محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا يوم 15 يوليو/تموز 2016، ماتزال محط اهتمام واسع خصوصا وان هذا الحدث الغريب الذي انتهى خلال 6 ساعات فقط، بعد سيطرة الجيش الذي استخدام الدبابات وطائرات سلاح الجو التركي، على العديد من المؤسسات والمراكز الحكومية المهمة، قد اثار الكثير الشكوك وعلامات الاستفهام، يضاف الى ذلك الجيش قام بمهاجمة وقصف مقر المخابرات التركية ومبنى البرلمان في أنقرة وسيطر جسر مهم في اسطنبول، لم ينجح في احتجاز أي مسؤول حكومي او برلماني. هذا التحرك الناقص وكما تنقل بعض المصادر، جعل العديد من المحللين السياسيين يشككون من أن محاولة الانقلاب دبرت من الحكومة التركية ذاتها، فقد عده البعض مجرد مسرحية من قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي قام بترتيب وهندسة الانقلاب، من اجل تصفية الخصوم واحكام سيطرته المطلقة على جميع مؤسسات الدولة وتحويل حكم البلاد وتغيير الدستور.

حيث سعى الرئيس التركي وبشكل سريع الى الاستفادة من هذا الحدث، من خلال اعتقال الآلاف من افراد الجيش والقوى الامنية باقي المؤسسات القضائية والتربوية وغيرها، وهو اجراء سريع لتطهير شامل في المؤسسات التركية ممن يعتبرهم كيانًا موازيًا ودولة عميقة تنافس الحكومة في نفوذها، وأشار أردوغان إلى أن هؤلاء القادة العسكريين وغيرهم قد يواجهون عقوبة الإعدام على الرغم من إلغاء تركيا لهذه العقوبة كجزء من محاولاتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

الامر الذي اثار مخاوف وقلق العديد من الحكومات و المنظمات الحقوقية، وقال مفوض الاتحاد الأوروبي يوهانز هان الذي يختص بسعي تركيا للحصول على العضوية إن الاعتقالات السريعة للقضاة وغيرهم تشير إلى أن الحكومة أعدت قائمة مسبقا. وأضاف قائلا "أنا قلق للغاية. هذا هو بالضبط ما كنا نخشاه." من جانب اخر اكد بعض الخبراء ان محاولة الانقلاب الفاشلة، هي رسالة واضحة للرئيس التركي بسبب سياساته واجراءاته الفاشلة، التي ادخلت تركيا في مشكلات وازمات خطيرة لذا فيجب عليه ان يعيد حساباته وخططه السابقة وخصوصا فيما يتعلق بسياسته الخارجية وتعامله مع دول الجوار.

عملية تطهير كبيرة

وفي هذا الشأن توعدت تركيا باجتثاث أنصار رجل الدين المقيم بالولايات المتحدة فتح الله كولن الذي تتهمه بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة بينما توسع من نطاق عملية تطهير كبيرة في الجيش والشرطة والقضاء. ويحمل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وحكومته كولن المسؤولية عن تدبير محاولة الانقلاب والتي راح ضحيتها 232 شخصا على الأقل ودعا الرئيس الولايات المتحدة إلى تسليم كولن لتركيا. وقال متحدث باسم إردوغان إن السلطات تعكف على تجهيز طلب التسليم.

وقالت السلطات إنها أوقفت عن العمل أو احتجزت قرابة 35 ألفا من الجنود وأفراد الشرطة والقضاة والموظفين الحكوميين منذ محاولة الانقلاب مما يثير التوتر في عموم البلد الذي يسكنه 80 مليون نسمة ويعد حليفا رئيسيا للغرب في قتال تنظيم داعش. وأغلقت السلطات وسائل إعلام تتهمها بتأييد كولن وقالت إنها سرحت أكثر من 1500 من وزارة التعليم و492 من إدارة الشؤون الدينية و257 من مكتب رئيس الوزراء بالإضافة لمئة من مسؤولي المخابرات. وتراجع سعر صرف الليرة التركية لما دون ثلاث ليرات للدولار بعد أن قالت محطة (تي.آر.تي) التلفزيونية الرسمية إن جميع عمداء الجامعات وجهت لهم طلبات بالاستقالة في تذكير بعمليات تطهير مماثلة أعقبت انقلابات عسكرية ناجحة في الماضي.

وعبر حلفاء غربيون لتركيا عن التضامن مع حكومتها في وجه محاولة الانقلاب لكن عبروا عن القلق من حجم الرد وسرعته وحثوا السلطات على الالتزام بالقيم الديمقراطية. ونفى كولن (75 عاما) وهو حليف سابق لإردوغان يعيش في منفى اختياري بولاية بنسلفانيا الأمريكية أي علاقة له بمحاولة الانقلاب ورجح أن تكون من تنفيذ الرئيس نفسه ليتخذها ذريعة لحملة قمع. واتهم رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم واشنطن بازدواجية المعايير في حربها ضد الإرهاب. وتقول واشنطن إنها ستدرس تسليم كولن إذا قدمت تركيا أدلة واضحة.

وقال يلدريم إن وزارة العدل أرسلت للسلطات الأمريكية ملفا خاصا بكولن الذي تمزج حركته الدينية التيار المحافظ والقيم الإسلامية بالمنظور الغربي ولها شبكة من المؤيدين داخل تركيا. وقال وزير العدل بكير بوزداج "لدينا أدلة أكثر من كافية أكثر مما قد تطلبوها عن كولن. لا حاجة لدلائل عن محاولة الانقلاب فكل الأدلة تشير إلى أن محاولة الانقلاب منظمة بناء على رغبته وأوامره."

تقول أنقرة إن مؤيدي كولن تغلغلوا في المؤسسات التركية ويشكلون "دولة موازية." وسعيا لنفي أي إشارات إلى وجود حالة من عدم الاستقرار قال الجيش إنه استعاد السيطرة الكاملة. ونفى نائب رئيس الوزراء نعمان قورتولموش ما ورد في تقارير عن اختفاء 14 قطعة بحرية وسعي قادتها للانشقاق. وقال قورتولموش للصحفيين إن 9322 شخصا قيد التحقيق حاليا لصلتهم بمحاولة الانقلاب. وطلب ثمانية جنود أتراك حق اللجوء السياسي في اليونان وتقول تركيا إن على أثينا تسليمهم فورا من أجل العلاقات بين الجارتين والتي ليست في أفضل حالاتها بالأساس.

وفي خطاب يتسم بالتحدي قال يلدريم إن استهداف المدنيين أثناء محاولة فصيل من الجيش الاستيلاء على السلطة غير مسبوقة في تاريخ تركيا التي شهدت آخر انقلاب عسكري منذ أكثر من 30 عاما. وأضاف "أنا آسف لكن هذه المنظمة الإرهابية الموازية لن تكون بعد الآن بيدقا فعالا في يد أي دولة. "سنجتثهم من جذورهم حتى لا تجروء أي منظمة سرية على خيانة شعبنا مرة أخرى." وأصيب نحو 1400 شخص عندما قاد جنود دبابات وطائرات هليكوبتر ومقاتلات في محاولة للاستيلاء على السلطة وهاجموا البرلمان ومقر المخابرات وحاولوا السيطرة على المطار الرئيسي وجسور في اسطنبول.

وقالت رئاسة أركان الجيش إنها ستعاقب "بأعنف الطرق" أي عنصر من القوات المسلحة مسؤولا عما وصفته "بهذا العار" وأضافت أن معظم أفرادها لا علاقة لهم بمحاولة الانقلاب. وأبدى بعض الزعماء الغربيين قلقهم من أن يكون إردوغان -الذي قال إنه كاد يقتل أو يقع في أسر الانقلابيين- قد انتهز الفرصة لتكريس نفوذه ومواصلة عملية تحجيم خصومه. وأعرب المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة الأمير زيد بن رعد الحسين عن "قلق بالغ" إزاء عزل أعداد كبيرة من القضاة وممثلي الادعاء وحث تركيا على السماح لمراقبين مستقلين بزيارة المعتقلين. وقالت وزارة الخارجية التركية إن انتقاد رد فعل الحكومة يرقى إلى حد دعم الانقلاب.

وألغت تركيا عقوبة الإعدام في عام 2004 في إطار السعي للانضمام للاتحاد الأوروبي وحذر الزعماء الأوروبيون أنقرة من أن إعادة العمل بها سيعرقل طموحاتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. لكن إردوغان دعا البرلمان مرارا بعد الانقلاب إلى دراسة مطالب أتباعه بتطبيق عقوبة الإعدام على المتآمرين. وقال يلدريم إن تركيا ستلتزم بسيادة القانون ولن تكون مدفوعة بالرغبة في الانتقام أثناء محاكمة المشتبه بهم في تدبير محاولة انقلاب.

وأضاف رئيس الوزراء الذي كان يتحدث وهو يقف بجوار زعيم حزب الشعب الجمهوري الحزب المعارض الرئيسي في البلاد أن تركيا يجب أن تتجنب احتمال أن يحاول بعض الأشخاص استغلال الوضع الراهن وأضاف "نحتاج للوحدة ... والأخوة الآن." وقال زعيم حزب الحركة القومية التركي وهو تجمع يميني وأصغر أحزاب المعارضة الثلاثة الممثلة في البرلمان إن الحزب سيدعم الحكومة إذا قررت إعادة تطبيق عقوبة الإعدام في ظل دعوات بإعادتها بعد محاولة الانقلاب الفاشلة.

ويقول مسؤولون في أنقرة إن أكين أوزترك قائد القوات الجوية السابق الذي ظهر محتجزا وتظهر كدمات على وجهه وذراعيه وكانت أذنه مضمدة هو أحد قادة محاولة الانقلاب. وذكرت وسائل الإعلام التركية أنه نفى ذلك أمام ممثلي الادعاء قائلا إنه حاول منع محاولة الانقلاب. وقال يلدريم إن تركيا في حاجة إلى تأمين البلد بأسره "بنسبة مئة بالمئة". بحسب رويترز.

وبدأت محاولة الانقلاب تتداعى بعدما اتصل إردوغان الذي كان يقضى مع أسرته عطلة في مدينة مرمرة الساحلية هاتفيا ببرنامج تلفزيوني وطلب من مؤيديه النزول إلى الشارع. وتمكن بعد ذلك من الطيران إلى اسطنبول بعد أن كانت طائرته على مرأى من الانقلابيين لكنهم لم يطلقوا النار عليها. وقال إردوغان إنه كان سيقتل إذا تأخر في مغادرة مرمرة. وأصاب سفك الدماء تركيا التي يبلغ عدد سكانها 80 مليون نسمة بالصدمة. وكانت آخر مرة يستخدم فيها الجيش التركي القوة لتنفيذ انقلاب ناجح قبل أكثر من 30 سنة. وهزت المحاولة الانقلابية الثقة الهشة في استقرار الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي والتي تتعرض أيضا لهجمات من تنظيم داعش كما تقاتل مسلحين أكرادا.

حالة الطوارئ

في السياق ذاته دخلت حالة الطوارئ التي أقرتها الحكومة التركية في إطار إجراءات التعامل مع محاولة الانقلاب، حيز التنفيذ في عموم البلاد وسيستمر هذا الإجراء الذي يمنح السلطات صلاحيات واسعة النطاق، لمدة ثلاثة أشهر. وتقول السلطات إن حالة الطوارئ ستمكنها من اتخاذ إجراءات سريعة وفعالة ضد المسؤولين عن الانقلاب العسكري الفاشل الذي شهدته البلاد. وأوضح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أعلن القرار أن الخطوة تتماشى تماما مع الدستور التركي ولا تنتهك سيادة القانون أو الحريات الأساسية للمواطنين الأتراك.

وتنص المادة 120 من الدستور التركي على إمكان فرض حالة الطوارئ على جميع أراضي البلاد أو جزء منها لمدة أقصاها ستة أشهر في حال وجود مخاطر كبيرة بوقوع أعمال عنف ضد أمن البلاد، حسبما أوردت وكالة أنباء الأناضول. ويسمح فرض حالة الطوارئ بإعلان حظر التجول وحظر الحق في التظاهر وتقييد حرية الحركة في مناطق معينة.

وشدد نائب رئيس الوزراء التركي محمد شمشك على أن حالة الطوارئ لن يكون لها أي تأثير على الشعب وقطاع الأعمال، وأن من شأنها تعزيز الديموقراطية واقتصاد السوق وتعزيز مناخ الاستثمار. وأكد أيضا أنه لن يكون هناك تراجع في مجال حقوق الإنسان، وذلك بعد أن أبدت دول أوروبية والولايات المتحدة في الأيام الماضية قلقا في هذا الصدد، ولا سيما مع حجم الرد التركي على محاولة الانقلاب. وردا على الانتقادات الدولية، قال أردوغان إن حكومته لن تساوم في هذا الصدد، وأضاف"لم نقدم أبدا أي تنازل على حساب الديموقراطية، ولن نفعلها أبدا".

على صعيد متصل اكد متحدث باسم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ان اتهام الاخير بتدبير محاولة الانقلاب لتعزيز سلطته "عبثي بالكامل"، وذلك ردا على شائعات في هذا المعنى. وقال ابراهيم كالن "ان لم يكن هذا انقلابا، فما هو الانقلاب؟" وتابع "يشبه ذلك القول ان (اعتداءات) 11 ايلول/سبتمبر (2001) من تدبير الولايات المتحدة، وباريس (كانون الثاني/يناير وتشرين الثاني/نوفمبر 2015) ونيس (14 تموز/يوليو) من ترتيب الحكومة الفرنسية". واضاف ان "بعض الجنرالات والقادة الموقوفين كانوا يدركون انهم سيقالون خلال (اجتماع) المجلس العسكري المقبل. كانوا يعلمون بانهم على اللائحة (...) لقد راوا بطريقة ما في (الانقلاب) الوسيلة الاخيرة للحؤول دون ذلك". بحسب فرانس برس.

وردا على سؤال حول طلب تسليم الداعية فتح الله غولن الذي تعده وزارة العدل التركية، اوضح ان الولايات المتحدة "تصر على ابقائه (...) كثيرون سيخالون انه يتمتع بحماية الولايات المتحدة". وتابع كالن من اسطنبول "نريد ان تتحرك الولايات المتحدة في هذا الملف، نريد ان نرى تعاونا من جانبها في هذه المسألة". وفي وقت اعلن رئيس الوزراء بن علي يلديريم ان بلاده ارسلت اربعة ملفات الى الولايات المتحدة (لطلب) تسليم "الارهابي الاكبر" في اشارة الى غولن الخصم اللدود لاردوغان والذي تتهمه السلطات التركية بتدبير محاولة الانقلاب.

احترام الحقوق الاساسية

الى جانب ذلك حذرت الامم المتحدة من ان احترام الحقوق الاساسية كحرية التعبير واجراء محاكمات عادلة ضروري للحفاظ على الديموقراطية في تركيا، ليتزامن هذه الكلام مع قيام السلطات التركية بحملات تطهير واسعة لملاحقة المسؤولين عن الانقلاب الفاشل. من جانبه، طالب السفير التركي لدى الامم المتحدة بدعم من المجتمع الدولي، وليس انتقادات. وقال السفير يسار هاليت شيفيك للصحافيين إن "تركيا تأمل، وتتمني تلقي الدعم، وليس النصائح أو الانتقادات". وأضاف "كنا نود أن يتخذ مجلس الأمن موقفا في أسرع وقت ممكن. هذا مهم". بحسب فرانس برس.

وقال دبلوماسيون ان مصر عرقلت صدور بيان لمجلس الأمن اقترحته الولايات المتحدة بعد التشاور مع أنقرة. كان هذا النص يندد بمحاولة الانقلاب. وقال فرحان حق المتحدث باسم الامم المتحدة "يجب الحفاظ على النظام الدستوري بشكل تام استنادا الى مبادىء الديموقراطية والحقوق الاساسية بما في ذلك الاحترام التام لحرية التعبير واجراء محاكمات عادلة". واضاف "هذه العناصر ضرورية للحفاظ على الديموقراطية في تركيا واستقرارها المستقبلي". وكان الامين العام للامم المتحدة بان كي مون دعا الى عودة سريعة وسلمية للسلطة المدنية في تركيا.

واضاف المتحدث "ان الامم المتحدة لا تزال تقف بثبات الى جانب تركيا ونظامها الديموقراطي في هذه المرحلة الصعبة". واكدت الامم المتحدة مجددا معارضتها لعقوبة الاعدام مشددة على ان الدول التي الغتها لا يمكنها العودة الى الوراء. وكان اردوغان اشار الى احتمال اعادة تطبيق عقوبة الاعدام. وكانت انقرة ابطلت عقوبة الاعدام في 2004 في اطار ترشحها للانضمام الى الاتحاد الاوروبي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0