صعَّدت تركيا حربها المعلنة ضد الاكراد وحزب العمال الكردستاني، خصوصا بعد النتائج المهمة التي حققها الاكراد في سوريا الامر الذي اثار قلق انقرة التي تخشى من قيام دولة كردية على حدودها يمكن أن تكون داعمة لمطالب أكراد تركيا بالانفصال.

وتجدر الإشارة إلى أن حزب العمال الكردستاني، الذي يطالب بالحكم الذاتي في أجزاء من جنوب تركيا، مصنف على أنه جماعة إرهابية من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والعديد من الدول الأخرى.

ويرى بعض المراقبين ان السلطات التركية وبالإضافة الى العمليات العسكرية التي تشنها على الاكراد، قد سعت الى اعتماد خطط جديدة في هذه الحرب تتمثل باستخدام بعض اوراق الضغط المهمة، من اجل التأثير على بعض الدول والحكومات الحليفة واجبارها على تبني افكارها الموجهة ضد الاكراد بشكل عام.

ولعل خير دليل على ذلك الاجراءات الاخيرة التي قامت بها حكومة كردستان العراق، التي عمدت الى اغلق حدودها بوجه اكراد سوريا من اجل استرضاء تركيا، حيث اكد البعض ان تحكم تركيا في الحدود يعد سيفاً اقتصادياً مسلطاً على المنطقة الكردية في شمال العراق، يضاف الى ذلك الاوراق الاخرى ومنها ورقة المهاجرين التي ازعجت الدول الاوربية التي تخلت عن شعارتها وقيمها الانسانية من اجل اغضاب تركيا في هذا الوقت.

تصعيد المواجهات

وفيما يخص اخر التطورات في هذا الملف فقد اعلن القيادي في حزب العمال الكردستاني جميل بايك في مقابلة مع بي بي سي استعداد الحزب لتصعيد المواجهات مع قوات انقرة ردا على حملتها العسكرية. فبعد انهيار هدنة اعلنت قبل عامين بين انقرة والمتمردين الاكراد، بدأت الحكومة التركية حملة عسكرية عنيفة عليه في جنوب شرق البلاد. واعتبر بايك ان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان "يصعد حربه". واضاف للقناة البريطانية ان "الاكراد سيدافعون عن انفسهم حتى النهاية، طالما اعتمدت السلطات التركية هذه المقاربة، بالطبع سيصعد حزب العمال الحرب".

وفي وقت قريب اعلن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان مقتل 355 عنصرا من قوى الامن واكثر من 5000 عنصر من حزب العمال الكردستاني في المعارك، لكن يتعذر التحقق من هذه الارقام. وتابع بايك "لا نريد الانفصال عن تركيا وتاسيس دولة. لا نريد تجزئة تركيا. نريد ان نعيش ضمن حدود تركيا وعلى ارضنا بحرية...النضال مستمر حتى الاعتراف بحقوق الاكراد". كما اشار الى استعداد حزب العمال الكردستاني لتصعيد النزاع "لا في كردستان فحسب، بل في سائر انحاء تركيا". ولفت الى ان اردوغان "يريد استسلام الاكراد. ان لم يفعلوا فهو يريد قتل الاكراد جميعا. انه يقول ذلك علنا ولا يخفيه اطلاقا".

واقترح اردوغان سحب الجنسية التركية من انصار حزب العمال الكردستاني فيما يسعى رئيس الوزراء احمد داود اوغلو الى تعديل الدستور لاجازة محاكمة نواب مناصرين للاكراد اتهموا بممارسة "دعاية ارهابية". وبعد وقف لاطلاق النار استمر اكثر من عامين، تجدد النزاع الكردي الصيف الفائت. وخلفت المواجهات الدامية بين قوات الامن التركية والمتمردين عددا كبيرا من الضحايا لدى الجانبين واسفرت عن مقتل عشرات المدنيين واجبرت عشرات الاف اخرين على النزوح من جنوب شرق البلاد ذي الغالبية الكردية. بحسب فرانس برس.

ونفذت جماعة متطرفة منشقة من حزب العمال الكردستاني في شباط/فبراير واذار/مارس اعتداءين خلفا اكثر من ستين قتيلا في انقرة. وفي الاشهر الاخيرة، كثف اردوغان الاعتقالات والملاحقات القضائية بحق مؤيدي القضية الكردية من مفكرين وصحافيين ومحامين او نواب، معتبرا انهم "شركاء للارهابيين". واثارت هذه التدابير موجة انتقادات في تركيا وخارجها.

اتهامات وقرارات

في السياق ذاته اعلنت قناة تلفزيونية مستقلة موالية للاكراد في تركيا ان السلطات امرت بحجبها اتهمتها ب"الترويج للارهاب" لحساب المقاتلين الاكراد. وقال تلفزيون "آي.ام.سي" في بيان ان الادعاء التركي وجه رسالة الى مشغل القمر الاصطناعي الرئيسي في تركيا "تورك سات" طلب منه فيها وقف بث القناة ونفذ الطلب فورا. وتابع التلفزيون ان مبررات صدور الامر هي "القيام بالترويج لمنظمة ارهابية". وعادة ما يعني ذلك في تركيا بث او نشر معلومات تعتبر داعمة لحزب العمال الكردستاني المحظور.

لكن تلفزيون "آي.ام.سي" الذي تأسس في 2011 ويركز ايضا على مواضيع نسائية ويسارية وبيئية، قال انه لا يرتبط "بأي حزب او منظمة". واضاف "سنستخدم بالطبع كافة السبل القانونية للدفاع عن انفسنا امام هذا الاتهامات التي لا اساس لها". وتواصل القناة بثها على موقعها الالكتروني. من جهته، ندد المدير العام للقناة، أيوب برج بالاوامر التي وجهها المدعون ل"تورك سات" بوصفها غير قانونية، وقال انه كان يتعين ان توجه عن طريق هيئة مراقبة البث "ار تي يو كي". بحسب فرانس برس.

وتعد "آي.ام.سي" القناة الوحيدة الموالية للاكراد في تركيا مع خط معاد للحكومة. وبعد اصلاحات مؤخرا اصبح لشبكة البث الرسمية "تي.آر.تي" قناة باللغة الكردية. وتخضع وسائل الاعلام الموالية للاكراد لاجراءات مراقبة مشددة بعد انهيار وقف لاطلاق النار دام سنتين ونصف مع حزب العمال الكردستاني. لكن يتزايد القلق ازاء وضع حرية التعبير في تركيا حيث يواجه العديد من الصحافيين وشخصيات اخرى اجراءات قانونية وسط اتهامات باهانة الرئيس رجب طيب اردوغان.

كردستان العراق

من جانب اخر وجهت حكومة كردستان العراق ضربة مؤثرة للمناطق التي يسيطر عليها أكراد بشمال سوريا بإبقاء الحدود مغلقة لأكثر من شهر في إجراء يمثل انتكاسة سياسية للمنطقة السورية التي تسعى لتوسيع نطاق إدارتها الذاتية. وتعتقد الإدارة الكردية في شمال شرق سوريا أنها مستهدفة من قبل حكومة إقليم كردستان العراق بالتنسيق مع تركيا التي تشعر بقلق عميق من المكاسب التي يحققها الأكراد داخل سوريا.

وكشفت هذه الخطوة عن خلافات كردية عبر الحدود وكيف يمكن لها أن تعقد الطموحات السياسية لأكراد سوريا. واتخذ أكراد العراق هذا القرار في نفس الأسبوع الذي أعلن فيه أكراد سوريا وحلفاؤهم خططا لوضع نظام جديد لحكومة تتمتع باستقلال في شمال سوريا. وقال عبد الكريم ساروخان رئيس الإدارة الذاتية للأكراد في شمال شرق سوريا إن السلطات في كردستان العراق لم تقدم سببا لصدور القرار بينما المعبر مغلق منذ 16 مارس آذار الماضي.

وأغلق المعبر بينما التقت جماعات من أكراد سوريا وآخرون سعيا لتحسين خطط لتعزيز إدارتهم الذاتية في شمال سوريا من خلال إنشاء اتحاد جديد للمناطق التي تتمتع بالحكم الذاتي. وتعرف هذه المنطقة باللغة الكردية باسم "روجافا." وقال ساروخان "فيما بعد اتضح أن المسألة (هدفها) فرض حصار على مقاطعات روجافا بشكل كامل.. بناء على معلومات وصلتنا.. من قبل إقليم كردستان مع الحكومة التركية."

ونفى مسؤول تركي بارز أن يكون لبلاده أي دور في القرار مؤكدا معارضة تركيا الشديدة لأي اتحاد يتمتع بالحكم الذاتي لأقليات في سوريا. وقال حامد دربندي المسؤول الكردي العراقي إن قرار إغلاق الحدود لا علاقة له بخطط إعلان الاتحاد لكن بما وصفها "تصرفات دكتاتورية" يقوم بها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وهو أكبر الأحزاب الكردية في سوريا وتعامله مع الجماعات الكردية الأخرى. وأضاف دربندي دون ذكر للتفاصيل أن حزب الاتحاد الديمقراطي تدخل في شؤون العراق.

يقول مسؤولون أكراد سوريون إن الهدف ليس الانفصال بل إقامة نظام لا مركزي للحكومة ويعتبرون ذلك في صلب أي حل للصراع السوري. لكن تلك الخطط تواجه انتقادات من جهات بينها الولايات المتحدة. غير أن ساروخان الذي أصبح رئيسا لحكومة يقودها الأكراد في سوريا في الخامس من أبريل نيسان قال إنهم "أنتم في روجافا ماذا فعلتم وماذا ستفعلون إن لم نكن نحن راضين عنكم ونحن علياء عليكم وأنتم أصغر جزء من كردستان.. إذا لم تسيروا حسب ما سنمليه عليكم.. لن نجعلكم تستمرون." وقال من بلدة عامودا في شمال سوريا "هذه رسالتهم لنا.. فهمناها. ولكنن نحن مصرون ومصممون بأننا سنسير بهذا النهج. بأننا سنقاوم.. بأننا سنعتمد على ذاتنا.. بأننا سنبحث عن حلول أخرى."

ويعيش الأكراد كأقليات في العراق وسوريا وتركيا وإيران. وسعى أكراد العراق لتعظيم سلطات الحكم الذاتي التي يتمتعون بها خلال السنوات الماضية ببناء خط أنابيب نفطي خاص بهم إلى تركيا. ويشكل الأكراد أكبر أقلية عراقية في سوريا وواجهوا تمييزا ممنهجا حتى قامت الانتفاضة في 2011. وسيطرت جماعات كردية على مناطق واسعة في شمال سوريا منذ انزلق هذا البلد في حرب أهلية في 2011 بينها 400 كيلومتر متصلة تمتد بطول الحدود مع تركيا. وأصبحت وحدات حماية الشعب الكردية أكثر الشركاء في سوريا فعالية بالنسبة للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش.

ومع إغلاق الحدود التركية اعتمد أكراد سوريا على كردستان العراق للحصول على ما يحتاجونه من غذاء ومواد بناء. وكانت تعبر عشرات السيارات كل يوم قبل قرار الإغلاق. وكان هذا أيضا مسارا مهما للخروج من شمال شرق سوريا. وأفاد إدريس نعسان المسؤول السابق في الإدارة الذاتية للأكراد بسوريا بأن وفدا من أكراد سوريا أمر بالعودة بعدما توجه إلى موسكو قبل أسابيع. وتعرض نعسان نفسه لهذا الموقف في الفترة الأخيرة.

ومع ضعف تدفق البضائع قال ساروخان إن المنطقة قادرة على التأقلم مع الوضع الحالي بفضل مواردها الذاتية فهي منطقة غنية بالأراضي الزراعية وبمصاف أولية تستخدم لصنع الجازولين والديزل من النفط المستخرج محليا. وتقع المناطق التي يسيطر عليها الأكراد من سوريا بين تركيا في الشمال والعراق في الشرق وأراض تسيطر عليها داعش في الجنوب والجنوب الغربي. ولا تزال رحلات طيران من دمشق تصل لمدينة القامشلي التي يعد مطارها واحدا من المنشآت القليلة التي تسيطر عليها حكومة دمشق ويستخدم للسفر إلى مناطق تسيطر عليها الحكومة في غرب البلاد حيث يعيش الكثير من الأكراد. بحسب رويترز.

وقتل في وقت سابق عشرات الأشخاص في معارك بالقامشلي بين الأكراد السوريين والقوات الحكومية. وكان هذا أكثر الأحداث دموية بالمدينة منذ بدء الأزمة السورية. وانتهى القتال بعد سيطرة الجماعات الكردية على مناطق يقولون إنها تحت سيطرتهم وفقا لبنود هدنة أعلنت من الجانب التركي. وقال ساروخان "النظام كان فاكر بأنه يستطيع الرجوع بسوريا إلى ما قبل 2011.. ولكن لا يدركون أننا في مناطق الإدارة الذاتية أنجزنا الكثير.. حيث تشكلت لدينا قوات عسكرية واستطعنا إدارة مجتمعنا في هذه السنوات. "

ألمانيا وعودة العنف

الى جانب ذلك وفي الوقت الذي تسعى فيه ألمانيا جاهدة لاحتواء خلاف دبلوماسي مع تركيا بسبب سخرية مقدم برامج من الرئيس رجب طيب إردوغان يتزايد قلق المسؤولين من أثر آخر لاتفاق مثير للجدل مع أنقرة بشأن المهاجرين هو تصاعد العنف بين الأتراك القوميين والأكراد على الأراضي الألمانية. وتضم ألمانيا نحو ثلاثة ملايين مواطن من أصل تركي. واحد من كل أربعة منهم تقريبا كردي من الذين جاءوا للعمل في ألمانيا خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي أو جاءوا كلاجئين هربا من العنف في الثمانينات والتسعينات.

وتفيد تقديرات مسؤولي المخابرات أن نحو 14 ألف من هؤلاء الأكراد مؤيدون نشطون لحزب العمال الكردستاني الجماعة المتشددة التي تصاعدت حملتها المسلحة ضد الدولة التركية في أعقاب انهيار وقف لإطلاق النار دام عامين ونصف في يوليو تموز الماضي. والاشتباكات بين الأتراك والأكراد في ألمانيا ليست أمرا جديدا. ففي ذروة الصراع بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني في أوائل تسعينات القرن الماضي اجتاح مقاتلون أكراد القنصلية التركية في ميونيخ وشنوا هجمات بقنابل حارقة على منشآت تركية في مختلف أرجاء ألمانيا. ودفع ذلك ألمانيا إلى حظر نشاط حزب العمال الكردستاني في عام 1993.

لكن المسؤولين الحكوميين ومسؤولي المخابرات يشعرون بالقلق من أن يكون تزامن تصاعد العنف في تركيا مع اتفاق اللاجئين الذي أبرمته المستشارة الألمانية انجيلا ميركل مع أنقرة قد زاد من مخاطر بدء موجة جديدة من الاشتباكات. وقال دبلوماسي بارز طلب عدم الكشف عن هويته "عندما تندلع حرب أهلية شاملة هناك يظهر تهديد بانتقالها مباشر للمدن الألمانية." وأضاف "هذا هو الجانب الآخر من اتفاق ميركل بشأن اللاجئين. وهذا يجعل إدارة الأمر أكثر صعوبة."

ويمثل الصراع لغزا لميركل التي قد يعتمد مستقبلها السياسي على وفاء اردوغان بما تعهد به في اتفاق اللاجئين الذي وافقت أنقرة بموجبه على استعادة لاجئين من اليونان في مقابل أموال بالمليارات ودخول بدون تأشيرات دخول للأتراك وتسريع محادثات الانضمام للاتحاد الأوروبي. وواجهت ميركل انتقادات قوية في ألمانيا لإدانتها قصيدة ساخرة تحتوي على إشارات جنسية واضحة عن اردوغان ألقاها مقدم البرامج الساخر يان بويمرمان باعتبارها "إهانة متعمدة" بدلا من أن تدافع عن مبدأ حرية التعبير. بحسب رويترز.

وتعمل برلين على إبقاء تركيا في صفها لكنها من ناحية أخرى تقدم السلاح لقوات أمن كردية عراقية في قتالها مع تنظيم داعش في العراق. والعديد من الساسة الألمان خاصة من الأحزاب اليسارية المتشددة مؤيدون نشطاء للأكراد ذاتهم الذين توعد أردوغان بسحقهم. وتطلب ذلك من ألمانيا محاولة انتهاج موقف متوازن. واستضاف نوربرت لامرت رئيس البرلمان (البوندستاج) وهو عضو في حزب المحافظين الذي تنتمي له ميركل ووزير الخارجية فرانك فالتر شتاينماير صلاح الدين ديميتريس احد زعماء حزب الشعوب الديمقراطي التركي الموالي للأكراد. وكان ديميتريس في برلين لإجراء محادثات في الوقت الذي تقدم فيه الحكومة التركية مسودة اقتراح للبرلمان يرفع الحصانة عن نواب حزبه. وقال الدبلوماسي الألماني "برلين تعلق الكثير على هذا الاتفاق التركي ... لكن الكثير قد لا يسير على ما يرام".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0