وقعت القوتان الاستعماريتان الرئيسيتان بريطانيا وفرنسا قبل نحو مائة عام اتفاقية سرية عرفت لاحقا باسم "سايكس- بيكو" تم بموجبها اقتسام ارث الدولة العثمانية في الشرق الاوسط بعد الحاق الهزيمة بها في الحرب العالمية الاولى. لكن الحدود التي رسمتها تلك الاتفاقية كما تنقل بعض المصادر والتي تم بموجبها انشاء دول الشرق الاوسط تبدو الان قد دخلت مرحلة التبدل والتحولات.

فالعراق مثلا في طريقه الى التفكك بعد دخوله مرحلة الاضطرابات والفوضى مع استيلاء ما يعرف بتنظيم "داعش" على مساحات شاسعة من مناطق العرب السنة في العراق بينما يواصل زعماء الأكراد في الشمال التهديد بالانفصال عن العراق والإعلان عن الاستقلال الكامل واقامة دولة "كردستان". وأعلن مسلحو التنظيم، الذين أزالوا الحدود بين العراق وسوريا في يونيو/ حزيران عام 2014، إلغاء سايكس- بيكو إلى الأبد. وأيا كان مصير تنظيم داعش، فإن مستقبل سوريا والعراق وهما جزء رئيسي من مشروع سايكس- بيكو- كدولتين موحدتين بات أمرا محل شك كبير من قبل القوى الكبرى.

وتشكلت الحدود الراهنة للمنطقة من خلال عملية طويلة ومعقدة من الاتفاقيات والمؤتمرات والصفقات والصراعات التي تلت تفكك الإمبراطورية العثمانية وفي أعقاب نهاية الحرب العالمية الأولى، غير أن روح سايكس-بيكو ظلت حية خلال تلك المرحلة والعقود اللاحقة حتى أزمة قناة السويس عام 1956 وحتى فترة تالية. خلال تلك المرحلة فرضت القوى الاستعمارية ارادتها واقامت كيانات ودولا ونصبت عليها زعامات وقيادات موالية لها بما يخدم مصالحها فقط دون النظر الى الاعتبارات العرقية اوالقومية اوالجغرافية اوالدينية او اللغوية مثل العراق وسوريا ولبنان.

وتحول هذا الخليط الاثني والعرقي والديني والطائفي في هذه الدول الى مزيج قابل للانفجار حالما تواجه ازمات او تحديات او تراخت قبضة الحاكم القوية في الامساك بكل مفاصل السلطة كما جرى في لبنان في القرن الماضي وسوريا والعراق حاليا.

بعد 100 عام

منذ توقيعها قبل مئة عام، تتهم معاهدة سايكس بيكو التي رسمت حدود الشرق الاوسط الحديث بانها سبب مشاكل هذه المنطقة، في انتقادات قال مؤرخان انها محقة في بعض الاحيان ومخطئة في اخرى. ويوضح هنري لوران الاستاذ في معهد كوليج دو فرانس ان "حدود سايكس بيكو" التي اعادت تقسيم الامبراطورية العثمانية تم التفاوض حولها بين 1916 و1922، وخارطة سايكس بيكو الاولى "لا علاقة لها" بالحدود الحالية.

وتتهم هذه المعاهدات بانها جزأت العالم العربي، لكن النص الاول يتحدث عن اقامة "دولة او عدة دول عربية" على الاراضي التي قسمت الى منطقتي نفوذ فرنسية وبريطانية. وذكر الباحث بان الاتفاقات لم تشر الى "دولة يهودية ولا الى لبنان". وكان يفترض ان تكون فلسطين وكذلك الموصل التي تعد "عاصمة" تنظيم داعش اليوم، جزءا من منطقة النفوذ الفرنسية. لكن فرنسا تخلت عنها في 1918 تحت ضغط بريطانيا، وتخلت عن كيليكيا (في تركيا الحالية) عندما حرر القوميون الاتراك بقيادة مصطفى كمال الاناضول بين 1919 و1922.

وبقيت الاتفاقات المبدئية التي ابرمتها باريس ولندن، تحمل اسمي الدبلوماسيين اللذين اعداها البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرنسوا جورج بيكو. وقال لوران ان اختيار اسم "سايكس بيكو اختراع بريطاني للتقليل من اهمية الاتفاق لانهم ما كانوا يريدون الالتزام به". وفي 1922، اكدت عصبة الامم على الانتداب او "الاستعمار لمدة محددة" البريطاني على فلسطين والضفة الشرقية للأردن والعراق، والفرنسي على سوريا ولبنان، ومنه ولدت الدول الحالية.

ويقول جان بول شانيولو المؤرخ ومؤلف اطلس الشرق الاوسط على المستوى الرمزي، ترتبط اتفاقات سايكس بيكو بفكرة قوية في الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة هي الاهانة (...) نجد بعد عقود مشاكل مختلفة لكن جذورها موجودة في مكان ما في اتفاقات سايكس بيكو". في المقابل يرى لوران انه "يجب الكف عن لعب دور الضحية". ويضيف ان القوميين العرب دانوا هذه الحدود التسعفية "لكن لم يتم التشكيك فيها بجدية لانها كانت تناسب الجميع". ويتابع ان عدم الاستقرار الحالي "مرتبط خصوصا بنظام سياسي فاسد يبقي الحياة السياسية في المنطقة في لعبة تدخل ومشاركة قوى اقليمية ودولية" منذ القرن الثامن عشر.

ويرى جان بول شانيولو انهم الفلسطينيون والاكراد. ويقول "فرضت تقسيمات تعسفية للاراضي على وتم تناسي قوميات"، مضيفا ان هذا الترسيم ادى الى قيام "دول بلا شعوب" مثل الاردن او "شعوب بلا دول" مثل الفلسطينيين والاكراد. ويوضح ان "الاكراد كادوا يحصلون على دولة. فقد حصلوا عليها في معاهدة سيفر (آب/اغسطس 1920) لكن توازن القوى على الارض غير الوضع". اما بالنسبة للفلسطينيين، فلم تقض على آمالهم معاهدة سايكس بيكو بل اعلان بلفور في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917 الذي وعد باقامة "وطن قومي لليهود" في فلسطين. بحسب فرانس برس.

ويرى جان بول شانيولو ان "سايكس بيكو فرضت حدودا على الشعوب ويجب اعادة الامور الى نصابها: الآن يعود الى الشعوب فرض ارادتها في انشاء دولة". وهو يدافع عن حق الفلسطينيين في انشاء دولة وعن حق اكراد العراق في ممارسة حقهم في تقرير المصير "وان كانت الشروط لم تجتمع بعد لانشاء دولة كردية". اما بالنسبة لتنظيم داعش الذي اعلن من جانب واحد في 2014 "دولة خلافة" تمتد بين سوريا والعراق، فقد عرضت لقطات للجهاديين وهو يزيلون حاجزا ترابيا بين البلدين، كتب تحتها "ازالة حدود سايكس بيكو". لكن في نظر هنري لوران، تنظيم داعش "لم يلغ سايكس بيكو بل جسدها"، مشيرا الى ان المنطقة التي تسيطر عليها هذه المجموعة المتطرفة اليوم تنطبق على المنطقة التي كانت تخضع للنفوذ الفرنسي في السابق وتشمل بادية الشام.

الدماء تطمس الحدود

الى جانب ذلك وبعد قرن من رسم حدود الشرق الأوسط في اتفاقية سرية بين بريطانيا يطمس العنف الطائفي تلك الحدود لكن هناك في المنطقة من يرون في هذه الفوضى الدموية فرصة لهم. من بين هؤلاء الإسرائيليون والأكراد إذ يحاول كل من الجانبين تشكيل منطقة نفوذه وأيضا القوميون العرب أو الإسلاميون الذين يصبون جام غضبهم على الاستعمار الغربي. ومع تشعب الصراع من حيث نفوذهم وأهدافهم فإنهم يمثلون صداعا لمعالجي الأزمات العالمية في الوقت الراهن.

وليس هناك مكان تتجسد فيه الأزمة أكثر من سوريا والعراق وهما الدولتان اللتان خط البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج-بيكو حدودهما بشكل عمومي في اتفاق 16 مايو أيار 1916 وتشهدان اليوم مكاسب لمتشددي تنظيم داعش واقتتالا بين الشيعة والسنة. وتزامن مع الذكرى المئوية لاتفاقية سايكس بيكو عقد مؤتمرات وطرح آراء سياسية في إسرائيل. وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن ضم إسرائيل لهضبة الجولان السورية التي احتلتها بلاده في حرب يونيو حزيران 1967 يجب أن يلقى اعترافا دوليا وإن أحد أسباب ذلك أن دمشق ربما لم تعد قادرة على الاحتفاظ بما يكفي من السلطة المركزية اللازمة للتفاوض لاستعادة الهضبة الإستراتيجية.

وقال السياسي الإسرائيلي البارز دوري جولد إن التخلي عن الجولان سيجعل الأراضي الإسرائيلية في مرمى نيران داعش. وأضاف جولد "انصهار الحدود مع الربيع العربي والشتاء الإسلامي خلق واقعا يشير إلى عدد من المحاذير التي يتعين على إسرائيل أن تضعها في الاعتبار في المستقبل." وتابع "تظهر حركات وحدوية تتحدى الحدود المرسومة منذ وقت طويل." وقال جولد إن السبب في الحملة الدبلوماسية الإسرائيلية أن مبعوث الأمم المتحدة للسلام في سوريا جعل الجولان في مارس آذار جزءا من اقتراحات لإعادة توحيد الدولة التي تمزقت على مدى خمس سنوات من الحرب الأهلية.

وتوافق على تلك الاقتراحات روسيا الدولة الكبرى التي دعمت الرئيس السوري بشار الأسد أكثر من غيرها ضد جماعات المعارضة المسلحة والجماعات المتشددة ويقول مسؤولوها إن الجولان السوري المحتل يجب أن يبقى جزءا من سوريا. وقال جولد "هذا يثير من وجهة نظري صورة لاجتماع سري ما في قبو أحد مقار الحكم في أوروبا حيث يجلس سايكس وبيكو القرن الحادي والعشرين بحوزتهما خرائط ومعهما رسامون ويحاولان إعادة رسم حدود الشرق الأوسط." وجولد يبالغ في الأمر لأنه لا يوجد ما يشير إلى عقد مثل هذه الاجتماعات لكن احتياج إسرائيل لحق المطالبة بذلك يظل قائما.

لكن هناك تأييدا شعبيا بين كثير من العرب لاعتبار اتفاقية سايكس-بيكو ميتة. فالقوميون العلمانيون يريدون إنهاء الحدود التعسفية المفروضة من الغرب في العالم العربي. ويأمل الإسلاميون في توحيد المنطقة في خلافة إسلامية. وقال جميل أبو بكر العضو القيادي في جماعة الإخوان المسلمين في الأردن إن سايكس-بيكو "تقسم الأمة العربية والبلاد العربية وعملت على التهيئة لاحتضان الكيان الصهيوني ولتمرير المشروع الصهيوني ولإبقاء حالة العرب في حالة ضعف" في إشارة إلى قيام إسرائيل عام 1948 على أرض ما كان يسمى فلسطين تحت الحكم البريطاني. بحسب رويترز.

ويخشى الفلسطينيون أن تتسبب الصراعات الراهنة في إضعاف مسعاهم لإقامة دولة في الأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل. وعبرت حنان عشراوي العضو القيادي في منظمة التحرير الفلسطينية عن حزنها إزاء ما وصفته الغدر والخيانة في الاتفاقيات الاستعمارية مثل سايكس-بيكو لكنها قالت إن الدول العربية التي قامت نتيجة هذه الاتفاقيات يجب أن تبقى خشية أن يتسبب التقسيم في مزيد من المعاناة. وفي إشارة إلى الجولان قالت إن إسرائيل تستغل الوضع من أجل محاولة التركيز لجعل احتلالها غير الشرعي للأرض العربية بما فيها الضفة الغربية دائما.

سايكس بيكو والاكراد

على صعيد متصل اقتنص الأكراد وهم شعب بلا دولة تعداده عشرات الملايين الفوضى لتوسيع المناطق الغنية بالنفط في شمال العراق المتمتع بالحكم شبه المستقل وهو الوضع الذي تمتعوا به منذ سقوط صدام حسين في 2003. وفي شمال سوريا يعمل الأكراد الذين يسيطرون على ثلاث محافظات للانتهاء في وقت لاحق من العام الحالي من وضع خطط اتحاد سياسي متمتع بالحكم شبه المستقل. ويعي الأكراد أن الولايات المتحدة تريد بقاء العراق وسوريا كما هما ولذلك لم يعلنوا الاستقلال. لكن بعض السلطات الكردية تبدو ماضية في هذا الاتجاه.

وعبر الهاشتاج (سايكس-بيكو) كتب مسرور البرزاني مستشار مجلس أمن إقليم كردستان العراق في حسابه على تويتر يقول إن مئة عام من الفشل وإراقة الدماء تكفي سببا لمحاولة المضي في طريق جديد. وأضاف أنه بالنسبة لكردستان حان الوقت لإنهاء الظلم. وقال إن البعض يتساءلون الآن عما إذا كان الوقت قد حان لكردستان مستقلة. وأضاف أنه يعتقد أن الوقت حان لأن يقرر الشعب الكردي مستقبله. وهذه المشاعر لا تلقى ترحيبا في بغداد أو العواصم العربية الأخرى التي تحاول احتواء الشروخ الإقليمية.

وبينما يتجه العراق إلى مرحلة أعمق من الاضطرابات والتفكك، يواصل زعماء الأكراد في الشمال تهديدهم بالانفصال وإعلان الاستقلال الكامل. وأعلن مسلحو ما يُطلق عليه تنظيم داعش، الذين أزالوا الحدود بين العراق وسوريا في يونيو/ حزيران عام 2014، نيتهم محو جميع حدود المنطقة، وإلغاء سايكس-بيكو إلى الأبد. وأيا ما كان مصير "داعش"، فإن مسقبل سوريا والعراق - وهما جزء رئيسي من مشروع سايكس-بيكو- كدولتين موحدتين بات أمرا غامضا.

وتبعد النقطة الحدودية بين العراق وسوريا التي أزالها تنظيم الدولة في مشهد تمثيلي مئات الكيلومترات من "الخط الرملي" الشهير الذي رسّمه سايكس وبيكو، والذي يمتد مباشرة تقريبا من الحدود الإيرانية في الشمال الشرقي حتى الموصل وكركوك ليعبر الصحراء باتجاه البحر المتوسط، لينحرف في اتجاه الشمال إلى حقلة فوق نهاية حدود فلسطين. وشكلت الحدود الراهنة للمنطقة من خلال عملية طويلة ومعقدة من الاتفاقيات والمؤتمرات والصفقات والصراعات التي تلت تفكك الإمبراطورية العثمانية وفي أعقاب نهاية الحرب العالمية الأولى.

وفي البلدين، أثبت الأكراد أنهم أكثر حلفاء الائتلاف الغربي فعالية في قتال تنظيم داعش، على الرغم من أنهما يشتركان في الإصرار على إعادة ترسيم الخريطة. وقال رئيس إقليم كردستان العراقي، مسعود بارزاني، الذي يتمتع بحكم ذاتي، في مقابلة مع بي بي سي: "ليس وحدي من يقول بذلك، ففي الحقيقة إن سايكس-بيكو فشلت وانتهت." وأضاف أن "هناك حاجة إلى تشكيل جديد للمنطقة. أنا متفائل للغاية بأنه من خلال ذلك التشكيل الجديد سيحقق الأكراد مطلبهم التاريخي وحقهم (في الاستقلال)".

وتابع: "مررنا بتجربة مريرة منذ تشكيل العراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى. حاولنا الحفاظ على وحدة العراق، لكننا غير مسؤولين عن تفككها - الآخرون هم الذين فككوها." وقال "إننا لا نريد أن نكون جزءا من الفوضى والمشاكل التي تحيط بالعراق من جميع الجهات". وقال بارزاني إن الدافع وراء الاستقلال جاد للغاية، وإن تلك الاستعدادات تمضي قدما بكل قوة.

وأضاف أن الخطوة الأولى تجب أن تكون "مفاوضات جادة" مع الحكومة المركزية في بغداد للتوصل إلى تفاهم وحل باتجاه ما يطلق عليه القادة الأكراد "الانفصال الودي". وإذا لم يسفر ذلك عن نتائج، كما يقول بارزاني، يتعين على الأكراد المضي قدما بصورة آحادية بإجراء استفتاء حول الاستقلال. وأضاف: "إنها خطوة ضرورية، لأن كل المحاولات والتجارب السابقة فشلت. وإذا لم تساعد الظروف الحالية في تحقيق الاستقلال، فليست هناك ظروف تمنع من طلب هذا الحق."

وتعد المناطق الكردية في العراق مناطق غير ساحلية، يحيط بها جيرانها من جميع الجهات - سوريا وتركيا وإيران والعراق نفسه - الذي طالما رفض التطلعات الكردية. وتحت تهديد تنظيم داعش، بات الأكراد أكثر اعتمادا على الإطلاق على القوى الغربية التي تنصحها بقوة كذلك بالبقاء كجزء من العراق. وسواء أحقق أكراد العراق أم لم يحققوا استقلالا كاملا بشكل رسمي في المستقبل القريب، فإنهم أسسوا بالفعل كيانا له حدوده وعلمه ومطاراته الدولية وبرلمانه وحكومته وقوات أمنه الخاصة - كل شيء عدا جواز السفر والعملة. وإلى ذلك الحد، فقد أعادوا بالفعل ترسيم الخريطة. وفي الجوار، يقوم أقرانهم من أكراد سوريا بالشيء نفسه، من خلال السيطرة وإدارة قطاعات شاسعة من الأراضي على طول الحدود التركية تحت مسمى "الإدارة الذاتية".

تركيا والمعاهدة

في السياق ذاته ما زال الشعور بالضغينة الذي يكنه الاتراك لمعاهدة سايكس بيكو بعد قرن على ابرام الاتفاقات التي تقاسم البريطانيون والفرنسيون بموجبها اراضي الدولة العثمانية المتهالكة، محركا اساسيا لسياسة انقره الخارجية تحت حكم رجب طيب اردوغان. وقطعت الجمهورية التركية العلمانية التي اسسها مصطفى كمال اتاتورك في 1923 العلاقات بين الدولة التركية وتاريخها الامبراطوري الذي شهد في اوجه بسط الباب العالي سلطته على اراض تمتد من ابواب فيينا الى خليج عدن، وبدات بناء دولة عصرية ضمن حدودها.

لكن منذ وصول حزب اردوغان، العدالة والتنمية الاسلامي المحافظ الى السلطة في 2002 تبنت تركيا سياسة خارجية طموحة لاستعادة مكانتها في اراضي الامبراطورية السابقة، من البوسنة الى السعودية. وفي مؤشر على طموحاتها الخارجية سعت انقرة الى انشاء منطقة للتبادل الحر تشمل سوريا ولبنان والاردن ثم في مرحلة لاحقة العراق. وبالفعل ابرم الاتفاق لذلك في 2010 لكنه تبعثر وسط هزات احداث "الربيع العربي".

ولم يخف القادة الاتراك الحاليون، "العثمانيون الجدد" بحسب توصيف معارضيهم، في اي وقت احتقارهم لاتفاقيات سايكس بيكو ويرون انها فصلت شعوبا مسلمة وحرمت تركيا من نفوذها الطبيعي في المنطقة. لذلك لا يفوت اردوغان فرصة للتنديد "بالمساومات" التي ادت بباريس ولندن الى "رسم الحدود بالمسطرة". كما صرح رئيس الوزراء احمد داود اوغلو في اذار/مارس "لطالما رفضنا معاهدة سايكس بيكو، لانها قسمت منطقتنا وابعدت مدننا عن بعضها". واضاف داود اوغلوا ان البعض يسعون اليوم الى "سايكس بيكو جديدة" عبر تقسيم سوريا والعراق، فيما يطالب الاكراد خصوصا بمزيد من الحكم الذاتي في هذين البلدين وتركيا.

وفي 2014 صرح اردوغان ان "كل نزاع في المنطقة (...) تم التخطيط له قبل قرن". كما انه يتهجم دوريا على "اللورنسات الجدد" الساعين الى زعزعة استقرار المنطقة، في اشارة الى "لورنس العرب" او ضابط الارتباط البريطاني توماس ادوارد لورنس الذي لعب دورا محوريا في الثورة العربية على الحكم العثماني. واوضحت استاذة العلوم السياسية في جامعة بيلكنت سيزين اوني ان اتفاقات سايكس بيكو تندرج في اطار "خطاب الضغينة تجاه الاستغلال الغربي". واضافت ان "انقرة تعتبر ان هذه الحدود مصطنعة، انها تقيد، لا بل تسرق ما ينتمي الى الارث التاريخي التركي".

وكشفت انقره مدى طموحاتها "ما بعد العثمانية" في اطار النزاع السوري، عبر تشجيعها على اسقاط الرئيس السوري بشار الاسد. لكن نشاطها انقلب عليها الى حد كبير. فتركيا تستقبل حاليا 2,7 ملايين لاجئ سوري، كما تواجه تمدد النزاع السوري الى اراضيها مع تعرضها دوريا لاطلاق قذائف دام صادر عن تنظيم الدولة الاسلامية الذي تبنى كذلك عددا من الاعتداءات في اسطنبول وانقره. بحسب فرانس برس.

مؤخرا استغل المسؤولون الاتراك عدة مراسم لاحياء ذكرى احداث مختلفة تعود الى الحرب العالمية الاولى لكيل الانتقادات الى المعاهدة الفرنسية البريطانية، كما حصل في مئوية انتصار العثمانيين على قوات التحالف في 29 نيسان/ابريل في كوت العمارة في بلاد الرافدين، العراق اليوم. وقال داود اوغلو ان "روحية كوت العمارة ستنتصر مهما حصل، وستشهد سايكس بيكو هزيمة نكراء". غير ان تنحي هذا الجامعي السابق الذي يعتبر مهندس السياسة الخارجية التركية في العقد الاخير من رئاسة الوزراء يطرح تساؤلات بشأن امكانات مراجعتها. غير ان السفير التركي السابق في الولايات المتحدة فاروق لوغ اوغلو قال "اعتقد ان الفرص ضئيلة" لاي مراجعة، مذكرا بان اردوغان اقر السياسة الخارجية التي بلورها داود اوغلو.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1