تصاعدت حدة الحرب بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وخصمه الكبير فتح الله غولن، المتهم الاول بالوقوف وراء محاولة الانقلاب العسكري التي شهدتها تركيا، حيث سعى الرئيس التركي، الذي طالب الحكومة الأمريكية باعتقال أو تسليم شريكه السابق، فتح الله غولن المقيم في ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة منذ عام 1999، هرباً من ملاحقات القضاء التركي بتهم مختلفة، الى تشديد القوانين والاجراءات الانتقامية ضد حركة غولن في تركيا وخارجها، ويتهم إردوغان غولن بتسخير الشبكة الواسعة من المدارس والمنظمات الخيرية والشركات التي أسستها وتديرها حركة الخدمة في تركيا وخارجها على مدار عقود لإنشاء "دولة موازية" تستهدف السيطرة على البلاد.

وينفي غولن هذه الاتهامات ويقول ما نتعرض له اليوم لا علاقة له بالمحاولة الانقلابية واعتقد أن المحاولة الانقلابية اتخذها إردوغان ذريعة لإكمال ما بدأه من إجراءات لتدمير الحركة الخدمة. وأضاف لا علاقة لنا بالموضوع... فقبل أن تثبت الادعاءات بالمحاكم ألصقوا بنا تهما كثيرة منها تهمة الكيان الموازي وتهم أخرى لا تليق برجال الدولة". وتابع قبل المحاولة الانقلابية الأخيرة أصدر مجلس الأمن القومي التركي قرارا باعتبارنا حركة إرهابية وذلك دون الاستناد على حكم قضائي. وأخذت السلطات التركية في شن حملات من التشويه الممنهج.

واعتقل أكثر من 60 ألف شخص في الجيش والقضاء والخدمة المدنية والتعليم أو أوقفوا عن العمل أو وضعوا قيد التحقيق منذ محاولة الانقلاب مما غذى مخاوف بأن إردوغان يقوم بحملة عشوائية ضد جميع أشكال المعارضة مستخدما الوضع الحالي لتشديد قبضته على السلطة. وارتبط غولن وحركته لسنوات طوال بصلات قوية مع حزب العدالة والتنمية الحاكم، لكن تبدل الأمر بعدما بدأ إردوغان يعبر عن غضبه من اتساع نفوذ أتباع غولن في الداخل والخارج.

السجن المؤبد

وفي هذا الشأن طلب مدعون اتراك اصدار حكمين بالسجن مدى الحياة وحكم بالسجن 1900 عام بحق الداعية فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة والذي تحمله انقرة مسؤولية محاولة الانقلاب في منتصف الشهر الماضي، على ما افادت وسائل الاعلام الرسمية. وبحسب المحضر الواقع في 2527 صفحة والذي وافق عليه المدعون في منطقة اوشاك غرب تركيا، فان التهم الموجهة الى غولن الذي تطالب انقرة الولايات المتحدة بتسليمه، تتضمن "محاولة تدمير النظام الدستوري بالقوة" و"تشكيل وقيادة مجموعة ارهابية مسلحة"، كما ذكرت وكالة الاناضول للانباء.

وينفي غولن (75 عاما) المقيم في المنفى الاختياري في الولايات المتحدة منذ 1999، اي ضلوع له في محاولة الانقلاب. وهو متهم منذ سنوات بتشكيل "دولة موازية" وعلى الاخص بعد الكشف عام 2013 عن فضيحة فساد كبرى طاولت اردوغان. ويدير غولن شبكة كبيرة من المدارس والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات والشركات ووسائل الاعلام معروفة باسم "خدمة" وتعتبرها انقرة "تنظيما ارهابيا". واتهم المدعون شبكة غولن باختراق مؤسسات الدولة واجهزة الاستخبارات، مؤكدين ان المجموعة استندت الى شبكتها للسيطرة على المؤسسات التركية.

كما ان شبكة غولن متهمة بجمع اموال قدمها رجال اعمال على شكل "هبات" وبنقلها الى الولايات المتحدة عبر مصارف في الامارات العربية المتحدة وجنوب افريقيا وتونس والمغرب والاردن والمانيا، بحسب وكالة الاناضول. وكان مدعو منطقة اوشاك فتحوا تحقيقا في ايلول/سبتمبر 2015 حول شبكة "خدمة" وسبل تمويلها. واستهدف القضاء في هذه القضية منذ ذلك الحين 111 شخصا يواجهون عقوبة السجن لفترات تتراوح بين سنتين ومدى الحياة، فيما لا يزال 13 مشتبها بهم قيد التوقيف الاحترازي. بحسب فرانس برس.

وذكر الرئيس رجب طيب اردوغان بعد يومين فقط على محاولة الاعتداء احتمال معاودة العمل بعقوبة الاعدام التي الغيت عام 2004 في سياق طلب انقرة الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، وهو يتوعد بالقضاء على "الجرثومة" المنتشرة في الدولة. وكان رئيس الوزراء التركي بن علي يلديريم دعا في وقت سابق امام البرلمان الى "محاكمة عادلة ومحايدة" لغولن، في موقف بدا اشبه بتراجع عن الدعوة لمعاودة العمل بعقوبة الاعدام. وقال ان "غولن سيعود الى تركيا وسيحاسب" داعيا الى محاكمة "عادلة ومحايدة". وقال خلال كلمته الاسبوعية امام نواب حزب العدالة والتنمية (اسلامي محافظ) الحاكم "ان شخصا لا يموت سوى مرة واحدة حين يتم اعدامه. ثمة طرق عيش اقرب الى الموت بالنسبة لهؤلاء الاشخاص".

حرب مستمرة

الى جانب ذلك امتدت عملية التطهير التي تنفذها السلطات التركية ضد ما تسميه "فيروس" انصار الداعية فتح الله غولن لتشمل كبار رجال الاعمال وايضا نقابات قوية لارباب العمل في اسطنبول، الرئة الاقتصادية للبلاد، ومناطق اخرى. وكان سبق ان تم استهداف الاوساط الاقتصادية في عملية ملاحقة انصار غولن المتهم من السلطات بتدبير الانقلاب الفاشل في 15 تموز/يوليو الماضي، لكن الضربة التي وجهت لاوساط الاعمال في تركيا هي الاقوى.

واصدرت النيابة العامة في اسطنبول 187 مذكرة توقيف اثر عملية امنية واسعة هي الثانية خلال اسبوع، استهدفت اساسا رئيس اتحاد الصناعيين ورجال الأعمال التركي (توسكون) ورجال اعمال معروفين، بحسب ما اعلنت قناة "سي ان ان -ترك". وبين هؤلاء 60 مشبوها ضمنهم اصحاب شركات كبرى، وضعوا قيد الحبس الاحتياطي، بحسب وكالة "دوغان". كما امرت النيابة بمصادرة املاك ال 187 مشتبها بهم.

وشنت الشرطة المالية عملية منسقة في اسطنبول و18 ولاية ضد الشركات المشتبه بانها "مشاركة في شبكة ارهابية" و"تمويل انشطة مؤيدة لغولن". وشارك الف شرطي في عمليات الدهم في 204 عناوين منها مئة في العديد من احياء اسطنبول والبقية في 18 محافظة. وبين الشركات المستهدفة مجموعة "ايدينلي" و"ايروغلو القابضة". وتنتشر شركة "ايدينلي" للملابس الجاهزة والبناء في اربعين دولة وتشغل 3500 موظف. وتملك "ايروغلو" للملابس الجاهزة ايضا 500 متجر ويعمل فيها 14 الف شخص. من جهة اخرى اوضحت "دوغان" ان بين من صدرت بحقهم مذكرة توقيف رضا نور ميرال رئيس "توسكون". وتضم توسكون التي تاسست في 2005 نحو 55 الف عضو وتتهمها السلطات بتمويل شبكات غولن.

وكان الرئيس رجب اردوغان وعد بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة بالقضاء على كافة الشركات والجمعيات الخيرية والمدارس المرتبطة بشبكة غولن واصفا هذه الكيانات بانها "اوكار ارهابيين". ويرتكز الاقتصاد التركي في جانب مهم منه على مجموعات عائلية تملك اكبر العلامات التجارية وشاركت بشكل واسع في الصعود السياسي الكبير للرئيس اردوغان. واستهدفت عملية امنية مماثلة شركات عرفت بانها مقربة من غولن الذي يعيش في المنفى الطوعي في الولايات المتحدة منذ 1999. وتم وضع نحو مئة شخص قيد الحبس الاحتياطي.

وبين من تم استهدافهم مجموعة اكفا القابضة ، مجموعة المقاولات الكبيرة وفروعها وايضا شبكة المتاجر "ديسكونت ايه101" التي تملك 6300 متجر في تركيا. وبحسب النسخة الانكليزية لصحيفة "حرييت" فان المشتبه بهم الذين تم توقيفهم من مجموعة "اكفا" اتهموا بتحويل اموال بقيمة 40 مليون دولار بين 2011 و2015 عبر بنك اسيا الى الولايات المتحدة او كندا. وسحب ترخيص بنك آسيا بعيد المحاولة الانقلابية. بحسب فرانس برس.

واتهمت منظمة "فيتو" وهي عبارة تستخدمها سلطات انقرة للاشارة الى منظمة غولن "الارهابية" بجمع اموال يدفعها رجال اعمال تحت عطاء "هبات" ونقلها الى الولايات المتحدة عبر مصارف في الامارات العربية المتحدة وجنوب افريقيا وتونس والمغرب والاردن والمانيا. وبدأت عملية التطهير في اوساط الاعمال نهاية تموز/يوليو بشركة بويداك القابضة ذات الطابع العائلي (طاقة ومالية واثاث) التي تم توقيف رئيسها مصطفى بويداك في وسط تركيا. وقال رئيس الوزراء التركي السابق احمد داود اوغلو في تغريدة انه يعتقد ان جماعة غولن تعمل بالتنسيق مع حزب العمال الكردستاني الذي استانف عملياته المسلحة واستهدف للمرة الاولى مناطق في شرق تركيا حيث يشكل الاكراد غالبية السكان. وقال "مرة اخرى تظهر هجمات فان وايلازيغ ان حزب العمال الكردستاني وفيتو يعملان معا". وتعهد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بقطع إيرادات الشركات المتصلة بفتح الله كولن وقال إردوغان في كلمة بالقصر الرئاسي أذاعها التلفزيون على الهواء إن مجال الأعمال لايزال أقوى مجال لشبكة كولن. وأضاف أن الذين "مولوا القتلة" سيعاملون مثل مدبري الانقلاب أنفسهم.

خارج تركيا

على صعيد متصل اقدم مئات من الدنماركيين من اصل تركي على سحب اولادهم من المدارس الدنماركية التي ترتبط بالداعية الاسلامي فتح الله غولن بحسب ما افاد الاعلام الدنماركي. وادرجت وثيقة يتم تداولها على موقع فيسبوك 14 مدرسة خاصة في الدنمارك ترتبط بغولن، الذي يعيش في الولايات المتحدة، وتدعو الاهالي الى انقاذ اطفالهم من مدارس منظمة فتح الله غولن الارهابية"، طبقا لترجمة "تي في 2" للنص التركي. وقال التلفزيون انه تم سحب 366 طالبا من المدارس بعد العطلة الصيفية.

وفي مدرسة "هيلرود" الخاصة على بعد 35 كلم شمال غرب كوبنهاغن، انسحب 45 من اصل نحو 180 طالبا، طبقا لنائب مدير المدرسة يورغن سكاستروب. وقال ان الاهالي "لا يتجرأون على ترك اولادهم يدرسون في مدرسة وصفها اردوغان بانها مدرسة ارهابية". واضاف ان بعض الاهالي اكدوا له انهم "لم يتعرضوا الى غسيل دماغ"، بينما قال بعضهم الاخر انها تلقوا تهديدات من افراد عائلاتهم في تركيا وانهم يخشون من عدم تمكنهم من زيارة تركيا او من مصادرة ممتلكات لهم في تركيا. بحسب فرانس برس.

وقال تلفزيون "تي في 2" ان معظم المدارس الدنماركية المدرجة على القائمة "اكدت انها تستوحي من افكار غولن بشان التعليم" الا انها نفت اية علاقات مباشرة لها معه كما نفت تدريسها لاي من افكاره. وقال سكاستروب "على المستوى الشخصي هناك بالطبع مدرسون اتراك بين هيئة التدريس متاثرون بافكار غولن"، الا انه اكد ان هذه الافكار "لا وجود لها في منهاج او هدف او قيم المدرسة".

قلق ووثائق

في السياق ذاته قال محامو رجل الدين التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله كولن إنهم يخشون من شن هجمات محتمله لاغتياله في أعقاب مطالبات من تركيا بتسليمه لمواجهة اتهامات بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة ضد الحكومة. وأضاف المحامون في مؤتمر صحفي في واشنطن أنهم يتوقعون بقاء كولن في المجمع الذي يقيم به في منطقة جبلية نائية في ولاية بنسلفانيا. ونفى كولن أي علاقة له بالمحاولة التي وقعت الشهر الماضي ضد الحكومة التركية.

وقال المحامي ريد وينجارتن "قرأنا عن مخاوف من جانب تركيا من أن السيد كولن .. هذا الزعيم الديني المسن الواهن .. سيهرب لدولة أخرى". ووصف المحامي هذه الادعاءات بأنها "سخيفة". وقال وينجارتن ومايكل ميللر وهو محام آخر من هيئة الدفاع عن كولن إن الأدلة التي قدمتها الحكومة التركية في قضية رفعتها في عام 2015 ضد كولن أمام المحكمة الاتحادية في بنسلفانيا تظهر أن الحكومة التركية تعتمد على أدلة غامضة لمقاضاته.

وادعت تلك القضية أن كولن أرسل أوامر مشفرة لأتباعه في القضاء التركي خلال خطاب في 2009 يطلب منهم فيها محاكمة أعضاء طائفة دينية أخرى. كما تزعم القضية أن رسائل دست في نص برنامج تلفزيوني تركي له شعبية. ورفض قاض نظر القضية في يونيو حزيران. لكن مسؤولي الحكومة التركية يقولون إن مثل هذه الأدلة يجب أن تكون مقبولة لأن كولن يعمل سرا ويرسل رسائل مشفرة لأتباعه.

وقال روبرت امستردام الذي تمثل شركته المتهمين الذين حوكموا على أيدي أتباع كولن في القضاء إن القضية رفضت لأسباب إجرائية قبل أن يتمكن محاموه من تقديم شهادات شهود دامغة. وقال "لو كان لدينا الوقت للمضي قدما في القضية لكنا قدمنا بالتأكيد كمية هائلة من الأدلة (الإضافية)." لكنه رفض مناقشة الأدلة التي لدى تركيا عن تورط كولن في محاولة الانقلاب.

على صعيد متصل قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة تعكف على تقييم وثائق جديدة أرسلتها تركيا للحث على تسليم رجل الدين فتح الله كولن المقيم في الولايات المتحدة والذي تتهمه بأنه العقل المدبر للانقلاب الفاشل. وأبلغ المتحدث مارك تونر الصحفيين "السلطات التركية سلمت بضع مجموعات من الوثائق لنا ونحن بصدد فحص تلك الوثائق." وقال تونر إن المجموعة الأولى من الوثائق "لم تشكل فيما نعتقد طلب تسليم رسميا." ومضى قائلا "تلقينا فيما بعد المزيد من الوثائق. نحن نفحصها... ولا أعتقد اننا توصلنا الى تلك النتيجة حتى الآن."

ووزارة العدل الامريكية هي الجهة الرئيسية التي تدرس الوثائق لتقرير ما إذا كانت ترقى إلى طلب رسمي لتسليم كولن الذي يعيش في منفى اختياري في ولاية بنسلفانيا منذ عام 1999. وحذر مسؤلون أتراك من بينهم وزير الخارجية مولود تشاووش من أن العلاقات مع الولايات المتحدة ستتضرر إذا امتنعت عن تسليم كولن. وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وتلعب دورا مهما في المعركة التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش. لكن واشنطن قالت إنه يتعين على أنقرة أن تقدم أدلة واضحة على تورط كولن في الانقلاب العسكري الفاشل قبل أن يمكن السير قدما في أي إجراءات لتسليمه. بحسب رويترز.

وقال تونر إن الولايات المتحدة عرضت مساعدة تركيا في التحقيق في الانقلاب. ولم يوضح ما إذا كانت أنقرت قد استجابت للعرض. وفي نيويورك قال جميل إيدن العضو بالبرلمان التركي إن وزارة العدل الامريكية استلمت حتى الآن 85 صندوقا من الوثائق من تركيا فيما يتعلق بكولن. وأضاف قائلا دون أن يذكر أي تفاصيل عن الملفات "هم الآن بصدد تقييم هذه الوثائق."

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0