التطورات الاخيرة التي شهدها ملف الصراع في سوريا والمتعلقة بالتحركات والتحشيد العسكري المتزايد الذي تقوم به روسيا من اجل دعم قوات الجيش السوري، اثارت العديد من الاسئلة وعلامات الاستفهام، حيث تفيد التقارير وكما تنقل بعض المصادر، بأن روسيا أصبحت موجودة في سوريا ليس على شكل مستشارين ومساعدين وقطع غيار، وإنما على شكل قوات عسكرية وأسلحة قتالية هجوميّة ومعدات لوجستيّة ومساكن للمقاتلين وأنظمة دفاعيّة ورادارات بالإضافة إلى قاعدة عسكرية جوّية، وهو ما يعد اضخم تواجد لهذه القوات على الإطلاق خارج حدود الاتحاد السوفيتي السابق منذ الانهيار الأخير وهو ما اعتبره الكثير تحرك مهم لضمان المصالح الروسية في هذه المنطقة المهمة، وتقول موسكو إن تعزيز قواتها هناك هدفه محاربة تنظيم داعش الارهابي، الذي استطاع وعلى الرغم من الضربات الجوية لقوات التحالف الدولي من تعزيز تواجده في المنطقة، هذه التحركات والخطط السريعة والمفاجئة التي اثارت قلق العديد من الحكومات والدول خصوصا الولايات المتحدة الامريكية، التي ترى ان الوجود العسكري المتزايد لروسيا يمكن ان يسهم بتعقيد الأزمة السورية بشكل كبير، ويرى بعض المراقبين ان هذه الازمة الجديدة يمكن ان تعمق الخلاف بين الدول العظمى، التي تسعى الى فرض سيطرتها المطلقة على منطقة الشرق الاوسط من خلال تعزيز تواجدها العسكري ودعم الحلفاء.

من جانب اخر يرى بعض الخبراء ان التواجد الروسي على الارض السورية وبهذه الكثافة، يمكن ان يسهم بإيجاد حلول مهمة للخروج من هذه الازمة خصوصا وان التوقعات تشير الى وجود تقارب في وجهات النظر بين اطراف الصراع المتفقة على محاربة تنظيم داعش، يضاف الى ذلك كما تشير بعض المصادر، أن أمريكا ليس بوسعها الاعتراض على التواجد العسكري الروسي في سوريا باعتباره حق مشروع لجميع الدول التي تشعر بخطر الارهاب على أمنها واستقرارها وكذلك أمن واستقرار المنطقة والعالم، خصوصاً وان هذا التواجد يتم بموافقة الحكومة السورية والتنسيق معها في هذا المجال، وهذا الأمر دعا وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى الترحيب بجهود موسكو لمحاربة الارهاب، والاعراب في الوقت نفسه عن استعداد واشنطن للتنسيق معها في هذا المضمار.

بوتين يدعم الأسد

وفي هذا الشأن فقد دافع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن دعمه لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، ردا على اتهامات أمريكية لموسكو بنشر معدات عسكرية وقوات في شمال سوريا. وأكد بوتين خلال مؤتمر أمني إقليمي في طاجيكستان "إننا ندعم الحكومة السورية في كفاحها ضد العدوان الإرهابي وإننا نقدم وسنواصل تقديم مساعدة عسكرية فنية لها" في إشارة إلى العقود الموقعة مع دمشق لمدها بأسلحة.

وتتهم واشنطن روسيا منذ عدة أيام بتعزيز وجودها العسكري في سوريا لا سيما بإرسال عتاد وجنود إلى اللاذقية، معقل الرئيس السوري غرب سوريا. وقال مسؤولون أمريكيون إن روسيا تعمل على بناء "قاعدة جوية متقدمة" في اللاذقية وذكروا تشييد مبان مسبقة الصنع وبرج مراقبة جوية متنقل ووصول عشرات الجنود وقطع مدفعية ودبابات. ويقتصر الوجود العسكري الروسي في سوريا رسميا على منشآت موسكو اللوجستية العسكرية في مرفأ طرطوس على البحر المتوسط.

وأثارت هذه الأنباء عن تعزيزات روسية في سوريا مخاوف في الغرب بشأن تبعات الدعم العسكري الذي تقدمه موسكو لحليفها. ونفت روسيا تعزيز وجودها العسكري في سوريا، لكنها تعهدت بمواصلة تقديم الدعم للأسد. وأعرب مسؤولون أمريكيون عن خشيتهم أن تستهدف روسيا مجموعات المعارضة المدعومة من واشنطن والتي تقاتل الأسد، وأن تجازف بالدخول في نهاية المطاف في مواجهة مع قوات تقاتل تنظيم "داعش" المتطرف.

وتدعو موسكو منذ أشهر إلى تشكيل تحالف عسكري موسع يضم تركيا والسعودية والجيش السوري لمحاربة تنظيم "داعش"، ولكن هذه المبادرة لم تحظ بالتأييد. وجدد بوتين، متحدثا في إطار قمة دوشانبي لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تضم عددا من الجمهوريات السوفياتية السابقة، دعوته إلى تشكيل ائتلاف واسع ضد التنظيم يضم سوريا والعراق. وقال إن الاسد مستعد للعمل مع المعارضة السورية "السلمية" للتوصل إلى حل سياسي للنزاع، لكنه شدد على أن الأولوية هي للتصدي لتنظيم "داعش". وصرح "من المؤكد أن الحاجة إلى توحيد القوى في المعركة ضد الإرهاب تأتي اليوم في الطليعة". بحسب فرانس برس.

وتابع "الأولوية اليوم هي لضرورة توحيد قواتنا ضد الإرهاب. بدون ذلك من المستحيل تسوية مشكلات أخرى عاجلة مثل مشكلة اللاجئين". وأوضح أن معظم المهاجرين السوريين الساعين للوصول إلى أوروبا يهربون من المجموعات "المتطرفة" ولا سيما تنظيم "داعش" وليس من قصف الجيش السوري المتواصل. ورفض الانتقادات الموجهة لدعم موسكو للسلطات السورية "الشرعية" مؤكدا أن أزمة الهجرة التي تقرع أبواب أوروبا حاليا لكانت أكثر حدة لو لم تدعم روسيا الأسد. وأضاف "لو أن روسيا لم تساند سوريا لكان الوضع في البلاد أسوأ مما هو في ليبيا ولكان تدفق اللاجئين أكبر".

التواجد العسكري

في السياق ذاته قال مسؤولان أمريكيان إن روسيا نشرت عددا من الدبابات في مطار سوري شهد عملية حشد عسكري في الآونة الأخيرة لكنهما أضافا أنه لم تتضح بعد نوايا أحدث تحرك لموسكو لنشر معدات عسكرية ثقيلة في سوريا. وقال الكابتن جيف ديفيز المتحدث باسم البنتاجون في إفادة صحفية "شهدنا تحرك أناس وأشياء فيما يشير إلى أنهم يعتزمون استخدام القاعدة هناك -إلى الجنوب من اللاذقية- كقاعدة عمليات جوية أمامية."

وقال أحد المسؤولين الأمريكيين إن سبع دبابات روسية من نوع تي-90 شوهدت في المطار القريب من اللاذقية وهي معقل للاسد. وقال المسؤولان الأمريكيان إن روسيا نشرت أيضا هناك قطع مدفعية اتخذت فيما يبدو مواقع دفاعية لحماية العسكريين الروس المتمركزين هناك.

وذكرت رويترز في وقت سابق أن روسيا نشرت نحو 200 من مشاة البحرية في المطار وكذلك وحدات إسكان مؤقتة ومحطة متنقلة للمراقبة الجوية ومكونات لمنظومة للدفاع الجوي. وفي مؤشر إلى تسارع وتيرة الحشد العسكري الروسي يقول مسؤولون أمريكيون إن موسكو كانت ترسل كل يوم رحلتين جويتين لنقل شحنات إلى المطار على مدى الايام الماضية. وقال مصدر دبلوماسي طلب ألا ينشر اسمه أن الروس يعملون لتحسين المطار. وقال الدبلوماسي "كانت شاحنات تدخل المطار وتخرج منه. ويبدو أن المدرج غير مناسب بعد لبعض أنواع الطائرات وهم لذلك يجرون بعض التحسينات."

وتقول روسيا إنها ستستمر في إرسال إمدادات عسكرية إلى سوريا وإن مساعداتها للجيش السوري تتماشى مع القانون الدولي. وتستخدم الولايات المتحدة المجال الجوي السوري في قيادة حملة من الضربات الجوية ضد تنظيم داعش. وتثير زيادة الوجود الروسي احتمال مواجهة في ساحة الحرب بين القوتين العظميين خصمي الحرب الباردة. وقال البنتاجون إن روسيا لم ترسل حتى الآن طائرات مقاتلة أو طائرات هليكوبتر حربية إلى المطار.

وأبلغ جوش ايرنست المتحدث باسم البيت الابيض صحفيين على متن طائرة الرئاسة الامريكية ان أي دعم روسي للاسد سيكون "مزعزعا للاستقرار وغير ايجابي". لكن يبدو ان البيت الابيض يبقي على الامل في قدر من التعاون مع موسكو مشيرا الي مخاوف مشتركة بشان التطرف العنيف. وقال جون كيربي المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية ان هدف روسيا النهائي في سوريا يبقى غير مؤكد.

واضاف قائلا "من الوضح انهم يقدمون المزيد من المساعدة... لكن ما هو الهدف النهائي؟ وما هو المقصد النهائي؟ اعتقد أنه مازال يوجد قدر من الغموض بشأن ذلك." وتسببت الحرب الأهلية في سوريا -التي قتل فيها حوالي 250 ألف شخص- في فرار نحو نصف سكان البلاد الذي بلغ عددهم قبل الحرب 23 مليونا ويحاول الآلاف منهم الوصول إلى أوروبا.

الى جانب ذلك قالت وكالة أنباء إيتار تاس الروسية إن سفير سوريا لدى موسكو رياض حداد قال إن الحديث عن وجود قوات روسية على الأرض في سوريا هو "أكذوبة". جاء تصريح السفير وسط اتهامات من الولايات المتحدة بأن موسكو تعزز وجودها العسكري هناك. ونقلت إيتار تاس عن حداد قوله "إننا نتعاون مع روسيا منذ 30 إلى 40 عاما في مختلف المجالات ومنها المجال العسكري. نعم نحن نتلقى أسلحة وعتادا عسكريا وكل هذا يحدث وفقا لاتفاقيات مبرمة بين البلدين".

واستدرك بقوله "لكن الحديث عن وجود قواتكم (قوات روسية) على الأرض السورية هو أكذوبة تبثها البلدان الغربية والولايات المتحدة." وتقر موسكو بأن لها "خبراء عسكريين" يرافقون الأسلحة على الأرض في سوريا لكنها لم تؤكد زيادة وجودها العسكري أو تكثيف إمدادات الأسلحة إلى دمشق. بحسب رويترز.

وقال حداد إن دمشق تريد عقد جولة مشاورات ثالثة بين الحكومة السورية وممثلي المعارضة من أجل مزيد من مباحثات السلام تحت رعاية الأمم المتحدة. واشتدت المساعي الدبلوماسية الرفيعة المستوى بشأن سوريا في الأسابيع الأخيرة لكنها فشلت في تحقيق انفراجة للصراع الذي أطلق موجات من المهاجرين إلى أوروبا.

محادثات مبدئية

الى جانب ذلك قال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إن الصراع في سوريا طال أكثر مما يجب وإن الوقت قد حان للبحث عن سبل لإنهاء الحرب الدائرة منذ أربع سنوات ووضع حد لأزمة اللجوء التي تزداد تفاقما. وقال كيري في أول يوم من محادثاته في أوروبا إن محادثات عسكرية مبدئية بين الولايات المتحدة وروسيا جرت عبر الهاتف تمثل بداية مهمة لتجنب صدام بين البلدين في سوريا.

والمحادثات التي جرت بين وزيري الدفاع الأمريكي آشتون كارتر والروسي سيرجي شويجو هي أول محاولة للبحث عن سبل لتجنب أي مواجهة عسكرية غير مقصودة في سوريا. وبينما عززت روسيا وجودها العسكري في سوريا خلال الأسابيع الماضية وتدفق آلاف اللاجئين السوريين إلى أوروبا والذي فر معظمهم من الحرب الأهلية ومن مناطق يسيطر عليها تنظيم داعش قال كيري إن إيجاد حل للأزمة السورية أمر ملح.

وقال كيري لمحطة تشانل 4 الإخبارية البريطانية "وصلنا جميعا لقناعة.. هذا الصراع طال لأكثر مما يجب. ومن ثم نحن نحتاج لاكتساب مهارات جديدة وتقييم الوضع وهذا بالضبط ما نقوم به. هذا هو أحد أسباب وجودنا في أوروبا الآن." والتقى كيري بوزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان في لندن وسيلتقي بنظيره البريطاني فيليب هاموند قبل أن يذهب إلى برلين في اليوم التالي. وقبل لقاء الوزير الإماراتي قال كيري للصحفيين إن الرئيس باراك أوباما يأمل أن تؤدي المحادثات العسكرية إلى "تحديد عدد من الخيارات المختلفة المتاحة أمامنا لدراسة الخطوات التالية في سوريا."

ولمح كيري إلى أن الرئيس بشار الأسد قد يبقى في سوريا على المدى القريب رغم أن مسؤولين بوزارة الخارجية الأمريكية حذروا من تحميل تعليق الوزير أكثر مما يحتمل. وقال كيري للصحفيين "تركيزنا لا يزال منصبا على تدمير داعش وكذلك على التوصل لتسوية سياسية بخصوص سوريا وهي تسوية نعتقد أنها لا يمكن تحقيقها في ظل وجود الأسد لفترة طويلة. "نتطلع إلى سبل يمكن من خلالها تحقيق التقاء في وجهات النظر." وتعارض الولايات المتحدة دعم سوريا للأسد وفي العام الماضي قطعت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) محادثات عالية المستوى مع موسكو بعد ضمها منطقة القرم وتدخلها في أوكرانيا.

لكن كيري أكد أن المحادثات مع موسكو بشأن سوريا منفصلة عن الوضع في أوكرانيا. وقال للمحطة التلفزيونية البريطانية "لا توجد أي صفقة بخصوص سوريا... سوريا أمر آخر غير قابل للمساومة أو المقايضة فيما يتعلق بأوكرانيا." لكن تعزيز روسيا لوجودها في قاعدة اللاذقية الجوية في سوريا زاد احتمالات تنفيذ مهام قتالية جوية في المجال الجوي السوري. ويقول مسؤولون أمريكيون إن روسيا نقلت إلى هذه القاعدة معدات ثقيلة بينها دبابات وطائرات هليكوبتر وقوات من مشاة البحرية. بحسب رويترز.

وفي وقت سابق قال مصدر بالجيش السوري إن القوات بدأت استخدام أنواع جديدة من الأسلحة الجوية والبرية وردتها روسيا. وقال كيري إن الولايات المتحدة تريد التوصل إلى "خطة دبلوماسية مستقبلية". وأضاف "الكل يعمل تحت ضغط الوضع الملح. نعمل منذ فترة طويلة لكن مستويات الهجرة والدمار المستمر وخطر التصعيد المحتمل بسبب أي خطوات أحادية الجانب تعطي للدبلوماسية في هذه اللحظة أولوية قصوى."

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1