في ظل استمرار الغارات الجوية والحصار المفروض من قبل قوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، تتفاقم الأزمة الانسانية في اليمن هذا البلد الفقير الذي اصبح يعاني الكثير من المشكلات بسبب النقص الحاد في واردات الأغذية والوقود والامدادات الطبية وانتشار الامراض، تقول الأمم المتحدة إن أكثر من 80% من سكان اليمن البالغ عددهم 25 مليون نسمة يحتاجون نوعا من المساعدة الطارئة. وما يزيد الوضع سوءًا، وكما تنقل بعض المصادر تكرار تجاهل أطراف النزاع وخصوصا قوات التحالف العربي لمبادئ القانون الدولي الإنساني الذي يُلزم القوات العسكرية والمجموعات المُسلّحة بتسهيل إيصال مواد الإغاثة الإنسانية، واحترام الحياد الطبي بما يكفل تقديم العلاج الطبي إلى كل من يحتاجه. حيث اكدت بعض التقارير على الغارات الجوية والهجمات على البنية التحتية المدنية يمثل انتهاكا لقوانين الحرب.

وبحسب المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد، فان الأوضاع الإنسانية في اليمن لم تعد تحتمل، مؤكدا ضرورة وقف نهائي لإطلاق النار. وشدد المبعوث على أن الوقت قد حان لوقف كلي لإطلاق النار خاصة وأن الهدنة الأولى لم تنجح والشعب اليمني في حاجة إلى وقف نار نهائي تخلصه من المعاناة التي يعيشها والأزمة الإنسانية بسبب هذه الأزمة.

من جانب اخر اعلن برنامج الاغذية العالمي التابع للامم المتحدة ان الازمة في اليمن وضعت البلد الفقير على شفا المجاعة. وقالت رئيسة البرنامج ارثارين كازين "كل المؤشرات التي تقودنا الى تعريف واضح للمجاعة تتطور بالفعل"، ودعت كازين الى دخول عاجل ومنتظم لموظفي الاغاثة التابعين للبرنامج الى مناطق القتال في اليمن. واضافت "اذا لم نستطع تزويد الاسواق بالمواد الغذائية مع التأكد من بقاء الموانئ مفتوحة... اذا لم تكن هناك زيادة في اموال المتبرعين، فسنواجه كارثة في اليمن". وتابعت "ليس في الاسواق المواد الغذائية الضرورية لمواجهة احتياجات عدد كبير من السكان... المجتمع الانساني ليس لديه المال الكافي" لليمن.

وقدر برنامج الاغذية العالمي في تقريره عدد ممن يعانوا من انعدام الامن الغذائي بنحو 13 مليون يمني، بينهم 6 ملايين اعتبرهم يعانون "من انعدام الامن الغذائي الشديد وفي حاجة ماسة لمساعدة خارجية". وقدم البرنامج العالمي طلبا عاجلا للمانحين لتقديم تبرعات قبيل بدء عملية عاجلة في اليمن من المتوقع ان تكلف قرابة 320 مليون دولار. وقالت كوزين في البيان ان "الجيل الجديد في اليمن سيعاني من اضرار ربما لا يمكن التعافي منها اذا لم نقدم للاطفال الغذاء المناسب في الوقت المناسب. لابد من التحرك الآن قبل ان يكون ذلك متأخرا جدا".

أزمة إنسانية متفاقمة

على صعيد متصل قال بيتر مورار رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن اليمن "يتداعى" تحت وطأة أزمة إنسانية متفاقمة بعد أشهر من الحرب كما قالت محققة للأمم المتحدة إن الحصار الذي يفرضه المتحاربون يسبب مجاعة. وطالب مورار بالسماح لموظفي الإغاثة بحرية التحرك لتوصيل المواد الغذائية والماء والدواء لمحتاجيها في حين حث الأطراف المتحاربة على السعي للتوصل لحل. وأضاف في بيان إن "الوضع الإنساني لا يوصف بأقل من أنه كارثي. كل أسرة في اليمن تأثرت بهذا الصراع."

وقال مورار إن القتال العنيف والقيود المفروضة على الاستيراد تعرقل الرعاية الصحية بشكل كبير. وأضاف "لا يمكن إدخال الأدوية ولذلك تتداعى رعاية المرضى. ونقص الوقود يؤدي لعدم عمل الأجهزة. الوضع لا يمكن أن يستمر هكذا. اليمن يتداعى. لابد أن يتسنى إدخال السلع إلى البلاد ونقلها داخلها. هذه مسألة ملحة... الأمر يتطلب فعل ما هو أكثر بكثير."

وقال طارق يساريفيتش المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية إن نحو 25 في المئة من المنشآت الصحية لا تعمل أو تعمل بشكل جزئي. وأضاف أن العاملين في قطاع الصحة هربوا مما أدى إلى حدوث فجوات في توفير الرعاية الطبية الأساسية وإجرء العمليات الجراحية لمصابي الحرب. وقال "نقص الكهرباء والوقود أدى إلى إغلاق وحدات الرعاية المركزة وغرف العمليات في كل المستشفيات تقريبا." بحسب رويترز.

وقالت هلال إلفر مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالحق في الطعام إن 12.9 مليون شخص في اليمن يفتقرون للإمدادات الغذائية الأساسية كما أن 850 ألف طفل يعانون من سوء تغذية حاد. وقالت في بيان إن "الحصار في عدد من المحافظات ومن بينها عدن والضالع ولحج وتعز يمنع وصول مواد غذائية أساسية مثل القمح إلى السكان المدنيين في حين أشارت تقارير إلى استهداف غارات جوية أسواقا محلية وشاحنات تحمل مواد غذائية." وأضافت أن "التجويع المتعمد للمدنيين" في الصراع المسلح ربما يشكل جريمة حرب.

حصار مشدد

من جانب اخر أورد تقرير للبحرية الأمريكية أن التحالف العربي الذي تقوده السعودية ضد جماعة الحوثيين في اليمن يعوق وصول المساعدات جراء الإنذار الذي وجهه إلى السفن التجارية للبقاء بعيدا عن المناطق التي تتعرض للقصف في المعارك. ونبّهت الأمم المتحدة إلى أن اليمن يعاني من إحدى أسوأ أزماته الإنسانية إذ يعوق القتال وما يترتب عنه من إغلاق المطارات والموانئ لفترات طويلة جهود إيصال المساعدات الإغاثية.

وأورد تقرير للبحرية الأمريكية أن سفن التحالف العربي قبالة مرفأ الحديدة اليمني المطل على البحر الأحمر "تبث إنذارا إلى السفن التجارية للبقاء بعيدا عن مناطق العمليات." ونقل التقرير عن مضمون الرسالة قولها "سيسمح فقط للسفن التي لديها أرقام تراخيص وأذون سارية المفعول بدخول منطقة الميناء وسيتم إبعاد كل السفن الأخرى." وأشار التقرير إلى أن الحكومة اليمنية سمحت للسفن بالدخول لكن التحالف يمنع هذا الأمر مما يشير إلى "انقطاع في التواصل" بين الحكومة اليمنية وحلفائها العرب.

غير أن العميد أحمد العسيري المتحدث باسم التحالف نفى إرسال السفن الحربية التابعة لهم أي رسائل تهدف الى إعاقة رسو السفن. وأوضح أن التحالف يطلب من السفن الخضوع لتفتيش سفنه الحربية سعيا لكشف أي محاولات لتهريب الأسلحة إلى جماعة الحوثيين. وأشار إلى وجود الكثير من السفن التي تريد دخول المرفأ من دون إذن مضيفا أنه منذ بدء الحملة العسكرية في مارس آذار أوضح أنه يتعين على جميع السفن الاتصال بقيادة التحالف لتخضع للتفتيش وفقا لإجراءات الاعتراض البحري. وأضاف أن التحالف يطلب من السفن الخضوع لهذه العملية وحينها ستحصل بالتأكيد على الإذن.

ويتعين على السفن المتوجهة إلى اليمن التقدم بطلب إلى الحكومة اليمنية لكن التفتيش تجريه سفن التحالف الحربية. وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك للصحفيين "نود رفع أي حواجز وضعها التحالف وتعوق التوصيل السريع والفعال للسلع الإنسانية والنفط." وأضاف المتحدث "نحث كل من يزيدون الأوضاع تعقيدا أن يجعلوها أقل تعقيدا." وقال إن خطة للأمم المتحدة لتفتيش شحنات الإغاثة لزيادة توصيل المساعدات لم يبدأ بعد تنفيذها بسبب نقص الأموال. بحسب رويترز.

وقالت الأمم المتحدة في وقت سابق إن اليمن لم يتلق سوى واحد في المئة من احتياجاته التجارية الشهرية من الوقود في سبتمبر أيلول وأنه لم تكن هناك أي شحنات منذ وعد الرئيس اليمني الأمم المتحدة بالسماح بشحنات الإغاثة. وقال مسؤولون في ميناء تعليقا على التقرير إن سفينتي شحن دخلتا الميناء إحداهما تنقل الأرز والاسمنت والثانية سيارات. وأشار العسيري إلى أن السفينتين وصلتا في وقت متأخر وتنتظر ثالثة في عرض البحر قريبا وتم تفتيش خمس سفن إضافية وحصلت على إجازة وهي في طريقها حاليا إلى الحديدة.

سوء التغذية وانهيار الخدمات

في السياق ذاته يصارع الرضيع الذي لا يتجاوز عمره ستة شهور للاستمرار على قيد الحياة في مستشفى بالعاصمة صنعاء التي دمرها القصف بعد أن أصيب بمتاعب نتيجة نقص الرعاية الصحية المتخصصة التي كان يحتاجها بمرحلة حرجة في الأسابيع الأولى بعد مولده. ويعاني علي من سوء التغذية الى جانب مضاعفات بسبب عملية ختان فاشلة أجراها له طبيب غير كفء. وتقول والدته وضحة "إنه يموت. تظهر عليه علامات الموت. أريد أن أوجهه إلى القبلة."

ونقل الى المستشفى ودخل وحدة الرعاية المركزة بمستشفى سابين في منطقة حدة في صنعاء حيث تقدم ممرضات الرعاية لأطفال يعانون من سوء تغذية حاد جعل بشرتهم الضامرة تبدو مشدودة على عظام أجسادهم النحيلة. كانت المنطقة الريفية التي تعيش بها أسرة علي وتقع على مسافة ثلاث ساعات من صنعاء واحدة من المناطق التي لم يعد بها عاملون مؤهلون بالقطاع الطبي. وفي غياب المهارة يمكن أن تؤدي المشاكل العادية الى الوفاة.

وقالت وضحة إن مشاكل علي بدأت حين حدث خطأ في عملية ختانه. أخذ ينزف ليوم كامل بعد العملية ثم أصيب بإسهال. وقالت الأم إنه حين وصل الى مستشفى سابين "بدأ يتحسن في اليوم الأول ولكن حالته الآن متدهورة." وحرم تعطل أنشطة الحياة اليومية بسبب الحرب الكثير من اليمنيين من مصادر رزقهم فجردهم على غرار والدي علي من الأموال اللازمة لمساعدة أطفالهم.

وقالت وضحة "كنا مرتاحين قبل الحرب. كنا نزرع" وأضافت "أما الآن الديزل أصبح غاليا ولا يستطيع زوجي توفير ثمن المياه" التي تباع من الآبار التي تعمل بمضخات يتم تشغيلها بالديزل. ومن قبل الحرب كان في اليمن واحد من أعلى معدلات سوء تغذية الأطفال على مستوى العالم وفقا لبرنامج الأغذية العالمي. ويعاني نحو نصف أطفال اليمن دون سن الخامسة من التقزم أي أن أطوالهم لا تتناسب مع أعمارهم نتيجة لسوء التغذية.

ويستورد اليمن 90 في المئة تقريبا من السلع الغذائية الأساسية من الخارج. وقالت وكالة الأمم المتحدة المعنية بتقديم المساعدات الغذائية الطارئة في 30 يوليو تموز إن عدم تمكن التجار من استيراد ما يكفي من الأغذية ونقلها بأمان داخل البلاد أدى الى ارتفاع حاد في الأسعار مما يزيد من معاناة الأشد فقرا والاكثر عرضة للخطر.

وقال صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في 10 يوليو تموز إنه سيزيد من عمليات فحص حالات سوء التغذية فضلا عن زيادة التطعيمات وغيرها من وسائل إنقاذ أرواح ملايين الأطفال اليمنيين المحاصرين في الأزمة. وأضاف أنه تم علاج ما يزيد على 16 الف طفل من سوء التغذية الحاد بينما يتعرض 1.3 مليون طفل في البلاد لخطر سوء التغذية. وقال جوليان هارنيس ممثل يونيسيف في اليمن في بيان "لكن ما يحتاجه اليمن الآن حقا هو عودة السلام وحل أزمة الوقود والطاقة وإعادة الخدمات الصحية العادية." لكن بالنسبة لعلي فإن هذه الخدمات الصحية قد تعود بعد فوات الأوان. حدقت وضحة في وجه ابنها وقالت "مقدمات الموت بدأت تظهر على وجهه."

على صعيد متصل قالت الأمم المتحدة إن نحو 100 مدني قتلوا في الأسبوعين الأخيرين في مدينة تعز بجنوب غرب اليمن حيث يفاقم انهيار خدمات الرعاية الصحية وانتشار حمى الدنج من الوضع الانساني السيء بالفعل. وأصبحت ثالث اكبر مدينة يمنية أحدث جبهة في الحرب المستمرة منذ شهور بين المقاتلين الحوثيين ومؤيدي الحكومة اليمنية التي تمارس عملها من الخارج ويدعمها الغرب والمملكة العربية السعودية.

وفي مارس آذار بدأت السعودية حملة عسكرية على الحوثيين المتحالفين مع طهران للاشتباه في أن إيران تحاول توسيع نفوذها ليمتد إلى شبه الجزيرة العربية. وقالت سيسيل بويي المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الانسان "يساورنا القلق من الزيادة الحادة في عدد القتلى المدنيين في تعز في الأسابيع الأخيرة." وأضافت أن الوضع الانساني الذي "لا يمكن تبريره" يتفاقم بسبب إغلاق المقاتلين المرتبطين بالحوثيين طرق الإمداد الى مدينة تعز.

وقالت "يساورنا القلق ايضا بسبب شبه انهيار نظام الرعاية الصحية في تعز حيث توقف العمل بالمستشفيات العامة الست كلها نتيجة القتال." وأضافت أن هجمات التحالف بقيادة السعودية على ميناء الحديدة وهو مدخل رئيسي للمساعدات والواردات التجارية الى اليمن تعقد جهود الإغاثة. وتقول منظمة الصحة العالمية إن حالات حمى الدنج في تعز زادت من 145 في منتصف اغسطس آب الى 421 حتى 25 من نفس الشهر. وحمى الدنج مرض فيروسي يحمله البعوض ويمكن أن يسبب الوفاة. بحسب رويترز.

وقال المتحدث باسم المنظمة كريستيان ليندميير إنها أرسلت أدوية ضرورية الى تعز. وكانت منظمة الصحة العالمية قد دعت الى وقف إطلاق النار وإنشاء ممر آمن حتى يتسنى الوصول الى 3.2 مليون شخص في تعز يعتبرون معرضين للخطر بسبب القتال والمرض. وأضاف المتحدث "خطر الأمراض المعدية مثل الكوليرا لايزال مرتفعا ايضا خاصة في ظل سوء أوضاع المياه والصرف الصحي في هذه الفترة. ومنذ تصعيد الصراع في اليمن في 26 مارس آذار وثق مراقبو الأمم المتحدة سقوط 6631 مدنيا بين قتيل وجريح منهم 2112 حالة وفاة. وقالت بويي إن الأرقام الحقيقية قد تكون اكبر بكثير.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1