يبدو ان السلطات تركيا التي دخلت الحرب السورية بشكل مباشر وبدون سابق انذار، من خلال ارسالها قوات عسكرية الى داخل الاراضي السورية لدعم الجماعات المعارضة، عازمة على اتمام اهدافها المرسومة ضد القوات الكردية المدعومة من قبل الولايات المتحدة، والتي تمكنت في الفترة الاخيرة من تحقيق مكاسب عسكرية مهمة اثار مخاوف وقلق انقرة، التي تخشى من قيام دولة كردية مستقلة، وهذا الامر كما يرى بعض الخبراء يمكن ان يتسبب في حدوث ازمات ومشكلات اضافية خصوصا مع واشنطن الحليف المهم لأنقرة والتي تدعم الاكراد، كما ان هذا التحرك العسكري قد اثار ايضا الكثير من ردود الافعال الغاضية والانتقادات ضد تركيا، التي اتهمها البعض بالسعي الى احتلال أجزاء من سوريا و العراق وفرض امر واقع، يمكنها وكما نقلت بعض المصادر، من إقامة منطقة عازلة في المنطقة الممتدة بين جرابلس والراعي بطول نحو 70 كيلومتراً وعمق يتراوح بين 7 ونحو 20 كيلومتراً، بهدف إسكان اللاجئين والنازحين فيها، ومثل هذا الأمر له أهمية بالغة في المرحلة المقبلة، كما وتطمح تركيا من وراء إيجاد موطئ قدم عسكري لها في سوريا، يكون منطلقاً للفصائل السورية المسلحة، والعمل على إعادة بناء الجيش السوري الحر، والاعتماد على الأخير لاحقاً في محاربة قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية، وإجبار الأخيرة على التراجع عن المناطق التي سيطرت عليها مؤخراً.

ويشن الجيش التركي منذ ايام هجوما في الشريط الحدودي مع سوريا تشارك فيه دبابات وقوات خاصة وطائرات مقاتلة، يستهدف مسلحي داعش والقوات الكردية في عملية يشترك فيها الجيش الحر وتحمل اسم "درع الفرات". وأسفر هذا الهجوم عن طرد مسلحي داعش من مدينة جرابلس وعدد من القرى القريبة منها والتي أصبحت تحت سيطرة الجيش السوري الحر، الذي يسعى للوصول بدعم تركي إلى بلدة الراعي في ريف حلب الشمالي.

وقد أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن العملية العسكرية التي يقوم بها الجيش التركي في شمال سوريا، ناجحة، وأدت إلى "تحرير" 400 كم مربع من الأراضي. وأشار إلى أن تركيا تسعى لإقامة منطقة آمنة في سوريا، لكن الدول الكبرى لم توافق على ذلك بعد، متهما داعش والمسلحين الأكراد بتهديد أمن تركيا. كما كشفت تركيا أنها سيطرت على 3 قرى إضافية غرب جرابلس، وضربت 15 موقعاً إرهابياً، بينما لم تحدد ما هي الأهداف التي قصفتها، لكن تلك المناطق لا تزال تحت سيطرة داعش. وهدف تركيا هو بناء قوة متماسكة تحت قيادة الجيش السوري الحر بطول حدودها لمواجهة الأكراد.

من جانب اخر قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطاب ألقاه في أنقرة أن بلاده لن تسمح بإقامة "ممر للإرهاب" على حدودها الجنوبية، في إشارة إلى محاولة المقاتلين الأكراد توحيد "الكانتونات" الكردية الثلاثة القائمة حاليا في شمال سوريا. ونفى ما أعلنته واشنطن من أن المقاتلين الأكراد انسحبوا إلى شرق نهر الفرات. وقال أردوغان: "في الوقت الراهن، هناك أناس يقولون إنهم ذهبوا إلى الشرق ولكننا نقول كلا، هم لم يعبروا" النهر، في إشارة إلى "وحدات حماية الشعب الكردي" التي تعتبرها السلطات التركية منظمة "إرهابية" مرتبطة بمتمردي "حزب العمال الكردستاني" في جنوب شرق تركيا.

وقف إطلاق النار

وفي هذا الشأن أعلنت أنقرة أنها ترفض وقف إطلاق النار مع المقاتلين الأكراد في سوريا، وأنها لا تقبل مساواتها بمنظمة إرهابية، نافية بذلك الأنباء التي نشرتها واشنطن بشأن توصل الطرفين لاتفاق "غير رسمي" لوقف الأعمال القتالية. وقالت تركيا إنها "لا تقبل" بإعلان وقف إطلاق النار مع المقاتلين الأكراد في شمال سوريا الذي صدر عن الولايات المتحدة. وعبرت عن ذلك على لسان الوزير التركي للشؤون الأوروبية عمر تشيليك لوكالة أنباء الأناضول الحكومية "لا نقبل في أي ظرف تسوية أو وقفا لإطلاق النار بين تركيا والعناصر الكردية. وأكد تشيليك أن "الجمهورية التركية دولة شرعية وذات سيادة" ولا يمكن وضعها على قدم المساواة مع "منظمة إرهابية".

وفي وقت سابق أعلن المتحدث باسم القيادة الأميركية الوسطى الكولونيل جون توماس أنه "خلال الساعات الماضية تلقينا تأكيدا بأن جميع الأطراف المعنية ستتوقف عن إطلاق النار على بعضها البعض وستركز على تهديد داعش". موضحا أن "هذا اتفاق غير رسمي يشمل اليومين المقبلين على الأقل، ونأمل في أن يترسخ". بحسب فرانس برس

وأشار إلى أن "الأتراك وقوات سوريا الديمقراطية (وهي تحالف لفصائل عربية وكردية تعد وحدات حماية الشعب الكردي عمودها الفقري) فتحوا اتصالات مع الولايات المتحدة وبين بعضهم البعض بهدف وقف الأعمال القتالية". وبدأ الجيش التركي وفصائل سورية معارضة تدعمها أنقرة في وقت سابق عملية عسكرية شمال سوريا تستهدف داعش والمقاتلين الاكراد على حد سواء. وتبذل الولايات المتحدة منذ ذلك الحين جهودا حثيثة لتجنب تصعيد أعمال العنف بين الطرفين.

قصف ومظاهرات

أعلنت القوات المسلحة التركية تدميرها 3 مواقع يستخدمها مسلحو تنظيم داعش في محيط مدينة جرابلس السورية، ضمن عملية "درع الفرات"، وجاء بيان للقوات المسلحة التركية، أن سلاح الجو التابع لها دمر، 3 مباني بعد التأكد من استخدامها من قبل "داعش"، في قريتي "عرب عزة" و"قندرية" غرب جرابلس. وأضاف البيان: "القوات المسلحة تتخذ كل التدابير اللازمة وبدقة متناهية لمنع تضرر السكان المدنيين الذين يعيشون في المنطقة".

من جهة أخرى يواصل خبراء المتفجرات في الجيش التركي، تفكيك الألغام والعبوات الناسفة التي زرعها "داعش" على الشريط الحدودي بين تركيا وسوريا من جهة جرابلس، قبل انسحابه منها. هذا وتواصل تركيا إرسال المزيد من التعزيزات العسكرية إلى حدودها مع سوريا، في ظل استمرار العملية العسكرية التي أطلقتها.

من جانب اخر أكدت مصادر كردية مقتل شخص وإصابة العشرات خلال تفريق قوات الأمن التركية لمتظاهرين يحتجون على تشييد جدار على الحدود بين تركيا وسوريا. ونقلت وكالة "هاوار" عن حكمت أحمد رئيس هيئة الصحة في مدينة عين العرب (كوباني) السورية شمال حلب، تأكيده مقتل شخص بالإضافة إلى سقوط 80 مصابا من أهالي المدينة المعتصمين عند الحدود مع تركيا، مشيرا إلى استهدافهم من قبل قوات الأمن التركية.

وذكر مصدر آخر أن القوات التركية المتواجدة بالقرب من النقطة الحدودية هاجمت أهالي عين العرب المعتصمين مقابل مدينة سروج المتاخمة لها من الجانب التركي، حيث يتم بناء جدار عازل بين الطرفين، مستخدمة الغازات المسلية للدموع والماء لتفريقهم، إلى جانب إطلاق النار نحوهم ما أدى لمقتل مدني.

من جهتها نقلت وكالة رويترز عن مصادر أمنية في الجانب التركي قوله، إن قوات الأمن استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق مجموعة صغيرة من المتظاهرين يحتجون على تشييد جدار على الحدود السورية. وقالت المصادر: "هناك احتجاج على الجانب التركي من الحدود على تشييد تركيا جدارا خرسانيا على الحدود مع سوريا. كان هناك عدد قليل من المحتجين وفرقتهم الشرطة وقوات الدرك باستخدام الغاز المسيل للدموع".

الى جانب ذلك قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إن تركيا تهدف إلى تطبيع علاقاتها مع مصر وإصلاح علاقاتها بسوريا في المستقبل. وقال يلدريم في إفادة تلفزيونية مع وزراء: "إن شاء الله سيكون هناك تطبيع مع مصر وسوريا. بدأت تركيا محاولة جادة لتطبيع العلاقات مع مصر وسوريا". ولم يعلن يلدريم جدولا زمنيا لإصلاح العلاقات مع الدولتين. ويقول محللون إن أي تحسن سيمثل تغيرا آخر في السياسة الخارجية الإقليمية لتركيا بعد أن أصلحت علاقتها بإسرائيل وروسيا. ولطالما دعت تركيا لرحيل الرئيس السوري بشار الأسد، لكنها في الآونة الأخيرة كانت أقل إصرارا على رحيله الفوري في ظل قلقها من احتمال تقسيم سوريا وإقامة منطقة خاصة بالأكراد على حدودها.

هدف تركيا

في السياق ذاته انتقدت صحيفة واشنطن بوست سياسة الولايات المتحدة إزاء الحرب المستعرة في سوريا، وقالت إن عدم تدخلها بسوريا أدى إلى تقاتل حلفائها في البلاد في أعقاب التدخل العسكري التركي، وأضافت أن أميركا غدرت بهؤلاء الحلفاء. وقالت الصحيفة في افتتاحيتها إن التحول الذي جرى للحرب في سوريا والتطورات الأخيرة بعد تدخل تركيا أدى إلى المواجهة في ما بين حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ممثلين بتركيا والقوات الكردية.

وأشارت إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أرسل دبابات وقوات خاصة إلى داخل سوريا لدعم الجيش السوري الحر لاستعادة مدينة جرابلس الحدودية شمالي البلاد من سيطرة تنظيم داعش. وأضافت أن الخطوة التركية تعتبر التزاماً من جانب أنقرة لمواجهة تنظيم داعش، ولكن مواصلة تركيا الهجوم داخل سوريا يوضح أن هدفها الرئيسي هو الاستيلاء على الأراضي التي يسيطر عليها حليف آخر من حلفاء أميركا ممثلاً بالأكراد الذين بدورهم يقاتلون ضد تنظيم داعش.

وأشارت إلى أنه بعد أن قدمت الولايات المتحدة نفسها غطاء جوياً للتدخل العسكري التركي في سوريا، فإن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما سرعان ما أعربت عن أن اشتباكات تركيا مع الأكراد في سوريا تعتبر أمراً غير مقبول وأنه يمثل مصدر قلق عميق. وأضافت الصحيفة أن هذا التشويش والتخبط الأميركي في سوريا -الذي يهدد بتقويض الهجوم المحتمل ضد مدينة الرقة عاصمة تنظيم داعش- هو نتاج حتمي للمشاركة الضيقة للرئيس أوباما في سوريا.

وقالت إن أوباما أرسل قوات عمليات خاصة لدعم الأكراد السوريين الذين يحاولون إقامة منطقة حكم ذاتي شمالي سوريا على طول الحدود التركية، بينما الطائرات الأميركية نفسها توفر غطاء لتركيا التي تسعى بدورها إلى منع الأكراد من إقامة أي كيان على حدودها. وأضافت أن الولايات المتحدة أبلغت الأكراد بضرورة الانسحاب من المناطق غربي نهر الفرات بسوريا، وذلك استجابة للمطلب التركي الرامي إلى إقامة منطقة عازلة وملء المنطقة في شمالي سوريا بـاللاجئين السُنة.

كما نشرت الصحيفة مقالا للكاتب ديفد إغنيشياس في ذات السياق، قال فيه إن الحملة العسكرية الأميركية للاستيلاء على مدينة الرقة السورية قد تتأجل، وذلك في ظل الاقتتال المرير بين تركيا ووحدات حماية الشعب الكردية في سوريا. وأشار الكاتب إلى أن حالة انعدام الثقة بين اللاعبين الإقليميين بالحرب -التي تعصف بسوريا منذ سنوات- طغت على اهتمامهم المشترك في مواجهة تنظيم الدولة. وأضاف أن الاقتتال بين حلفاء أميركا أنفسهم في سوريا يدل على هشاشة السياسة الأميركية تجاه هذه البلاد، وعلى غدر الولايات المتحدة بحلفائها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0