تفاقمت الأزمة بين السعودية وإيران بشكل كبير في الفترة الاخيرة، حيث شهد مسلسل التوتر السعودي الإيراني وكما نقلت بعض المصادر، فصلا جديدا وتصعيدا كلاميا بلغ ذروته باتهامات متبادلة وخطرة بين الطرفين، وذلك على خلفية موسم الحج. الذي ويغيب عنه حجاج ايران للمرة الأولى منذ 1987. فقد اعتبر مفتي السعودية عبد العزيز آل الشيخ أن الإيرانيين "ليسوا مسلمين" وذلك ردا على دعوة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي المسلمين للتفكير في حل لإدارة الحرمين الشريفين وقضية الحج بسبب سلوك حكام السعودية.

وفي هذه الحرب الكلامية تجاوزت الهجمات الاطار السياسي مع تهم متبادلة تمس الجانب الديني الحساس في منطقة تعصف بها الخلافات بين السنة والشيعة. وقالت المحللة جين كينينمونت المختصة بالشرق الاوسط وشمال افريقيا في مركز شاتهام هاوس البحثي في لندن ان "هذا التراشق يبين ان التوتر بلغ اشده. هناك حرب باردة حقيقية لا يعيرها العالم ما يكفي من الاهتمام".

وللمرة الأولى منذ 1987 وما يعرف بـ "أحداث مكة" عندما اندلعت اشتباكات عنيفة بين حجاج شيعة غالبيتهم إيرانيون وقوات الأمن السعودية انتهت بمقتل نحو 4 مئة حاج بينهم 275 إيرانيا، يغيب الحجاج الإيرانيون مجددا هذا العام بسبب الخلاف الإيراني-السعودي المتواصل بخصوص سلامة الحج المطروحة بعد تدافع منى السنة الماضية والذي قتل فيه قرابة 2300 حاج بينهم 464 إيرانيا.

وأعلنت طهران في أيار/مايو الماضي أن مواطنيها لن يؤدوا فريضة الحج هذه السنة، متهمة السعودية بمنع الإيرانيين "من التوجه إلى بيت الله الحرام"، وقال وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي علي جنتي إن "الظروف" غير مهيأة متحدثا عن تعامل سعودي "فاتر وغير مناسب" إزاء وفد إيراني جاء للتفاوض مع الجانب السعودي بخصوص منح تأشيرات للإيرانيين. وتفاقم توتر العلاقات بين السعودية وإيران استمر عقب تدافع منى في أيلول/سبتمبر 2015، إلى أن بلغت الأزمة مرحلة حرجة في مطلع العام الجاري لتقرر الرياض قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الجمهورية الإسلامية بسبب تعرض سفارتها لهجوم بطهران عقب إعدام السعودية رجل الدين الشيعي نمر النمر.

تصعيد كبير

في هذا الشأن ومع تغيب الايرانيين عن اداء فريضة الحج لاول مرة منذ ثلاثين عاما لعدم الاتفاق بين الجانبين على المسائل اللوجستية بعد حادث تدافع منى الذي اودى بحياة نحو 2300 شخص السنة الماضية، شن المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية هجوما جديدا على السعودية. وقال خامنئي اثناء لقائه عائلات ضحايا تدافع منى حيث قتل 464 حاجا ايرانيا "هذه الكارثة تبين مجددا ان هذه الشجرة الخبيثة الملعونة لا تستحق ادارة شؤون الاراضي المقدسة".

واضاف خامنئي ان آل سعود "يرتكبون هذا الذنب العظيم باسناد من اميركا ولا يقدمون الاعتذار كما ان الاميركيين شركاء لال سعود في جرائمهم التي يرتكبونها في العراق واليمن والبحرين وسوريا"، وفق ما نشر على موقعه. وبدوره قال الرئيس الايراني حسن روحاني خلال اجتماع لمجلس الوزراء ان "على دول المنطقة والعالم الاسلامي ان ينسق اجراءاته لمعالجة المشاكل ومعاقبة الحكومة السعودية".

وقال روحاني "لو كانت المشكلة (مع الحكومة السعودية) تنحصر في الحج وكارثة منى، لكان من الممكن التوصل الى حل لرفعها ووضعها في المسار الصحيح، لكن من المؤسف ان هذا النظام ومن خلال الجرائم التي يرتكبها في المنطقة ودعمه للارهاب هو في الحقيقة يقوم باراقة دماء المسلمين في العراق وسوريا واليمن، حيث يقوم يوميا بقتل النساء والاطفال اليمنيين في غاراته الوحشية".

ولم توافق السعودية على مطالب ايران تنظيم تظاهرات خلال الحج، وبالاضافة الى الخلاف حول تنظيم مناسك الحج، تخوض ايران والسعودية منذ سنوات حرب نفوذ بالوكالة في اليمن وفي سوريا وتقفان على طرفي نقيض في كل الازمات التي تشهدها المنطقة. وقطعت العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين في كانون الثاني/يناير بمبادرة من الرياض بعد ان هاجم متظاهرون سفارتها في طهران احتجاجا على اعدام رجل الدين السعودي الشيعي نمر النمر.

وقال الرئيس الايراني ان "المشكلة الموجودة مع السعودية هي اكبر من قضية الحج وعلى دول المنطقة والعالم الاسلامي ان يقوموا باجراءات منسقة لحل المشكلات وتنبيه النظام السعودي من اجل اجراء حج ابراهيمي مشرف بما للكلمة من معنى، ومن جهة اخرى تتخلص سائر دول لمنطقة من دعم هذا النظام للارهاب ويتمكن الشعب اليمني من العيش في أمن وسلام". واضاف وفق التصريحات التي نقلتها وكالة الانباء الايرانية ان "الحكومة والنظام في الجمهوررية الاسلامية لن يغفرا ابدا لمن اراقوا دماء شهداء منى المظلومين والحكومة السعودية بالاضافة الى جرائمها السابقة، لوثت هذا العام سجلها بذنب آخر وهو الصد عن سبيل الله".

ردا على التصريحات الايرانية، اعتبرت دول مجلس التعاون الخليجي التصريحات الايرانية "تحريضا مكشوف الاهداف" ومسعى "لتسييس الحج". وقال الامين العام للمجلس عبداللطيف الزياني في بيان ان دول المجلس "تعتبر ما ورد في بيان المرشد الاعلى للجمهورية الايرانية الاسلامية بشأن الحج تحريضا مكشوف الاهداف، ومحاولة يائسة لتسييس هذه الشعيرة الاسلامية العظمى التي تجمع الشعوب الاسلامية في هذه الايام المباركة على ارض الحرمين الشريفين". ووصف تصريحات خامنئي بانها "اتهامات باطلة ومشينة". بحسب فرانس برس.

وشدد الزياني على رفض دول المجلس "الحملة الاعلامية الظالمة والتصريحات المتوالية لكبار المسؤولين الايرانيين" تجاه المملكة، معتبرا انها تتنافى تماما مع قيم ومبادئ ديننا الاسلامي الحنيف"، وتتضمن "عبارات غير لائقة واوصاف مسيئة لا ينبغي ان تصدر من قلب او لسان اي مسلم، فضلا عن زعيم دولة اسلامية".

ادارة الحج

من جانب اخر دعا المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامئني العالم الإسلامي إلى التفكير في حل لإدارة السعودية لمناسك الحج، بسبب ما وصفه بالسلوك "الظالم" حيال الحجاج. وقال خامنئي في بيان نشر على موقعه الإلكتروني "على العالم الإسلامي سواء الحكومات أو الشعوب المسلمة أن يعرف حكام السعودية ويدرك بنحو صحيح حقيقتهم الهتاكة غير المؤمنة التابعة المادية"، مضيفا "على المسلمين أن يفكروا تفكيرا جادا بحل لإدارة الحرمين الشريفين وقضية الحج بسبب سلوكهم الظالم ضد ضيوف الرحمن". وأضاف، بحسب البيان الذي نشرته أيضا وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، أن "التقصير في هذا الواجب سيعرض الأمة الإسلامية مستقبلا لمشكلات أكبر".

واتهم خامنئي أيضا العائلة السعودية الحاكمة بـ"تسييس الحج" وشن هجوما لاذعا عليها. وكانت إيران أعلنت في أيار/مايو أن مواطنيها لن يؤدوا فريضة الحج إلى مكة المكرمة هذه السنة، متهمة السعودية بوضع "العراقيل" ومنع الإيرانيين "من التوجه إلى بيت الله الحرام"، في حين اعتبرت الرياض أن بعض مطالب إيران "غير مقبولة". بحسب فرانس برس.

وانتقد خامنئي أيضا الرد السعودي على حادث التدافع الذي شهدته مراسم الحج السنة الماضية، وأسفر عن مقتل 2300 حج بينهم أكثر من 460 إيرانيا. وقال المرشد الأعلى "لا يزال الشعب حزينا غاضبا. وبدل أن يعتذر حكام السعودية ويبدوا ندمهم ويلاحقوا المقصرين المباشرين في هذه الحادثة المهولة قضائيا، تملصوا بمنتهى الوقاحة وعدم الخجل حتى من تشكيل هيئة تقصي حقائق دولية إسلامية".

اتهامات ودعوات

الى جانب ذلك وصف مفتي السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ زعماء إيران بأنهم "ليسوا مسلمين" ليثير استنكار طهران في تراشق عنيف غير معتاد بين القوتين الإقليميتين المتنافستين فيما يتعلق بإدارة الحج. ومن شأن هذه الحرب الكلامية التي تتزامن مع توافد الحجيج لأداء شعائر الحج أن تعمق الخلاف القائم بين المملكة السنية والجمهورية الشيعية اللتين تدعم كل منهما أطرافا مختلفة في الحرب الأهلية السورية وفي صراعات أخرى بالشرق الأوسط.

وتتزايد التوترات بين البلدين منذ أن قطعت الرياض علاقاتها مع طهران في يناير كانون الثاني في أعقاب اقتحام سفارتها هناك ردا على إعدام السعودية لرجل الدين الشيعي البارز نمر النمر. وفي تصريحات انتقد الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي إدارة السعودية للحج بعد حادث تدافع العام الماضي قتل فيه مئات الحجاج. وقال إن السلطات السعودية "قتلت" بعضهم واصفا حكام السعودية بأنهم "لا يعرفون الله ولا دين لهم".

وردا على سؤال من صحيفة مكة السعودية قال آل الشيخ إن تصريحات خامنئي "أمر غير مستغرب". وفي إشارة إلى القيادة الإيرانية نقل موقع آراب نيوز الناطق بالإنجليزية عن آل الشيخ قوله "يجب أن نفهم أن هؤلاء ليسوا مسلمين فهم أبناء المجوس وعداؤهم مع المسلمين أمر قديم وتحديدا مع أهل السنة والجماعة." وأثارت تصريحات آل الشيخ ردا لاذعا من وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف الذي قال إنها دليل على تعصب الزعماء السعوديين.

وكتب ظريف عبر حسابه على تويتر "في الواقع ليس هناك وجه شبه بين إسلام الإيرانيين ومعظم المسلمين والتطرف المتعصب الذي يدعو إليه كبار علماء الوهابية وأساطين الإرهاب السعودي." وعادة ما تسعى السلطات السعودية إلى تجنب النقاش العام بشأن صحة إسلام الشيعة لكنها ضمنا تعتبرهم مسلمين باستقبالها للحجيج الإيرانيين وباستقبال الإيرانيين الزائرين لمنظمة التعاون الإسلامي التي تتخذ من السعودية مقرا لها.

وفي واشنطن قالت وزارة الخارجية الأمريكية إن الكلمات القاسية لن تؤدي إلا إلى زيادة التوتر في الشرق الأوسط حيث تتنافس السعودية وإيران على النفوذ في دول مثل سوريا واليمن والعراق ولبنان. وقال المتحدث باسم الوزارة مارك تونر للصحفيين "لا نريد بأي شكل من الأشكال أن نرى هذا النوع من الخطاب الذي شاهدناه في اليومين الماضيين والذي لن يؤدي إلا إلى تصاعد التوتر."

وقال وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ إن السعودية مؤهلة للإشراف على المواقع المقدسة متهما إيران بمحاولة إثارة الخلافات الطائفية مع تجمع نحو 1.3 مليون حاج في مكة. وأضاف الوزير في تعليقات نقلتها صحيفة عكاظ "النظام الإيراني الآن معزول عن علماء العالم الإسلامي والأمة الإسلامية فهم يحاولون أن يخطفوا أناسا من هنا وهناك للقيام بما يشين لكن في الحقيقة الدول الإسلامية جميعاً مع المملكة العربية السعودية في قيامها بواجباتها ومسؤلياتها ومقدرين للمملكة حفاظها على الحرمين الشريفين وعلى المقدسات الإسلامية."

وقال أحد الحجيج ويدعى موسى عبدي قرب الحرم المكي إن المنطقة يجب أن تعمل على حل خلافاتها الأيديولوجية والسياسية. وأضاف عبدي وهو عضو في لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الجزائري "لسنا وحدنا في هذا العالم ونواجه صراعات سياسية أخرى. يجب علينا أن نتوحد... يجب أن نتغلب على هذه الخلافات التي تهدف إلى إثارة الشقاق في العالم الإسلامي." بحسب رويترز.

وقال حاج مصري يدعى طارق محمد الحافي إنه لا يستطيع أن يتصور أن تحدد دولة أخرى غير السعودية التشريعات الدينية. وأضاف "السعودية هي رمز الإسلام وكرامة الإسلام ورفعة الإسلام." وتقول الرياض إن 769 حاجا لقوا حتفهم في حادث التدافع في منى العام الماضي وهو أعلى عدد وفيات في الحج منذ حادثة تدافع في عام 1990. لكن إحصاء عدد القتلى الذي أعلنته الدول التي تسلمت جثث ضحاياها يشير إلى أن الإجمالي يزيد على ألفي قتيل بينهم أكثر من 400 إيراني. وألقت إيران باللوم في حادث منى على سوء التنظيم.

من جانب اخر اتهم المسؤول عن منظمة الحج الايرانية التي لم توفد اي حاج هذا العام الى مكة المكرمة، السلطات السعودية بانها "لا تفكر حتى في اجراءات الامن" رغم مقتل مئات الحجاج في موسم الحج السابق. وكان يفترض ان يؤدي 64 الف حاج ايراني هذا العام الحج، لكنهم حرموا من ذلك اثر فشل مفاوضات بين القوتين الاقليميتين المتنافستين اللتين تزداد العلاقات بينهما تعقيدا. وتساءل سعيد احادي رئيس منظمة الحج الايرانية "كيف يمكنكم استضافة 1,5 مليون حاج ولا تفكرون حتى في اجراءات الامن؟".

واضاف "ان سبعة آلاف شخص من 39 بلدا استشهدوا" في موسم حج العام الماضي "لماذا لم تقم المملكة السعودية بدعوة مندوبين عن هذه البلدان ال 39 الى الجلوس معا والتفكير في الاجراءات التي يجب اتخاذها لمنع تكرار ما حدث؟". وتؤكد السعودية من جهتها انها حسنت التنظيم وعززت امن الحج حيث يتدفق نحو مليوني مسلم لاداء الفريضة. واشارت بالخصوص الى تزويد الحجاج بسوار الكتروني يحتوي بياناتهم الشخصية للتعرف عليهم بسرعة.

الى جانب ذلك دعا ممثل المرجع الشيعي الكبير آية الله علي السيستاني الى "تجنب الصراعات" اثر توتر حاد في العلاقات بين السعودية وايران تزامنا مع مراسم اداء مناسك الحج هذا العام. وقال الشيخ عبد المهدي الكربلائي في خطبة الجمعة في كربلاء جنوب بغداد، "اننا كمسلمين بحاجة اليوم الى احترام الاخر ونبذ التعصب وتجنب الصراعات غير المبررة لا شرعا ولا عقلا ولا اخلاقا". واكد على ضرورة "قبول كل منا بالاخر والعمل سويا حيث المشتركات كثيرة، وما يجمعنا اكثر مما يفرقنا".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1