيش الروسي محفوف بالمخاطر السياسية والعسكرية وربما القانونية." وتهدف الولايات المتحدة وروسيا بموجب الاتفاق إلى خفض العنف على مدار سبعة أيام متتالية قبل الانتقال إلى المرحلة التالية وهي تنسيق الضربات العسكرية ضد جبهة النصرة وتنظيم داعش اللذين لا تشملهما الهدنة. وإذا صمدت الهدنة فإن التنسيق ربما يبدأ يوم الاثنين.

ومن الناحية النظرية فإن روسيا والولايات المتحدة قد تبدآن في تلك المرحلة استخدام المركز المشترك لتبادل المعلومات عن استهداف المقاتلين. ويؤكد مسؤولون أن المركز المشترك الذي سيتخذ من جنيف مقرا له لن يكون مماثلا للمراكز المقامة في مناطق حرب مثل العراق التي تزخر بأنظمة الكمبيوتر السرية وشاشات التلفزيون العملاقة وتعرض بثا حيا من الطائرات بدون طيار المسلحة التي تنفذ الضربات.

وعبر مسؤولو مخابرات أمريكيون عن قلقهم من إطلاع موسكو على معلومات دقيقة عن مواقع جماعات المعارضة التي تدعمها الولايات المتحدة نظرا لأن روسيا استهدفتها فيما سبق. وقال مسؤول أمريكي طلب عدم نشر اسمه "الروس لا يستخدمون ذخيرة دقيقة التوجيه في سوريا وهو ما يوفر لهم عذرا مثاليا ليقولوا ‘نعتذر لم نكن نستهدفكم‘." ويجازف التعاون مع روسيا في الاستهداف بالربط بين واشنطن وأي سوء تصرف يبدر من الروس.

وسعى مسؤولون أمريكيون آخرون للتهوين من شأن هذه المخاوف وقال مسؤول في إدارة أوباما "في حين أننا قد نتبادل المعلومات بشأن هذا التهديد فإن روسيا تظل مسؤولة بالكامل عن سير عملياتها." كما أن هناك عقبة قانونية. يقول مسؤولون أمريكيون إن وزير الدفاع أشتون كارتر سيحتاج لإصدار أمر بوقف العمل بقانون أمريكي يضع قيودا صارمة على التعاون العسكري الأمريكي مع روسيا.

وكارتر من أشد منتقدي موسكو وقد عبر عن تشككه إزاء التنسيق العسكري مع روسيا خلال مناقشات داخلية لإدارة أوباما. لكنه أيد الاتفاق في العلن وقال إن وقف إطلاق النار إذا طبق فسيخفف المعاناة. وقال "نحن في وزارة الدفاع سنلعب أي دور نضطلع به (خلال العملية) ببراعتنا المعتادة." ويقول مدافعون عن المبادرة إن المجتمع الدولي لم تعد أمامه خيارات جيدة في حرب سوريا التي قتل فيها أكثر من 400 ألف شخص وتشرد أكثر من 11 مليونا. بحسب رويترز.

وقال أنتوني كوردزمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن "هذه الحرب برمتها هي البحث عن أقل الخيارات سوءا." وأيد الأميرال المتقاعد جيمس ستافريديس القائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي الجهود لكنه قال إنه غير متفائل. وقال "احتمالات نجاح هذا محدودة في ظل (الأجندات) المتنافسة إن لم تكن متعارضة. لكن الأمر يستحق التجربة بالنظر إلى الوضع الإنساني الأليم."

شرط اساسي

من جانب اخر قالت وزارة الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة أبلغت روسيا بأنها لن تنشئ لجنة للتمكين من استهداف مشترك للمتشددين في سوريا حتى تبدأ المعونات الإنسانية في التدفق إلى مدينة حلب المحاصرة ومناطق أخرى. وقال جون كيربي المتحدث باسم وزارة الخارجية في بيان إن وزير الخارجية جون كيري نقل تلك الرسالة في اتصال هاتفي مع نظيره الروسي سيرجي لافروف أكد خلاله أن واشنطن تتوقع أن تستخدم موسكو نفوذها لدى الرئيس السوري بشار الأسد "للسماح للقوافل الإنسانية التابعة للأمم المتحدة بالوصول إلى حلب ومناطق أخرى في حاجة للمساعدة".

وظلت المساعدات المتوجهة إلى حلب عالقة على الحدود التركية مع خلافات بين الفصائل المتناحرة حول كيفية إيصال الإمدادات بينما يقوض العنف بشكل متزايد الهدنة. وقال كيربي "الوزير أوضح أن الولايات المتحدة لن تقيم مركز التنفيذ المشترك مع روسيا إلا إذا تم الوفاء بالبنود المتفق عليها بشأن إيصال المساعدات الإنسانية". بحسب رويترز.

وقال كيربي إن البلدين اتفقا على أهمية تمديد وقف الإعمال القتالية على الرغم من تواصل بعض أعمال العنف لكنه أضاف أن كيري "عبر عن قلقه من التأخيرات المتكررة وغير المقبولة في وصول المساعدات" خلال محادثته مع لافروف. وقال الكرملين إنه يستخدم نفوذه في محاولة لضمان أن ينفذ الجيش السوري اتفاق وقف إطلاق النار بالكامل وإنه يأمل بأن الولايات المتحدة أيضا ستستخدم نفوذها لدى جماعات المعارضة المسلحة.

على صعيد متصل انتقدت صحف عربية بنسختيها الورقية والالكترونية اتفاق الهدنة السوري وفرص التعاون الروسي الأمريكي ضد الجماعات المسلحة في الداخل السوري. وأعرب بعض المعلقين عن حذرهم تجاه الاتفاق الذي تعرض لكثير من الانتقادات من جانب مسؤولين أمريكيين، بينما أدان آخرون العواقب المُحتملة لاستهداف الفصائل المسلحة وفقاً لبنود الاتفاق.

ففي افتتاحيتها، تحدثت صحيفة الثورة السورية عن الخروقات المستمرة من جانب التنظيمات الارهابية. وقالت أن هناك احتمالين: "الأول أن أمريكا لا تستطيع أن تلزم تلك التنظيمات أو مشغليها الإقليميين كما بات معروفا للجميع، وهو احتمال يبدو غير منطقي ولا واقعي... والثاني وهو الأرجح أن أمريكا لا تريد أن تلزمها، وليست بوارد الإيفاء بما تعهدت به، وفي الحد الأدنى تريد الابتزاز بالوقت حتى إشعار آخر". وأضافت الصحيفة أن الفصل بين "التنظيمات الارهابية والمعتدلين بالتوصيف الأمريكي... سيكون سبباً وافياً لتعطيل كل ما تم وما قد يتم لاحقاً".

على صعيد آخر، أدان هاني منصور في صحيفة الجزيرة السعودية اتفاق الهدنة ككل حيث اعتبرها اتفاق حدث بين طرفين أجنبيين. وأضاف منصور: "هو اتفاق حول سوريا ولم تحضره الأطراف السورية نفسها (النظام السوري - المعارضة - الأكراد)، والاتفاق لا يحقق إلا وقف إطلاق النار، وهذا يعني استمرار الأوضاع على ما هي عليه، وهو ما يعني عملياً تقسيم سوريا إما إلى مناطق فيدرالية".وفي الصحيفة ذاتها، كتب ابراهيم اسماعيل أيضاً مندداً بالاتفاق، فقال إنه "تهديداً أمريكياً للمعارضة بعواقب وخيمة في حال انتهاكها للاتفاق".

وفي السياق ذاته، قال راجح خوري في صحيفة النهار اللبنانية عن العلاقات الأمريكية الروسية وتحولها لصالح موسكو، فكتب أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري "يحاول جاهداً الدفاع عن هذا الاتفاق الذي يتعرض لسلسلة من الانتقادات القاسية يوجهها مسؤولون كبار في الجيش الأميركي والاستخبارات، لا تقتصر على استيائهم من الثقة المفرطة التي يبديها باراك أوباما بالروس فحسب، بل على اضطرار امريكا بموجب الاتفاق الى العمل كمخبر لدى موسكو يطلعها على برنامج ضرباته الموجهة الى مواقع الإرهابيين".

خلاف جديد

في السياق ذاته اتهمت روسيا الولايات المتحدة برفض تقاسم وثائق متعلقة بالاتفاق الأمريكي الروسي حول وقف الأعمال القتالية في سوريا مع مجلس الأمن الدولي الذي ألغى اجتماعا مغلقا كان مقررا بشأن هذا النص. وكان يفترض أن يناقش سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن في جلسة مغلقة إمكانية دعم الاتفاق الروسي الأمريكي. وقد ألغي الاجتماع بطلب من روسيا والولايات المتحدة.

وصرح سفير روسيا فيتالي تشوركين أن المجلس لا يستطيع دعم الاتفاق بإصدار قرار ما لم يتلقَّ المعلومات اللازمة حول مضمون الاتفاق. وأضاف: "نعتقد أنه لا يمكننا أن نطلب منهم دعم وثيقة لم يطلعوا عليها". وكان يفترض أن يعرض سفيرا الولايات المتحدة وروسيا لشركائهما تفاصيل النص التي لم تنشر بعد. وينص هذا الاتفاق على وقف لإطلاق النار يسمح بإيصال مساعدات إلى البلدات السورية المحاصرة بدءا من الأحياء التي تسيطر عليها فصائل المعارضة المسلحة في حلب، جبهة القتال الرئيسية. بحسب فرانس برس.

وأوضح ناطق باسم البعثة الأمريكية في الأمم المتحدة سبب إلغاء الاجتماع. وقال: "بما أننا لم نتفق على طريقة إطلاع مجلس الأمن بشكل لا يضر بالأمن العملاني، ألغي الاجتماع". وتتحفظ الولايات المتحدة على إطلاع الأمم المتحدة على تفاصيل الاتفاق مشددة على حرصها على سلامة بعض الفصائل المسلحة التي يدعمها الأمريكيون في سوريا. وكان مقررا أن يقدم المبعوثان الأمريكي والروسي خلال الاجتماع تفاصيل حول الاتفاق المشترك الذي ينص على وقت لإطلاق النار، وإيصال المساعدات، وشن ضربات مشتركة ضد المقاتلين الإسلاميين في سوريا. وترغب روسيا، حليفة النظام السوري، في أن يدعم مجلس الأمن الاتفاق لكن فرنسا إلى جانب دول أعضاء أخرى في المجلس قالت إنها تريد معرفة تفاصيل الاتفاق.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2