الحرب الانتخابية في تركيا التي دعا إليه الرئيس رجب طيب أردوغان في آب/أغسطس بعد فشل المحادثات في التوصل إلى تشكيل حكومة ائتلافية، دخلت وبحسب بعض المراقبين مرحلة مهمة وحساسة، فمع اقتراب الاقتراع التشريعي الثاني في خمسة اشهر يرى البعض ان تركيا التي تعيش في اجواء من التوتر والصراع السياسي ناتجة عن تفجيرات نفذها جهاديون وتجدد النزاع الكردي ومخاوف من النزعة التسلطية للحكم بقيادة اردوغان الذي يواجه تحديا مصيريا، ربما سيدخل تركيا مشكلات وازمات جديدة خصوصا مع تفاقم واتساع الخلاف السياسي، التي ازدادت بشكل كبير في الفترة الاخيرة بسبب تحركات الرئيس التركي الانتقامية ضد المعارضين والمنتقدين لسياسة الرئيس وحزب العدالة والتنمية والتي اثارت العديد من ردود الافعال الغاضبة، وهو ما قد يدخل تركيا في دوامة العنف وعدم الاستقرار، حيث يجد الرئيس وبحسب بعض المصادر نفسه امام تحد مصيري بعد ان هيمن بلا منازع على تركيا طيلة ثلاث عشرة سنة الامر الذي اجبره على اتخاذ خطوات وخطط جديدة من اجل استعادة السيطرة والنفوذ، وهو ما اثار المخاوف لدى العديد من الاحزاب والجهات التي تتهم اردوغان بالدكتاتورية والتفرد والسعي الى اثارة الفتن وخلق الازمات التي دمرت البلاد في سبيل تحقيق مصالحة الشخصية.

وتتوقع استطلاعات الرأي ان يحصل حزب العدالة والتنمية على 40 الى 43% من نوايا التصويت وهي نتيجة غير كافية ليحكم بمفرده، بل قد يضطر مرة اخرى لمحاولة تشكيل حكومة ائتلافية. وجرت في الاسبوعين الاخيرين ثاني حملة انتخابية هذا العام في اجواء توتر مع تنامي اعمال العنف بشكل ملفت. فمنذ الصيف، استؤنف النزاع المسلح المستمر منذ 1984 بين حزب العمال الكردستاني وقوات الامن التركية في جنوب شرق البلاد المأهول بغالبية كردية، وتم دفن عملية السلام الهشة التي بدأت قبل ثلاث سنوات. ووصلت الحرب الدائرة منذ اربع سنوات في سوريا الى الاراضي التركية. فبعد اعتداء سوروتش (جنوب) في تموز/يوليو، نفذ ناشطان من تنظيم داعش هجوما انتحاريا، يعد الاكثر دموية في تاريخ تركيا، اسفر عن سقوط العشرات من القتلى والجرحى اثناء تظاهرة مناصرة للأكراد في قلب العاصمة انقرة.

وتندد المعارضة بتعاطف السلطة مع تنظيم داعش وانحرافها نحو الاستبداد. وقال زعيم حزب الشعب الجمهوري (اشتراكي ديمقراطي) كمال كيليتشدار اوغلو في ازمير (غرب) "يريد البعض اعادة السلطنة في هذا البلد، لا تسمحوا لهم"، مضيفا "اعطوني اربع سنوات من السلطة وسترون كيف يمكن ان تحكم البلاد بدون فساد وبدون تبذير". وفي هذا المناخ من الاستقطاب الشديد، يشكك المحللون السياسيون بخروج محادثات جديدة لتشكيل ائتلاف بنتيجة، ويتوقعون في حال الفشل اجراء اقتراع جديد في الربيع المقبل. وحذر اوزغور اونلوحصارتشيكلي من مركز "جرمان مارشال فاند" للابحاث في انقرة من ان "الناخبين تعبوا من الانتخابات"، و"الحزب الذي سيجر البلاد الى انتخابات ثالثة سيعاقبونه بقسوة".

وعبرت بعثة المراقبين التابعة لمنظمة الامن والتعاون في اوروبا في تقرير عن قلقها مشيرة الى "ان الظروف السيئة خصوصا في المناطق التي اعلن فيها نظام حظر تجول اساءت الى حرية الحملة الى حد كبير". واعلنت قيادات الاحزاب الرئيسية تعبئة مئات الاف الناشطين للتحقق من عدم حصول اي عمليات تزوير في الانتخابات. ويبلغ عدد الناخبين المسجلين في تركيا 54 مليونا، ولكن مراقبين يرون إن الإعياء الانتخابي أصاب الكثيرين.

أردوغان يربح الرهان بإستراتيجية "التخويف"

يرى مراقبون أن الناخب التركي صوت تحت التهديد، وأن اختياره لم يكن انطلاقا من قناعة، وإنما بسبب الخوف من خطر "الإرهاب والانقسام"، علما أن أردوغان وحزبه خاضا الحملة الانتخابية بشعار "أنا أو الفوضى". بحسب فرانس برس.

تمكن حزب "العدالة والتنمية" التركي من استعادة الأغلبية المطلقة في البرلمان إثر انتخابات تشريعية مبكرة جاءت نتائجها مخالفة تماما لغالبية استطلاعات الرأي، ما سيمكن حزب الرئيس رجب طيب أردوغان من تشكيل حكومة بمفرده دون حاجته للدخول في تحالفات مع أحزاب أخرى، وحسب نتائج غير رسمية أعلنتها وسائل إعلام محلية، حصل الحزب الإسلامي على 49.4 بالمئة من الأصوات، ليستحوذ على 316 مقعدا في البرلمان التركي من مجموع 550.

وتلقت المعارضة ومعها حزب "الشعوب الديمقراطي" المقرب من الأكراد صفعة قوية، لتعيب على الرئيس التركي انتهاجه لنوع من سياسة التخويف بشعار "أنا أو الفوضى"، وذلك لدفع الناخبين إلى التصويت لفائدة حزبه.

الأكيد أن أردوغان ربح رهانه بعد أن دعا بالكثير من الثقة بالنفس إلى إجراء انتخابات مبكرة جراء نتائج الانتخابات السابقة التي لم تمنح حزبه الأغلبية، حيث وجد نفسه مجبرا للتشاور مع أحزاب أخرى لتشكيل حكومة ائتلافية، لكن مقابل ذلك يرى مراقبون أنه زج بالبلاد في حرب يجهل إلى ما يمكن أن تؤدي إليه في المستقبل.

ويرى متتبعون أن أردوغان سيغير من إستراتيجيته التي اتخذها خلال الحملة الانتخابية تحت شعار "أنا أوالفوضى"، وسيتحدث بدءا من الآن بنبرة مغايرة تحمل إشارات السلام والاستقرار كما جاء في كلمته عندما أعلن أن الشعب التركي "برهن على إرادة قوية في وحدة وسلامة أراضي" تركيا، تعليقا منه على نتائج الانتخابات.

ومن جهته، دعا رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو في كلمته التي أعقبت الإعلان عن النتائج إلى "الوحدة" في بلد يشهد انقساما وقلقا. وتضمنت هذه الكلمة إشارات إلى "الحب" و"الحوار" بنبرة يفهم منها أنها دعوة حكومية للتهدئة في صراع السلطة مع الأكراد.

قال المحلل السياسي نوفل إبراهيمي الميلي في تصريح لفرانس 24، إن تصويت الكثير من الناخبين لصالح حزب "العدالة والتنمية" كان بدافع الخوف، موضحا أنه ساد شعور "بالخوف من خطر الإرهاب والانقسام بسبب الأزمة الكردية" في أوساط الأتراك، واعتبر إبراهيمي الميلي أن "إستراتيجية أنا أو الفوضى" التي انتهجها أردوغان في الحملة الانتخابية "كانت ناجحة"، مشيرا إلى أن الإستراتيجية نفسها استخدمت من قبل زعماء آخرين، كما حصل مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أو الرئيس الفرنسي السابق شارل دي غول".

ويؤكد الميلي أن أردوغان لجأ إلى "الابتزاز السياسي للناخبين الذين صوتوا تحت التهديد ولم يكن اختيارهم نابع من قناعة، بل كان أكثر من خوف من المستقبل"، وفوز "العدالة والتنمية" في هذه الانتخابات لربما أعفى البلاد من مشاكل أخرى في حال خسارته، وقال إبراهيمي الميلي أن أردوغان كان بإمكانه إلغاء الانتخابات لو مني حزبه بهزيمة.

ويرى المحلل السياسي أنه لا يمكن اليوم تصور تركيا بدون "العدالة والتنمية" لنجاحه في "التجذر في مفاصل القطاعات الكبرى للدولة بينها الاقتصاد"، كما أن الحزب نجح في "إعادة العسكر إلى الثكنات وإبعاده عن السياسة"، ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية تغريدة للمحلل السياسي سونير كاغابتاي نشرها على "تويتر"، كتب فيها أن الذي ساعد في فوز أردوغان هو "الخوف من زعزعة الاستقرار في تركيا، إضافة إلى إستراتيجية أردوغان الذي قدم نفسه على أنه "الرجل القوي القادر على ضمان الحماية".

في حي نيسانتاشي الراقي في إسطنبول، لم تهضم غونر سوغانشي (26 عاما) فوز "العدالة والتنمية" في هذه الانتخابات، وقالت في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية: "لا أريد الاستمرار في العيش في هذا البلد لأنني لا أعرف ما ينتظرنا"، وأضافت هذه الشابة، التي تشتغل نادلة، أن الشعب التركي" فوت فرصة فريدة للتخلص من ديكتاتورية أردوغان" على حد تعبيرها، مقابل استياء خصوم أردوغان من هذه النتيجة، عبر أنصاره عن ارتياح كبير بالفوز، وقال ياسين أكتاي لوكالة الأنباء الفرنسية وسط جموع من الأنصار المحتفلة بالنتيجة: "إن رجب طيب أردوغان أصبح زعيما عالميا".

اقصاء الخصوم

في هذا الشأن فقد تحفظت السلطات التركية على 22 شركة منها صحيفتان ومحطتا تلفزيون مرتبطة برجل الدين التركي فتح الله كولن المقيم في الولايات المتحدة والعدو اللدود للرئيس رجب طيب اردوغان في تكثيف لحملة تقودها الحكومة قبل أيام من الانتخابات. وتوجه الشركات ووسائل الإعلام التي وضعت تحت الحراسة انتقادات لإردوغان وتتهمه بالاتجاه الى السلطوية على نحو متزايد قبل الانتخابات البرلمانية المقررة.

وأكد حقان يلدز محامي الشركة الأم كوزا ايبك القابضة تعرض كل شركات المجموعة وعددها 22 لحملة مداهمات وأن الحكومة عينت حراسا على إداراتها. وذكرت وكالة أنباء الأناضول الرسمية أن الشرطة ألقت القبض على 19 شخصا فيما يتصل بالتحقيق لكن لم يتسن على الفور التأكد من صحة ذلك. وقاد إردوغان حملة صارمة ضد أتباع كولن رجل الدين الذي يتمتع بنفوذ وحليفه السابق بعدما فتح رجال شرطة ومحققون يعتبرون متعاطفين مع كولن (74 عاما) تحقيقات فساد في 2013 شملت أعضاء بالدائرة الداخلية للرئيس التركي.

ويطالب ممثل ادعاء بسجن كولن 34 عاما بتهمة إدارة كيان "مواز" داخل مؤسسات الدولة سعى للإطاحة بإردوغان الذي يقود دفة الحكم منذ 2003 كرئيس للوزراء ثم كرئيس للبلاد. وبدأ الادعاء الشهر الماضي التحقيق في مزاعم بأن كوزا ايبك ووحداتها دفعت أموال لكولن. ونفى مسؤولون في الشركة ارتكاب أي مخالفات. وهوت أسهم شركات كوزا ايبك بعد نشر نبأ المداهمات حيث هبطت أسعار أسهم شركات التعدين كوزا ألتن 11.7 في المئة وكوزا مادنجيليك 12.3 في المئة وإيباك إنرجي 9.35 في المئة.

وصبغت صحيفتا بوجان وميليت التابعتين لمجموعة كوزا كامل صفحتيهما الرئيسيتين في عدد الثلاثاء باللون الأسود وعليهما عبارة "يوم أسود لديمقراطيتنا ولحريتنا ولتركيا." وقال ديجر اوزرجون رئيس تحرير صحيفة ميليت إن التحفظ على شركة إعلامية بهذه التهم محظور وفقا للدستور ولم يحدث من قبل. وفي تصريح له على محطة إن.تي.في التلفزيونية قال كمال كليجدار اوغلو الزعيم التركي المعارض إن الخطوة التي اتخذتها الحكومة ضد كوزا ايبك تظهر "أن بمقدورهم الاستيلاء على ممتلكاتنا في أي وقت... يعني هذا أن الديمقراطية والقانون معلقان."

ويقول أعضاء حركة خدمة التي يتزعمها كولن إنهم ضحايا حملة ظالمة تشمل حرمان قنوات فضائية مرتبطة برجل الدين من البث على القمر الصناعي واعتقال رؤساء تحرير صحف والتحفظ في وقت سابق من العام الجاري على بنك اسيا الإسلامي. وكان روبرت امستردام الشريك المؤسس بشركة امستردام اند بارتنرز إل.إل.بي في لندن قال إن الحكومة التركية تعاقدت مع شركته "لكشف الممارسات غير القانونية المزعومة لشبكة كولن على مستوى العالم."

من جانب اخر دعا الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الاقلية الكردية الى عدم دعم حزب الشعوب الديموقراطي (موالي للاكراد) في الانتخابات التشريعية متهما هذا الحزب بالتواطوء مع المتمردين الاكراد. وقال اردوغان في خطاب القاه امام نواب محليين في انقرة "ادعو شعب كل المنطقة. واقول اذا لم تلقنوا في الاول من تشرين الثاني/نوفمبر كل الذين يعتمدون على هذه المنظمة الارهابية (حزب العمال الكردستاني) متى ستقومون بذلك؟". واضاف "لديهم الوقاحة للتحدث عن السلام (...) بالنسبة اليهم السلام يعني سفك الدماء" متهما حزب الشعوب الديموقراطي من دون ان يسميه. بحسب رويترز.

ومنذ اسابيع يتهم اردوغان هذا الحزب ب"التواطوء" مع حزب العمال الكردستاني الذي استأنف في تموز/يوليو تنفيذ هجمات ضد قوات الامن التركية. وقتل اكثر من 150 شرطيا او جنديا في هذه العمليات التي رد عليها الجيش التركي بقصف حزب العمال الكردستاني في قواعده الخلفية في شمال العراق. وتوعد اردوغان بمواصلة القصف بعد الاقتراع "طالما لم تدفن المنظمة الارهابية السلاح وتنسحب من تركيا". واكد ان "هذه العمليات ستستمر ضد كل المنظمات الارهابية بعد الانتخابات" مشيرا الى حزب العمال وتنظيم داعش واليسار المتطرف التركي. وتعتبر السلطات التركية تنظيم داعش "المشتبه به رقم واحد" بعد العملية الانتحارية التي اوقعت 102 قتلى واكثر من 500 جريح في العاشر من تشرين الاول/اكتوبر خلال تجمع لناشطين من اليسار ومؤيدين للقضية الكردية في انقرة.

اتهامات متبادلة

من جانب اخر كثفت المعارضة التركية المؤدية للأكراد حملتها ضد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي تتهمه بالوقوف وراء اعتداء انقرة الاكثر دموية في تاريخ البلاد، وكتب زعيم حزب الشعوب الديموقراطي المؤيد للاكراد صلاح الدين دميرتاش على تويتر "الدولة هاجمت الشعب والتعازي يجب ان توجه الى الشعب التركي وليس الى اردوغان". وتجمع اكثر من عشرة آلاف شخص في ساحة قريبة من مكان الاعتداء في انقرة تلبية لنداء الحركات التي دعت الى "المسيرة من اجل السلام".

وردد المتظاهرون هتافات انتقدوا فيها اردوغان وحكومته اللذين تعمدا عدم ضمان امن التجمع بحسب المعارضة. وهتف المتظاهرون الذين احاطت بهم قوات الامن "اردوغان قاتل" و"الدولة ستدفع الثمن". وصرح دميرتاش "قلوبنا تدمى لكننا لن نتحرك بدافع الانتقام او الحقد". ودعا دميرتاش المعارضين الى المشاركة في الانتخابات التشريعية المبكرة وقال "نحن بانتظار موعد الاقتراع "لاننا سنبدا العمل لاطاحة الدكتاتور". ومنذ اسابيع تصاعد التوتر بين السلطة وحزب الشعوب الديمقراطي واججته رهانات الانتخابات واعمال العنف في جنوب شرق البلاد حيث الغالبية الكردية.

وبالنسبة للموالين لإردوغان وحزب العدالة والتنمية ذي الجذور الاسلامية الذي أسسه كان التفجيران مؤامرة جديدة من جانب قوى تلقى دعما من الخارج لتقويض الدولة التركية وإلحاق الضرر بمكانتها في الشرق الأوسط. ويرى المقربون من إردوغان في الهجوم محاولة محسوبة لإضعافه وقال مسؤول حكومي كبير دون الخوض في التفاصيل "هذا الهجوم شنه من يريدون إخراج تركيا وإردوغان مع حزب العدالة والتنمية من المعادلة في الشرق الأوسط. لابد أن منظمات استخباراتية لها نفوذ في المنطقة قدمت الدعم." ولدى خصوم إردوغان نظريات مماثلة عن مؤامرات محبوكة.

وقال بيكولي من شركة تينيو "كثيرون في تركيا سيشكون أن قوى سرية مؤيدة للحكومة ربما كانت متواطئة بشكل أو بآخر ... في إطار ‘استراتيجية توتر‘ تهدف لتخويف الناخبين من أجل دعم برنامج إردوغان القائم على إعطاء الأولوية للقانون والنظام والأمن." وفي بيان صدر عن مكتبه ندد إردوغان بالتفجيرين ودعا إلى "التضامن كأبلغ رد على الإرهاب" ورفض المسؤولون أي تلميح إلى انه ليس مسيطرا على الوضع.

وقال مسؤول كبير في حزب العدالة والتنمية "تحميل حزب العدالة والتنمية أو إردوغان أو الحكومة المسؤولية عما حدث كلام فارغ. فإردوغان والحكومة يدركان مسؤوليتهما. وهما يركزان على بذل الجهد الضروري. والباقي لا أهمية له." والأثر النفسي لهجوم مدمر بهذه الضخامة في قلب العاصمة أمر جلي.

وقالت مدرسة تدعى سيلين (32 عاما) وهي تشارك في احتجاج مناهض للحكومة في أنقره "كيف يمكن لقنبلة كبيرة كهذه أن تنفجر في وسط عاصمة هذا البلد؟" وأضافت "لابد أن جهاز المخابرات والشرطة ومسؤولي الأمن مشغولون بالعثور على من يرسلون تغريدات تهاجم إردوغان والزج بهم في السجون."

واعتقلت الشرطة رئيس تحرير صحيفة تودايز زمان التي تصدر بالانجليزية بتهمة إهانة إردوغان على موقع تويتر للتدوينات المصغرة. وقال سنان أولغن الباحث الزائر بمركز كارنيجي أوروبا ورئيس مركز إدام للابحاث في اسطنبول إن بعض المتعاطفين مع حزب العدالة والتنمية ربما يتشككون في ولائهم بعد تفجيري أنقره. وقال "الحكومة هي المسؤولة في النهاية عن حماية مواطنيها وهذه المسؤولية لا يمكن استبعادها. حدث فشل أمني واستخباراتي هنا. وهذا لا يمكنك أن تخفيه."

لكنه أضاف أن الاثر سيكون بسيطا على الأرجح على نوايا التصويت لدى الناخبين الذين تفصل بينهم انقسامات مترسخة. وهذا يعني أن حزب العدالة والتنمية في رأي معظم المحللين سيفشل في استعادة الأغلبية التي فقدها في انتخابات يونيو حزيران الماضي بعد أن ظل يحكم البلاد وحده دون شريك لأكثر من عشر سنوات. وكانت تلك النتيجة لطمة مباشرة لآمال إردوغان في جعل الرئاسة في تركيا تنفيذية ذات سلطات أكبر وهو الأمر الذي يتوقف على هيمنة الحزب الذي أسسه على البرلمان.

ومن المؤكد أن ضمان الامن في الانتخابات سيصبح أكثر إلحاحا الآن. وتركزت المخاوف على جنوب شرق البلاد حيث يكثر الأكراد وحيث تجدد الصراع بين قوات الأمن ومتشددي حزب العمال الكردستاني في الشهور الأخيرة. فعشية الانتخابات السابقة لقي أربعة أشخاص مصرعهم في مدينة ديار بكر عندما انفجرت قنبلة في لقاء جماهيري ضمن الحملة الانتخابية لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد كما سقط 34 قتيلا في تفجير انتحاري في يوليو تموز في مدينة سوروج قرب الحدود السورية وكان أغلبهم من النشطاء الشبان المؤيدين للأكراد. بحسب رويترز.

ويحرص حزب الشعوب الديمقراطي أيضا على استمرار الانتخابات لتعزيز تمثيله النيابي بعد أن دخل البرلمان للمرة الأولى في انتخابات يونيو حزيران وذلك بتجاوز قاعدة ناخبيه التي تتركز بين الأكراد واستمالة خصوم إردوغان خاصة من التيار اليساري. ورغم أن الانتخابات ستسفر على الأرجح عن برلمان معلق لا يفوز فيه حزب بالأغلبية فإن أنصار إردوغان يعتقدون أن طول فترة عدم الاستقرار قد يدفع الناخبين للحنين للعودة إلى حكم الحزب الواحد.

والخطر قائم أن تنزلق تركيا عضو حلف شمال الأطلسي والمرشحة لعضوية الاتحاد الاوروبي إلى نوع من الصراع الطائفي العرقي يشبه ما مزق العراق وسوريا من صراع ويرى بعض المحللين المنزعجين أن تركيا بدأت تشبه الدولتين في بعض الجوانب. ويقول المحلل المخضرم جنكيز جاندار "ثمة عدم ارتياح وتوافق بين كثير من الناس على أن تركيا تمزق نفسها بنفسها شيئا فشيئا. بدأنا نصبح على نحو متزايد أشبه بسوريا ونتحول أكثر إلى بلد شرق أوسطي أقرب منه إلى بلد أوروبي".

ويرفض المسؤولون الأتراك هذه التشبيهات ويقولون إن تركيا دولة مستقرة وإنها ليست وحدها التي تشعر بالنيران المتأججة في سوريا بل إن الاتحاد الاوروبي يعاني أيضا. وحتى عام 2013 كانت تركيا من أعمدة الاستقرار تربطها صلات قوية بالغرب ولها نفوذ في الشرق الأوسط الذي يمر بفترة تحولات مؤلمة.

ويريد إردوغان مواصلة السعي لتنفيذ خططه من أجل تغيير النظام إلى نظام رئاسي على غرار النظام الفرنسي. وقال جاندار المتخصص أيضا في الشؤون الكردية "ما نشهده الآن هو نتاج حسابات إردوغان لإبطال نتيجة انتخابات السابع من يونيو حزيران باستئناف القتال مع حزب العمال الكردستاني والأكراد." وأضاف "فقد اعتمد على أن حزب العمال الكردستاني سيرد. وقد رد بالفعل".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0