يرى متابعون للنزاع السوري أن ايران لعبت كغيرها من الدول الاخرى، دورا مهما واساسيا في هذا الصراع الذي حول البلاد الى ميدان حرب للكثير من الدول والقوى الاقليمية والعالمية، التي تبحث عن تأمين مصالحها السياسية والاقتصادية في هذه المنطقة المهمة، ففي الوقت الذي سعت فيه بعض الدول الخليجية والاقليمية كما تنقل بعض المصادر، الى دعم وتمويل الجماعات المسلحة بمختلف انتماءاتها من اجل الاطاحة بالحكومة السورية سارعت ايران الى الوقوف مع اهم حلفائها ضد هذه المخططات، حيث قدمت إيران دعما كبيرا للحكومة السورية في هذه الحرب، بما في ذلك الدعم اللوجستي والتقني والمالي وتدريب الجيش السوري وإرسال بعض القوات المقاتلة الإيرانية لسوريا، الامر الذي اسهم بقلب موازين القوى في هذه الحرب، وازعج ايضا الخصوم واجبرهم على تغير خططهم وبناء تحالفات جديدة خصوصا بعد تدخل روسيا المباشر في هذه الحرب وتحقيقها انتصارات ملموسة على الأرض ضد تنظيم داعش الإرهابي، في هذه الحرب.

وترى إيران بقاء الحكومة السورية بأنه ضمان لمصالحها لأن سوريا حليفة إيران منذ الثورة الإيرانية عام 1979، وشريك اساسي لدعم حزب الله اللبناني الذي لعب دوراً حاسماً في استعادة بعض المدن السورية المهمة، وبحسب بعض الخبراء فانه من الصعب معرفة الحجم الدقيق للمساعدة المالية والعسكرية التي تقدمها طهران للحكومة السورية.

استدامة الدعم

في هذا الشأن صرح نائب وزير الخارجية الايراني امير عبداللهيان ان ايران ستواصل دعم الحكومة السورية، بينما صوت مجلس الامن الدولي على قرار يدعو الى وقف لاطلاق النار ومفاوضات سلام اعتبارا من مطلع كانون الثاني/يناير. وقال عبداللهيان في تصريحات نقلتها وكالة الانباء الايرانية الرسمية "سنواصل تقديم الدعم لسوريا". وقبل تصويت مجلس الامن الدولي، عقد وزراء خارجية 17 بلدا بينها ايران وروسيا كانوا التقوا مرتين في فيينا من قبل، اجتماعا في نيويورك لدفع المحادثات حول عملية سياسية لانهاء الازمة السورية، قدما.

ولا يشير القرار الذي تم تبنيه الجمعة الى مصير الرئيس السوري بشار الاسد الذي يريد الغربيون، خلافا لروسيا وايران، رحيله بدون تحديد موعد لذلك. وقال وزير الخارجية الاميركي جون كيري من جهته ان الاسد "فقد القدرة والمصداقية اللازمتين لتوحيد بلده وقيادته". وقال عبداللهيان ان وزير الخارجية الايراني محمد جواد "ظريف منع تبني (...) لائحة للمجموعات الارهابية وتقرر في نهاية المطاف ان تعد مجموعة عمل تضم ايران وروسيا والاردن وفرنسا لائحة وتقدمها الى الامم المتحدة". بحسب فرانس برس.

وذكرت وسائل الاعلام الايرانية ان هذه اللائحة التي تقدم بها الاردن كانت تضم حرس الثورة الايراني، ما ادى الى رد فعل حاد من ظريف. واكد امير عبداللهيان "ندعم حوارا بين السوريين وفي هذا الحوار الوطني لا مكان للمجموعات الارهابية". وكرر نائب وزير الخارجية الايراني موقف طهران من دور الاسد. وقال ان "ترشح بشار الاسد (للرئاسة) في نهاية العملية السياسية مرتبط به شخصيا وفي نهاية المطاف يعود الى السوريين تقرير ذلك".

دور الحرس الثوري

الى جانب ذلك كانت العربة التي تقل الضابط الايراني البريجادير جنرال حسين حمداني تمر في منطقة على مشارف حلب عصر يوم الثامن من أكتوبر تشرين الأول عندما أطلق عليها مقاتلو داعش النار. أصيب حمداني برصاصة في عينه اليسري ومات بعد أن فقد السائق السيطرة على العربة. وأصبح حمداني أرفع قائد في الحرس الثوري الايراني يلقى مصرعه في سوريا حتى الان كما أنه أصبح واحدا من عدد متزايد من العسكريين الايرانيين الذين يفقدون حياتهم في الصراع السوري.

وقد وصف ممثل للزعيم الايراني الأعلى آية الله علي خامنئي في الحرس الثوري وقائع مقتل حمداني الذي لعب دورا حيويا في المجهود الحربي الايراني في سوريا كما نشر تفاصيله موقع انتخاب الإخباري في منتصف أكتوبر تشرين الأول. وكان مصرعه حدثا اعتبر بمثابة بداية لتطور جديد في الدور العسكري الايراني في سوريا التي يعتقد خبراء أن طهران أرسلت إليها ما يصل إلى 3000 جندي.

وتوضح حصيلة تم جمعها من مواقع ايرانية أن ما يقرب من 100 مقاتل أو مستشار عسكري من الحرس الثوري من بينهم أربعة على الأقل من كبار القادة قتلوا في سوريا منذ أوائل أكتوبر تشرين الأول. وقد اجتذبت الحرب السورية قوى متباينة. فقد تحالفت ايران مع روسيا لدعم الرئيس بشار الأسد بينما أيدت السعودية وتركيا وقطر فصائل المعارضة. وتشن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا غارات في سوريا تستهدف في الأساس تنظيم داعش الذي يسيطر على مساحات واسعة من الأراضي السورية والعراقية. وأدى الصراع إلى اشتداد حدة التوتر الطائفي في مختلف أرجاء المنطقة.

وذكرت تقارير أن غارة جوية اسرائيلية أسفرت عن مقتل أحد قادة حزب الله في دمشق في أحدث هجوم من جانب القوات الاسرائيلية على الجماعة التي تدعمها ايران في سوريا. وفي حين وافق مجلس الأمن التابع للامم المتحدة على قرار يدعم خططا لبدء عملية سلام في سوريا لاتزال العقبات التي تقف في طريق إنهاء الحرب كبيرة في ظل عجز أي طرف عن تحقيق نصر عسكري حاسم.

ويعد مقتل أفراد في الحرس الثوري مؤشرا على تزايد الدور الايراني في القتال الدائر في سوريا والثمن الفادح الذي يدفعه جنود الحرس لدعم الجيش السوري الذي يعاني تحت وطأة حرب مستمرة منذ ما يقرب من خمس سنوات. وقال هلال خشان أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في بيروت "زاد الايرانيون نطاق مشاركتهم العسكرية المباشرة في الصراع في الغالب للتعويض عن الاستنزاف الشديد بين وحدات الجيش السوري."

واضطر الجيش السوري في الآونة الأخيرة للعب دور ثانوي بينما اضطلعت ايران والقوات المتحالفة معها بالدور القيادي في الحرب على داعش. وتم توقيت زيادة المشاركة الايرانية في الصراع خاصة في القتال من أجل السيطرة على مدينة حلب بالتنسيق مع بدء حملة القصف الجوي الروسية في أواخر سبتمبر ايلول الماضي. وقد أبدى الايرانيون التزامهم بالجهد الجديد والعمليات المنسقة على الارض وذلك بارسال قادة كبار مثل حمداني.

وسمح تدفق القوات الايرانية واقترانها بالدعم الجوي الروسي للجيش السوري بكسر حصار قاعدة "كويريس" الجوية في محافظة حلب في أوائل نوفمبر تشرين الثاني. وفي حين أن حمداني استهدفه تنظيم داعش فقد لقي معظم من مات من قادة الحرس الثوري في الاونة الأخيرة مصرعهم في القتال. وقال رامي عبد الرحمن مدير المرصد السوري لحقوق الانسان الذي يرصد تطورات الحرب عن قتلى ايران إنهم "قتلوا في الاشتباكات".

وهذا ليس بالتطور الجديد بالنسبة لايران إذ أن قادة الحرس كانوا يزورون القوات على الخطوط الأمامية بانتظام خلال الحرب الايرانية العراقية في الثمانينات. وكانت تلك الزيارات وسيلة لرفع المعنويات وإظهار الترابط والتلاحم بين القادة والجنود العاديين. وقال محسن سازجارا الذي شارك في تأسيس الحرس الثوري وأصبح الآن منشقا يعيش في الولايات المتحدة "خلال الحرب الايرانية العراقية كان الوضع هو نفسه فكان ضباط كبار من الحرس الثوري يتوجهون للخطوط الأمامية وكانوا يقتلون في بعض الأحيان."

من بين القادة الذين عمدوا إلى زيارة الخطوط الأمامية في سوريا قاسم سليماني قائد فيلق القدس المكلف بتنفيذ مهام الحرس خارج الحدود الايرانية. وفي الشهر الماضي قالت جماعة معارضة ايرانية إن سليماني أصيب بجروح في اشتباكات بالقرب من حلب وذلك رغم أن وسائل الإعلام الايرانية نقلت فيما بعد عنه قوله إنه لم يصب بسوء. والايرانيون الذين يلقون حتفهم في سوريا الآن ليسوا من فيلق القدس وحده. فمنذ شهور يرسل الحرس الثوري أفرادا من مقاتليه العاديين ليس لهم أي خبرة بالقتال خارج حدود بلادهم وذلك للمشاركة في الحرب الدائرة في سوريا. ونتيجة لذلك اضطرت مؤسسة الحرس للتكيف مع التطورات.

وقال علي الفونة الباحث الزميل بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات والخبير في شؤون الحرس الثوري "الحرس الثوري يغير نتيجة الحرب في سوريا لكن الحرب في سوريا تعمل أيضا على تغيير طبيعة الحرس الثوري." وأضاف أن "عواقب الحرب في سوريا على الحرس الثوري ضخمة. ففيلق القدس اعتاد أن يكون جزءا صغيرا جدا من الحرس الثوري. وأنتم تشهدون الآن تحول الحرس الثوري إلى فيلق قدس كبير."

وفي الوقت الحالي لا يبدو أن العدد الكبير من الوفيات في فترة قصيرة نسبيا قلل التزام الحرس الثوري بالصراع في سوريا. وقال خشان "باستطاعة ايران أن تحافظ على المستوى الحالي لمشاركتها في سوريا بل وزيادته. والانسحاب في هذه المرحلة المتقدمة في الصراع سيأتي بنتائج عكسية." ورغم من سقطوا من قتلى في الاشتباكات في سوريا فلم يحدث رد فعل معاكس على المستوى الشعبي للمشاركة في الحرب أو للحرس الثوري فيما بين الايرانيين العاديين. ويرجع هذا في جانب كبير منه إلى أن كثيرين تقبلوا إلى حد ما رسالة الحكومة أن تنظيم داعش الذي هدد بشن هجمات في ايران يمثل خطرا وجوديا. بحسب رويترز.

وقال الفونة "لا أحد يريد سفك دماء ايرانية لانقاذ عرش بشار الأسد لكن الجميع يكرهون داعش." وأضاف "الشعب فخور بمشاركة أفراد من أسره في القتال بل وفقد حياتهم في مقاتلة قوة مناهضة لايران ومناهضة للشيعة. وهم يعتقدون عموما أنهم مصيبون في هذا الموقف."

روسيا وايران

في السياق ذاته قالت وزارة الخارجية الروسية إن روسيا لا ترى بقاء بشار الأسد في السلطة مسألة مبدأ في تصريحات تشير إلى خلاف في الرأي بينها وبين إيران الحليف الدولي الرئيسي الآخر للرئيس السوري. ومما أثار تكهنات عن وجود خلافات بين روسيا وايران بشأن الأسد قول رئيس الحرس الثوري الايراني ان طهران ربما تكون أكثر التزاما بمساندته من روسيا وأضاف ان موسكو "ربما لا تهتم بما إذا كان الأسد سيبقى في السلطة بقدر اهتمامنا."

لكن مسؤلا اقليميا كبيرا حذر من تحميل التصريحات العلنية عن الأسد أكثر من معناها قائلا إنه لا يوجد اختلاف بين روسيا وإيران بشأن الرئيس السوري. وقال إن البلدين يتفقان على بقائه في المنصب وأن الشعب السوري هو من يملك حق اختيار الرئيس. وقد كانت روسيا وايران أقوى الداعمين الأجانب للأسد أثناء الحرب المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات لكن الولايات المتحدة وحلفاءها الخليجيين وتركيا يصرون على ضرورة تنحي الرئيسي السوري في إطار أي اتفاق سلام في نهاية المطاف.

وفشلت المحادثات التي عقدت في فيينا والتي ضمت لاعبين أجانب رئيسيين شاركوا في الجهود الدبلوماسية بشأن سوريا في التوصل الى اتفاق بشأن الأسد. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا حينما سألها صحفي هل إنقاذ الأسد مسألة مبدأ بالنسبة لروسيا "لا على الإطلاق لم نقل ذلك أبدا." ونقلت وكالة الإعلام الروسية عنها قولها "نحن لا نقول إن الأسد يجب أن يرحل أو يبقى." لكنها اضافت إن تغيير نظام آخر في الشرق الاوسط قد يكون كارثة "تحول المنطقة كلها إلى حفرة سوداء كبيرة". وقالت زاخاروفا ان روسيا لم تغير سياستها بشان الأسد وان مصيره يجب ان يحدده الشعب السوري.

لكن تصريحاتها بدا أنها تشير إلى خلافات في النهج بالمقارنة مع إيران ونقلت وكالة تسنيم للانباء عن رئيس الحرس الثوري الإيراني الميجر جنرال محمد علي جعفري قوله إن روسيا "ربما لا تهتم إن كان الأسد سيبقى في السلطة بقدر اهتمامنا". لكنه استدرك بقوله "نحن لا نعرف أي شخص أفضل يحل محله". ومع ذلك فإن المسؤول الإقليمي الكبير وهو على دراية بالاتصالات الدبلوماسية الخاصة بسوريا قلل من شأن أي مؤشرات عن وجود شقاق قائلا "انسوا ذلك لا يوجد خلاف روسي إيراني بشأن مسألة الأسد."

ورفض نائب وزير خارجية سوريا فكرة الفترة الانتقالية التي تسعى إليها دول غربية تريد رحيل الأسد من السلطة قائلا اثناء زيارة لإيران انه يجري بحث تشكيل حكومة موسعة. وقال نائب وزير الخارجية فيصل المقداد "نتحدث عن حوار وطني في سوريا وحكومة موسعة وعملية دستورية ولا نتحدث نهائيا عما يسمى بفترة انتقالية" مضيفا ان هذه الفكرة موجودة فقط "في أذهان من لا يعيشون على أرض الواقع."

إسرائيل تراقب

من جانبها تعتقد المخابرات الإسرائيلية أن نحو 55 عسكريا إيرانيا قتلوا في الحرب الأهلية في سوريا وقالت مؤسسة بحثية مقربة من أجهزة المخابرات الإسرائيلية إن سقوط القتلى يقوض الدعم بين الإيرانيين لتدخل بلادهم في سوريا. ومع دعم القوات الروسية للأسد حاليا نشرت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية تقارير دون ذكر مصدرها تعرض المحور الذي يضم موسكو وإيران وحزب الله والجيش السوري على أنه يعاني من ضعف التنسيق والخسائر في ساحات المعارك. وقال ضابط كبير بالجيش الإسرائيلي نقلا عن معلومات للمخابرات الإسرائيلية إن "أكثر من 55" عسكريا إيرانيا قتلوا في اشتباكات مع المعارضة السورية المسلحة فضلا عن قتلى جماعة حزب الله الذين قدر عددهم بما يتراوح بين 1000 و2000 .

وقال مركز المعلومات حول الاستخبارات والإرهاب مئير عميت الإسرائيلي في تقرير إن 53 إيرانيا بينهم قوات من النخبة وضباط كبار قتلوا في سوريا حتى 15 من نوفمبر تشرين الثاني. وأضاف المركز إنه يبدو أن المواطنين الإيرانيين يشككون بشكل متزايد في الحكمة من أعمال بلادهم في سوريا. وتابع المركز يقول إن هذا دفع طهران للتأكيد على أهمية حماية المراقد الشيعية هناك من المقاتلين السنة ودعم الأسد كحليف استراتيجي.

وقال في التقرير الذي جاء في 54 صفحة "بل إن هناك مطالب بالتحقيق في تزايد الخسائر، فيما يشير إلى أن المواطنين الإيرانيين ينظرون بتشكك عميق إلى الزعم الإيراني الرسمي بأن الوجود الإيراني في سوريا يضم فقط مستشارين وأن القوات الإيرانية لا تشارك بشكل نشط في القتال البري."

وكان حسين سلامي نائب قائد الحرس الثوري الإيراني قد سعى للتهوين من شأن الخسائر في صفوف القوات. وقال للتلفزيون الرسمي الإيراني "من أجل تقديم مشورة فعالة، يتعين على مستشاري الحرس الثوري زيارة خطوط الجبهة في سوريا للإطلاع على واقع ساحات المعارك." وأضاف "كيف يتسنى لهم مساعدة الجيش السوري بفاعلية وهم جالسون في غرفة؟ عدد القتلى الإيرانيين ليس كبيرا." بحسب رويترز.

وقال مصدر أمني إقليمي طلب عدم الكشف عن اسمه أو جنسيته إن القوة الإيرانية التي نشرت في سوريا بلغت في ذروتها 1800 فرد لكن العدد تقلص لاحقا إلى 1300 . وأضاف المصدر الذي رفض الكشف عن مصدر معلوماته أن الرئيس حسن روحاني دعا إلى خفض العدد الحالي إلى النصف لكنه يواجه معارضة من المتشددين في الحرس الثوري.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0