يواجه الاتحاد الأوروبي بحسب بعض الخبراء والمراقبين، العديد من المشاكل والازمات المهمة التي تفاقمت نتيجة بعض المتغيرات والاحداث الاخيرة، وهو ما قد يؤثر سلبا على مستقبل التواصل والتكامل بين قوى الاتحاد الأوروبي، خصوصا بعد ان سعت بعض دول الاتحاد الى اتخاذ قرارات وخطط مخالفة لسياسة واهداف الاتحاد الأوروبي المتفق عليها، خصوصا تلك التي تتعلق بعدم الاستقرار الاقتصادي لمعظم الدول الأعضاء والخلافات المستمرة بخصوص أزمة اللاجئين الهاربين من ويلات الحروب والتي تعد اليوم من اهم واخطر التحديات التي تؤرق القيادات الأوروبية.

هذا بالإضافة الى تلويح بعض الدول بالانفصال وغيرها من التحديات الاخرى. وهو ما قد يسهم وكما تنقل بعض المصادر بحدوث سيناريوهات جديدة قد تصل حد تلاشي البنية الكاملة للاتحاد الأوروبي على المديين المتوسط والطويل. تلك التحديات والمتغيرات وبحسب بعض الخبراء يمكن ان تسهم بتغير خطط وقرارات دول منطقة اليورو، حيث دعت بعض الدول والشخصيات الى اعادة التفكير في السياسة الأوروبية الحالية، والعمل على تغيرها بأسرع وقت ممكن وخصوصا فيما يتعلق بالسياسات الخارجية والأمنية والاقتصادية.

ورغم كل التوقعات السابقة التي ترشيح إمكانية انهيار هذه المنظومة الكبرى، تؤكد بعض المصادر ان دول الاتحاد الاوربي ستعمل على ايجاد طرق واتفاقات مناسبة تمكنها من الاستمرار والبقاء وتجنب حدوث كوارث كبيرة قد تضر بجميع الدول الأعضاء دون استثناء.

أزمة الهجرة

فيما يخص بعض التحديات التي تواجه دول الاتحاد فالانقسامات العميقة حول كيفية التعامل مع طوفان المهاجرين من الشرق الأوسط وافريقيا واسيا تمثل خطرا على قيم الاتحاد الاوروبي ومكانته العالمية وربما تقلص قدرته على العمل الجماعي لإصلاح منطقة اليورو والتخفيف من أزمة ديون اليونان. ومع الصور المروعة لأطفال غرقى وسوق اللاجئين كالقطعان لركوب القطارات أو النزول منها وتعرضهم للضرب على أيدي رجال الشرطة وظهور أسيجة الأسلاك الشائكة لتقسم أوروبا أصبحت أزمة الهجرة المعادل الأخلاقي لأزمة منطقة اليورو.

وتعمل الأزمة الأخيرة على إضعاف مثل التكامل الأوروبي من خلال ظهور الاتحاد الاوروبي بمظهر العجز والتفكك والقسوة وتأليب الدول الأعضاء بعضها على بعض ومناصرة الشعبوية السياسية والمشاعر المناهضة للمسلمين. ومع ذلك ففي كثير من الأحيان تحدث حالة من الفوضى وتبادل الاتهامات قبل أن يتوصل الاتحاد الاوروبي إلى رد موحد على أي تحد جديد. وربما بدأ تحول في السياسات ردا على صور المعاناة الفظيعة والمخاوف من انهيار منطقة شنجن القائمة على فتح الحدود أمام انتقال الناس بين 26 دولة أوروبية.

وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل "العالم يراقبنا" وهي تحاول اقناع زعماء أوروبا بالمشاركة في عبء استقبال اللاجئين الفارين من الحرب والبؤس في سوريا والعراق وأفغانستان وليبيا وغيرها. وقالت "إذا فشلت أوروبا في قضية اللاجئين فستتدمر رابطتها القوية بالحقوق الانسانية العالمية ولن تكون بعد الآن أوروبا التي حلمنا بها." ولم تلق المحاولة الجريئة التي بذلتها ميركل للقيام بدور القيادة - على النقيض من حذرها العميق في أزمة اليورو - سوى تأييد مشوب بالحذر من حلفاء مثل فرنسا حيث المعارضة الداخلية قوية لاستقبال المزيد من المهاجرين بل قوبلت بالرفض مباشرة من دول مثل المجر وبريطانيا.

وبالنسبة لكثير من الساسة الاوروبيين الذين يحاولون مجاراة الناخبين فإن منع الهجرة غير المرغوبة يمثل أولوية أكبر من الترحيب بمئات الالاف من الأجانب النازحين المرهقين لاسيما إذا كانوا مسلمين. وللمرة الأولى في عشر سنوات منذ انضمت عشر من دول أوروبا الوسطى للاتحاد الاوروبي فتحت الأزمة صدعا بين الشرق والغرب ورفضت معظم الدول قبول حصص من اللاجئين بل ان بعضها استند صراحة لأسباب دينية. ودفع ذلك المستشار النمساوي فيرنر فايمان إلى القول إن على الاتحاد الاوروبي أن يعيد النظر في مساعداته المالية المستقبلية من أجل التنمية إذا لم تشارك دول الشرق في تحمل العبء.

والمجر وجمهورية التشيك وسلوفاكيا - التي فر منها اللاجئون إلى غرب أوروبا هربا من حملات التضييق الشيوعية في 1956 و1968 - من بين الدول التي تعارض بشدة أي توزيع إجباري لطالبي اللجوء الآن. وقد قال رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان إن المهاجرين يشكلون خطرا على "الجذور المسيحية" لأوروبا بينما قالت سلوفاكيا وجمهورية التشيك إنهما ستقبلان عددا صغيرا من اللاجئين ومن الأفضل أن يكونوا مسيحيين.

واتهم أوربان ميركل بزيادة الطين بلة في الأزمة بإعلان استعداد ألمانيا لقبول أعداد كبيرة من السوريين وتشجيع المزيد من اللاجئين على المخاطرة بأرواحهم والاندفاع إلى أوروبا. وقال انتونيو فيتورينو رئيس معهد جاك ديلور وهو مؤسسة أبحاث مؤيدة للاتحاد الاوروبي "منذ بداية أزمة اليورو أصبحت أوروبا جزءا من المشكلة الأخلاقية لا جزءا من الحل. وأزمة الهجرة هذه تزيد من ضياع الدور النموذجي للتكامل الأوروبي."

وقال فيتورينو المفوض السابق بالاتحاد الاوروبي للعدل والشؤون الداخلية وهو برتغالي اشتراكي ساهم في وضع إطار قواعد اللجوء المعيبة التي تداعت تحت وطأة أزمة العام الجاري إن صورة أوروبا "كأرض للكرامة الانسانية واحترام التعهدات الدولية" باتت في خطر. وفي مناطق من العالم مثل جنوب شرق اسيا وامريكا اللاتينية التي كانت تتطلع في وقت من الاوقات للاتحاد الاوروبي باعتباره نموذجا للتكامل الاقليمي بدأ الناس الآن يقولون "كنتم تعلموننا كيف نحل مشاكلنا والآن أصبحتم عاجزين عن حل مشاكلكم."

وسلم فيتورينو بأن اتفاقية دبلن - التي ساهم هو شخصيا في صياغتها وتنص على أن أول دولة يطأ أرضها اللاجيء هي المسؤولة عن التعامل مع طلب اللجوء - غير منصفة للدول الواقعة على أطراف أوروبا والتي لا تتلقى مساعدة مالية أو عملية تذكر. وأضاف "الممارسة العملية تظهر أن النظام لم ينجح. والآن خرجت الأمور عن السيطرة." وتحتاج أوروبا سياسة لجوء مشتركة قادرة على فرز الطلبات وإعادة من لا يستحقون اللجوء إلى بلادهم وإعادة توطين اللاجئين الحقيقيين حسب قدرة الدول الأعضاء على استقبالهم.

ومع اشتداد الجهود للتوصل إلى نهج مشترك تنذر الخلافات بين زعماء الاتحاد الاوروبي بالسوء لمحاولاتهم لايجاد حلول للتحديات الاقتصادية والبيئية مثل إصلاح منطقة اليورو أو التصدي للتغيرات المناخية. وقالت تينا فوردام كبيرة محللي السياسة العالمية في مجموعة سيتي المصرفية الأمريكية العملاقة والتي تعتبر أزمة الهجرة مصدرا رئيسيا للمخاطر السياسية في أوروبا "الاتحاد الاوروبي يواجه مشاكل في التعامل مع أكثر من مشكلة في وقت واحد."

وقالت "الخلاف والتراجعات فيما يتعلق باللاجئين والهجرة قد ينتهي به الأمر إلى تفتيت تماسك الاتحاد الاوروبي وسحب الاكسجين السياسي اللازم للتعامل مع تحديات أخرى في الاقتصاد أو أوكرانيا." ومن المحتمل أن تسقط حكومات بسبب هذه القضية أو تتأثر الانتخابات المقبلة. وقد حدث بالفعل أن بدأ صعود الأحزاب الشعبوية المناهضة للهجرة يعرض النموذج الاجتماعي في دول شمال أوروبا للخطر. بحسب رويترز.

كما ترى فوردام أثرا محتملا لمفاوضات بريطانيا لتعديل علاقاتها مع الاتحاد الاوروبي قبل أن تجري استفتاء على استمرار عضويتها فيه قبل نهاية عام 2017. وأضافت "قد يؤدي فشل بريطانيا الواضح في المشاركة في تحمل العبء إلى إضعاف قدرة ديفيد كاميرون بدرجة أكبر على استخلاص تنازلات قبل الاستفتاء." وقد رفض كاميرون الانضمام لخطة أوروبية لإعادة توطين اللاجئين وظل يصر على أن الحل ليس في قبول عدد أكبر من اللاجئين إلى أن انحنى أمام الضغوط الاعلامية بعد فورة المشاعر الانسانية بسبب صورة طفل سوري غريق على أحد شواطيء تركيا.

اتفاقية شينغن

من جانبه حذر الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند من "المخاطر" التي تتهدد فضاء شينغن اذا لم يتم التوصل اتفاق في اوروبا بشان استقبال لاجئي الشرق الاوسط، وقال هولاند "نعم اذا غابت آلية مراكز التسجيل لتمييز اللاجئين عن المهاجرين الاقتصاديين وضمان توزيع المستفيدين من حق اللجوء". وشدد الرئيس الفرنسي على ان "شينغن سيكون في خطر اذا غابت المراقبة على الحدود الخارجية" للاتحاد الاوروبي. وفي هذه الفرضية "ستعود الدول بطريقة او اخرى الى (اعتماد) الحدود الوطنية".

واضاف "سنكون عندها مجبرين على اعادة مراكز الجمارك والمراقبة، وايضا في وسائل النقل ستكون نهاية شنغن كفضاء مراقب يؤمن حرية التنقل" داخله. وقال انه "اذا لم ترغب بعض الدول في تطبيق (آلية توزيع اللاجئين) سنكون امام صعوبة كيف يفرض عليهم الامر؟". وراى ان "سحب تمويلات او مساعدات او فرض عقوبات على الدول التي لا تريد تطبيق الالية سيعني بالنسبة لهذه الدول دفع ثمن عدم استقبال لاجئين". وتابع "اذا مضينا في فرض الامر سيكمن الخطر في تقليص فضاء شينغن وهنا يمكن ان تكون اوروبا في خطر". ويضم مجال شينغن حاليا 26 دولة، 22 منها اعضاء في الاتحاد الاوروبي (بلغاريا ورومانيا وقبرص وكرواتيا وايرلندا وبريطانيا ليست ضمن فضاء شنغن) واربع دول غير اعضاء في الاتحاد الاوروبي اعضاء في فضاء شنغن (ايرلندا وسويسرا والنروج وليشتنشتاين).

الى جانب ذلك اعلن وزير الداخلية الفرنسي الاحد بعد محادثات مع نظيره الالماني توماس دي ميزيير ان فرنسا تدعو الى "تقيد كل دولة من دول الاتحاد الاوروبي بشكل صارم بقواعد شنغن". واضاف الوزير الفرنسي برنار كازنوف في بيان ان "هذه القواعد تنص خصوصا على تسجيل المهاجرين الذين يعبرون الحدود الخارجية للاتحاد الاوروبي من قبل اول دولة يصلون اليها" و"بسبب عدم احترام ذلك قررت المانيا بصفة مؤقتة فرض رقابة على حدودها دون ان تغلقها". بحسب فرانس برس.

وقالت المفوضية الاوروبية انه بناء على اتفاقيات شنغن التي ارست التنقل الحر داخل الاتحاد الاوروبي، فان اعتماد المراقبة الوقتية للحدود بين الدول الاعضاء "هي امكانية استثنائية مقررة ومنظمة بوضوح" في حالات الازمة. واضاف بيان كازنوف ان وزير الداخلية الفرنسي والالماني "اعدا بيانا مشتركا موجها لنظرائهم في الاتحاد الاوروبي يذكر" بالمبادىء التي يدافعان عنها.

بريطانيا وقرار الانسحاب

على صعيد متصل أظهر استطلاع للرأي أن أغلب البريطانيين يؤيدون الآن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي وسط مخاوف من الهجرة فيما يشير إلى تحول في وجهات النظر قبل استفتاء على عضوية بريطانيا في الاتحاد. ووجد الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة سيرفيشن لحساب صحيفة ميل أون صنداي أن 51 في المئة ممن شملهم الاستطلاع يريدون ترك الاتحاد الأوروبي في حين أبدى 49 في المئة رغبتهم في البقاء مع استبعاد الناخبين الذين لم يقرروا موقفهم.

وكان استطلاع أُجري في أواخر يونيو حزيران وأوائل يوليو تموز وجد أن 54 في المئة يؤيدون البقاء في الاتحاد الأوروبي مقابل 45 في المئة يريدون الانسحاب منه. ووعد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بإعادة التفاوض على علاقات بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي قبل الاستفتاء المقرر أن يُجرى قبل 2017. وذكرت مؤسسة سيرفيشن أن هذه أول مرة تجد فيها حملة "الانسحاب من الاتحاد الأوروبي" متقدمة منذ نوفمبر تشرين الثاني 2014. وقالت إن"أغلبية كبيرة" من الناخبين الذين يفضلون البقاء في الاتحاد الأوروبي ستفكر في تغيير رأيها إذا تفاقمت أزمة الهجرة في أوروبا.

من جانب اخر يقود لورد ستوارت روز، المدير التنفيذي السابق لسلسلة متاجر ماركس أند سبنسر الحملة للدفاع عن بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. وقال اللورد، الذي ينتمي إلى حزب المحافظين الحاكم ويرأس الآن "حملة البقاء"، إن المملكة المتحدة "أقوى وهي في أوروبا" وإن مغادرة الاتحاد سيكون "قفزة في المجهول." أعتقد أن بريطانيا أقوى فى أوروبا. الخيار في الاستفتاء القادم هو بين أن نبقى أقوياء وأكثر أمانا وأفضل حياة ونحن داخل أوروبا أو القفز في المجهول، مخاطرين برخائنا ومهددين سلامتنا ومدمرين لنفوذنا في العالم

وكان نواب من أحزاب المحافظين والعمال واستقلال المملكة المتحدة قد دشنوا حملة حزبية جماعية للترويج لمغادرة البلاد من الاتحاد الأوروبي. وقال لورد روز، وهو رئيس شركة أوكادو على الانترنت، إن "معظم الناس، وأنا منهم، سوف يجرون حسابات عملية عميقة ودقيقة في الاستفتاء المقبل بشأن الأفضل للشعب البريطاني." وحملة البقاء تعتبر توظيف لورد روز رئيسا لها انقلابا، ليس فقط لأنه محافظ يدافع عن قضية البقاء في الاتحاد الأوروبي، بل لأنه رجل أعمال مرتبط ببعض أشهر متاجر التجزئة في البلاد، بما فيها ماركس أند سبنسر وأرغوس وأوكادو.

وكانت حملة "صوتوا للمغادرة"، التي تضم نوابا برلمانيين ومتبرعين من المحافظين والعمال واستقلال المملكة المتحدة، بدأت عملها. ويضم مؤيدو الحملة، التي تقول إنها تريد التفاوض على اتفاق جديد يقوم على حرية التجارة والتعاون الودي، كيت هوي من حزب العمال ودوغلاس كارزويل من حزب استقلال المملكة المتحدة. وتنافس هذه الحملة مجموعة "لنغادر الاتحاد الأوروبي"، التي تلقى مساندة حزب الاستقلال، لتكون هي الحملة الرسمية الداعية للمغادرة في الاستفتاء المرتقب.

دائرة من نار

في السياق ذاته تحول حلم الاتحاد الاوروبي بإقامة "دائرة من الاصدقاء" تمتد من القوقاز إلى الصحراء الافريقية إلى كابوس بعد أن أدت صراعات فيما وراء حدوده إلى تدفق اللاجئين بأعداد كبيرة على أوروبا. فعلى النقيض من نجاح حملة التوسع شرقا التي غيرت وجه الدول الشيوعية السابقة إلى ديمقراطيات مزدهرة تقوم على اقتصاد السوق منيت سياسة الجوار الاوروبية التي بدأ العمل بها عام 2003 بفشل ذريع.

فقد عرضت هذه السياسة مساعدات مالية وفنية وفتحت الأسواق لكنها لم تفتح باب العضوية لعدد 16 دولة في اتجاهي الشرق والجنوب مقابل تبني الأعراف الديمقراطية والادارية والاقتصادية المعمول بها في الاتحاد الاوروبي. وقال رئيس الوزراء السويدي السابق كارل بيلت في وقت سابق من العام الجاري "عندما ننظر إلى الوضع الآن من الصعب تفادي استنتاج أننا محاطون لا بدائرة من الاصدقاء بل بدائرة من النار."

وكان الفشل في تحقيق الاستقرار أو الانتقال للديمقراطية في محيط الاتحاد الاوروبي يرجع في جانب منه إلى قوى خارج سيطرة بروكسل واستياء روسي من انهيار الاتحاد السوفيتي بالاضافة إلى صراعات سياسية وطائفية في الشرق الأوسط. فقد ضعفت خمس من الدول الست المعنية بالشراكة الشرقية وهي أوكرانيا ومولدوفا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان بسبب "صراعات مجمدة" لموسكو يد فيها. أما الدولة السادسة وهي روسيا البيضاء فالحكم فيها شمولي لدرجة جعلها تخضع لعقوبات من جانب الاتحاد الاوروبي كما أنها لم تأبه لعرض ابرام اتفاق للتجارة الحرة.

والآن يسلم مسؤولو الاتحاد الاوروبي بأن الإطار الذي يرمي إلى التواصل مع جيران الاتحاد الاوروبي وإحداث تغييرات لديهم كان إطارا خاطئا منذ البداية بسبب مزيج من الغرور والسذاجة معا. وقال كريستيان دانييلسون رئيس قسم سياسات الجوار وتوسيع العضوية في اللجنة التنفيذية للاتحاد الاوروبي "كانت الفكرة إقامة دائرة من الأصدقاء يتكاملون معنا دون أن يصبحوا أعضاء في الاتحاد الاوروبي. وكان في ذلك قدر من التعالي حيث يحدد الاتحاد الاوروبي للجميع ما يفعله لأننا كنا نعتقد أنهم يريدون أن يصبحوا مثلنا."

وعرض هذا النهج الاوروبي مكافأة في غاية الضآلة اقترنت بشروط كثيرة جدا مع رقابة لصيقة نفر منها تلقائيا الحكام الشموليون وكبار رجال الأعمال المحليون من مينسك وباكو إلى القاهرة والجزائر واعتبروها تهديدا لمصالحهم. ورسم هذا النهج حدود علاقة واحدة للجميع بمستويات متنوعة تنوعا كبيرا من التطور الاقتصادي والحكم الرشيد وأغلب هذه الدول غير مجهزة لتطبيق تشريعات السوق والبيئة والصحة والسلامة السارية في الاتحاد الاوروبي.

كما افترضت هذه السياسة أن مجموعات من الدول في شمال أفريقيا أو جنوب القوقاز ستتعاون فيما بينها في حين أنها لم يكن لديها في الواقع رغبة تذكر في العمل معا. والآن تخضع سياسة الجوار الأوروبية لإعادة النظر في أسسها بنهج أكثر تواضعا ومرونة وتمييزا ومن المقرر الكشف عن نتائجها في 17 نوفمبر تشرين الثاني.

ووصف إيان بوند السفير البريطاني السابق الذي يعمل الآن بمركز الاصلاح الاوروبي السياسة الحالية بأنها "فوضى من عدم الاتساق والتمني." وأضاف أن المراجعة السابقة في 2010-2011 حثت على التركيز على دعم "الديمقراطية العميقة القابلة للاستمرار" ورغم هذا فمنذ ذلك الحين سادت الفوضى دولتين هما ليبيا وسوريا وشهدت دولة ثالثة هي مصر انقلابا عسكريا كما أن قمع المجتمع المدني والاعلام ازداد سوءا في عدة دول من بينها أذربيجان. ومن بين قصص النجاح النسبي القليلة مازالت تونس وأوكرانيا وجورجيا عرضة لتهديدات داخلية وخارجية في حين أن العلاقات الاقتصادية المميزة لم تجعل اسرائيل متقبلة لمساعي الاتحاد الاوروبي لدعم حل الدولتين مع الفلسطينيين.

ويتحدث مسؤولون في الاتحاد الاوروبي عن الحاجة إلى واقعية جديدة تقدم العمل من أجل المصالح المشتركة مع الشركاء على وعظهم فيما يتعلق بحقوق الانسان والديمقراطية. لكن البرلمان الاوروبي والدول الاعضاء مثل ألمانيا ودول شمال أوروبا ستبدي امتعاضها من التراجع عن دعم هذه القيم. وجادل بيلت على سبيل المثال بأن "اهتمامنا بالاستقرار الحالي يجب ألا يعطل المطالبة باحترام حقوق الانسان الضرورية في المدى الطويل كشرط أساسي للاستقرار الذي نسعى لتحقيقه."

ويقول بعض الخبراء إن عرض الاتحاد الاوروبي "اتفاقات عميقة وشاملة للتجارة الحرة" غير واقعي ويعمل على زعزعة استقرار اقتصادات الدول المجاورة لانه يتطلب منها فتح أسواقها أمام منافسة الاتحاد الاوروبي قبل أن يكون لديها ما تبيعه لاوروبا. ومع ذلك يقول مسؤولو الاتحاد الاوروبي إن أوكرانيا وجورجيا اللتين أبرمتا مثل هذه الاتفاقات مع بروكسل تحديا للمعارضة الروسية عليهما المضي قدما لتحقيق التنمية الاقتصادية. بحسب رويترز.

وقال مايكل لاي المستشار بصندوق مارشال الألماني الرئيس السابق لإدارة توسيع العضوية في الاتحاد الأوروبي إن بروكسل ردت على انتفاضات الربيع العربي عام 2011 بعرض عملية طويلة ومعقدة بدلا من فتح الأسواق بدرجة محدودة لكن بهدف تحقيق نتيجة سريعة. وأضاف أنه سيكون من الأفضل ان يعرض على دول مثل المغرب وتونس نهاية فورية للقيود على منتجاتها الزراعية مثل البرتقال والطماطم (البندورة) لكن مصالح المزارعين في دول أوروبية مثل فرنسا وأسبانيا وايطاليا تقف حائلا دون ذلك. وهذا يعني أن بروكسل ستحول أموالا مخصصة للتنمية الاقتصادية والاصلاح الاداري لتمويل منشآت لابقاء اللاجئين في أماكنهم وتثبيط هممهم عن اللجوء إلى أوروبا. أما دائرة الاصدقاء فسيتعين ان تنتظر تحسن الظروف. فما يريده الاتحاد الأوروبي الآن هو تدعيم الدفاعات الواقية من الطوفان.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1