أزمة جديدة تضاف إلى سجل الأزمات والمشاكل الكثيرة التي يعيشها لبنان وهى أزمة النفايات، التي حولت هذا البلد الى مزبلة ضخمة أثبتت لجميع وكما يقول بعض المراقبين، حقيقة الواقع المأساوي في ظل تفاقم ملفات الفساد الحكومي المبني على التنافس والانقسام الحزبي والطائفي، فأكوام القمامة التي تراكمت في شوارع لبنان كشفت الكثير من الحقائق التي تخص فشل وضعف الحكومة التي عجزت عن توفير أبسط الاحتياجات والخدمات الأساسية للمواطن مثل الكهرباء والمياه أو رعاية صحية وتعليم، التي كانت سببا في اتِّساع الفجوة بين النّخبة الحاكمة وبين طبقات الشعب الأخرى. وتبلور أزمة القمامة بحسب بعض المصادر، كيف أن الطبقة الحاكمة والطوائف المختلفة التي تتزعمها أفرغت مؤسسات الدولة من مضمونها وأضعفتها لصالح شبكات موازية من الشركات التي أقامتها أو أفادت منها لتقديم خدمات رئيسية.

ويخشى العديد من المراقبين من تفاقم خطر هذه الأزمة في هذا الوقت بذات، خصوصا وان البلد الذي مر بحرب أهلية استمرت 15 عاما، يعاني من مشكلات أمنية واقتصادية كبيرة بسبب الإحداث والصراعات المهمة التي تشهدها المنطقة، خصوصا وأنها تعاني من انتشار خطر الجماعات والتنظيمات الإرهابية المسلحة. واضيفت ازمة النفايات الى الازمة السياسية الناجمة عن شغور في موقع رئاسة الجمهورية منذ ايار/مايو 2014، وعن توترات امنية متقطعة على خلفية النزاع في سوريا المجاورة، ما اعطى مجلس النواب ذريعة لتجديد ولايته للمرة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2014 حتى حزيران/يونيو2017. من جهة أخرى أكد البعض أن هذه التحركات ربما أتت بمباركة قوى سياسية عمدت الى توظيف الاحتجاجات من اجل الضغط على الحكومة، وإجبارها على تقديم استقالتها لأجل الحصول على مكاسب سياسية وهو ما قد يدخل البلاد في متاهات جديدة.

تظاهرات ضد الفساد

وفي هذا الشأن فقد لبى عدد محدود من المواطنين دعوة منظمات المجتمع المدني الى التظاهر في مناطق لبنانية مختلفة ضد الطبقة السياسية وفسادها في اطار التحرك المستمر منذ اسابيع والذي نجح في حشد عشرات الالاف في وسط بيروت في وقت سابق. وافادت مصادر في جنوب لبنان ان نحو ثلاثمئة مواطن تجمعوا في ساحة في وسط مدينة صور (جنوب) حاملين اللافتات التي تطالب بحل ازمة النفايات وبالحصول على الحقوق الاساسية ووضع حد للفساد.

وحمل المتظاهرون من رجال ونساء واطفال لافتات كتب عليها "نحن انتخبناهم نوابا، واصبحوا ذئابا لا يشبعون"، وهتفوا "حراميي، حراميي"(سارقون). وبدأ حراك المجتمع المدني في نهاية تموز/يوليو بعد ان غزت النفايات شوارع بيروت ومناطق اخرى في ازمة نتجت من اقفال مطمر رئيسي للنفايات جنوب العاصمة وانتهاء عقد شركة مكلفة جمع النفايات من دون التوصل الى ابرام عقد جديد.

ومنذ ذلك الحين، يتم جمع النفايات بشكل متقطع وترمى في اماكن عشوائية من دون معالجة وفي شروط تفتقر الى ادنى معايير السلامة الصحية. ولم تتوصل الحكومة الى حل للازمة بسبب انقسام السياسيين، وسط تقارير عن تمسك العديد منهم بالحصول على حصص وارباح من اي عقود مستقبلية. وجمعت تظاهرة مركزية نظمت في وسط بيروت بمبادرة من تجمع "طلعت ريحتكم" الذي نشأ اخيرا من ناشطين من طوائف عدة في 29 آب/اغسطس عشرات الاف المتظاهرين الذين دعوا الى حل ازمة تكدس النفايات في الشوارع واجراء انتخابات نيابية.

وكانت التظاهرة الاكبر في تاريخ لبنان التي تحصل بمبادرة من المجتمع المدني ولدوافع اجتماعية، اذ اعتاد اللبنانيون المنقسمون بحدة حول السياسة والدين على النزول الى الشارع بناء على توجيهات الزعماء السياسيين فقط. وفي صور حيث النفوذ لحركة امل وحزب الله الشيعيين، طبع المتظاهرون على لوحة كبيرة بيضاء اكفهم باللون الاحمر، رمزا للدم، وللتاكيد انهم "لن يخرجوا من الشارع، حتى لو كلفهم الامر دمهم، حتى نيل حقوقهم"، بحسب ما شرح منظمون. بحسب فرانس برس.

وحصلت تحركات مماثلة جمعت عشرات الاشخاص في بلدة مرجعيون في اقصى الجنوب وفي بلدة بعقلين في منطقة الشوف (وسط). وفي مواجهة الازمة المستحكمة، دعا رئيس المجلس النيابي نبيه بري الى حوار بين كل الاطراف السياسية في مقر البرلمان. وردت مجموعة "طلعت ريحتكم" بالدعوة الى اعتصام حاشد قرب البرلمان للضغط على المتحاورين الذين تصنفهم جميعا في اطار "الطبقة السياسية الفاسدة". واصدرت المجموعة بيانا تلاه في مؤتمر صحافي احد اركانها لوسيان بو رجيلي رفضت فيه الحوار كونه يجري "خارج الاطار الدستوري للمؤسسات"، معتبرة ان "رئيس مجلس النواب الممدد له يضع جانبا كل هموم المواطنين".

تصاعد العجز الحكومي

الى جانب ذلك بعد جلسة استثنائية دامت نحو خمس ساعات، مجلس الوزراء اللبناني في إيجاد مخارج لأزمة النفايات المستمرة في البلاد والتي دفعت آلاف اللبنانيين للنزول إلى الشارع منتقدين الإهمال المتمادي وعجز الحكومة بفعل الانقسام السياسي بين مكوناتها. وجاء في بيان صادر عن مجلس الوزراء "قرر مجلس الوزراء عدم الموافقة على نتائج المناقصات وتكليف اللجنة الوزارية البحث في البدائل ورفعها إلى مجلس الوزراء" على خلفية الكلفة المادية المرتفعة.

وجاء قرار الحكومة بعد إعلان وزير البيئة محمد المشنوق نتائج فض عروض المناقصات الخاصة بالنفايات المنزلية في مختلف المناطق والتي فازت بموجبها شركات قريبة او محسوبة على شخصيات سياسية نافذة. واعتبرت الحكومة أن "النتائج تضمنت أسعارا مرتفعة مما يقتضي عدم الموافقة عليها"، علما أن لبنان يدفع إحدى أعلى تكاليف معالجة الطن الواحد من النفايات. وتواجه الحكومة اللبنانية ضغوطا متزايدة على خلفية فشلها في إدارة أزمة النفايات. وتدرجت مطالب المتظاهرين من الاحتجاج على أزمة النفايات وصولا إلى المطالبة باستقالة الحكومة. وتحولت التظاهرات إلى متنفس للتعبير عن الغضب المتراكم من الطبقة السياسية وحالة الانقسام السياسي في البلاد والفساد المستشري والبنية التحتية المترهلة.

وتخلل جلسة مجلس الوزراء انسحاب وزراء حزب الله والتيار الوطني الحر الذي يرأسه الزعيم المسيحي ميشال عون وحزب الطاشناق الأرمني وحزب المردة الذي يرأسه النائب سليمان فرنجية احتجاجا على ما وصفه وزير الخارجية جبران باسيل (فريق عون) بـ"مسرحية في موضوع النفايات". وتضم الحكومة التي يرأسها تمام سلام ممثلين عن غالبية القوى السياسية، وهي تتولى بموجب الدستور صلاحيات رئيس الجمهورية في ظل فشل البرلمان في انتخاب رئيس للبلاد منذ 25 أيار/مايو 2014. لكن جلسات مجلس الوزراء الأخيرة تشهد توترا بسبب خلاف حاد بين القوى السياسية على جملة ملفات حياتية سياسية وأمنية وكيفية تقاسم الحصص بينها. بحسب فرانس برس.

ولم يمنع انسحاب الوزراء الست من اجتماع المجلس من متابعة جلسته الاستثنائية التي أقرت أيضا منح منطقة عكار في شمال لبنان مبلغ مئة مليون دولار على أن يقدم على مدى ثلاث سنوات بهدف تنفيذ مشاريع إنمائية. وكانت اقتراحات سابقة أفادت بإمكانية نقل جزء من النفايات إلى منطقة عكار التي تعاني من الحرمان والنقص في المشاريع الإنمائية. لكن أهالي المنطقة سارعوا إلى رفض هذا الاقتراح ودعوا لتحركات احتجاجية.

ووصف مسؤولون ومتظاهرون ووسائل اعلام المناقصات بانها "فضيحة" وانه تم توزيعها محاصصة بين الاحزاب السياسية المتنافسة في البلاد وباسعار باهظة. وهدد رئيس الوزراء تمام سلام بالاستقالة وهاجم السياسيين قائلا إن المشكلة الأكبر في البلد هي "النفايات السياسية". وجاء في عناوين الصفحة الأولى لجريدة السفير "النفايات طلعت ريحتها: محاصصة مكشوفة وباهظة الثمن". وكتبت صحيفة النهار "محاصصة المناقصات تصطدم بعقدة الاسعار". وقال حزب الله في بيان أن "ازمة النفايات هي وجه من وجوه الفساد المستشري والمتركم خلال العقدين الاخيرين".

ووصلت العلاقات بين مجلس الوزراء والبرلمان إلى حالة من الجمود وعجز الساسة عن الاتفاق على رئيس جديد منذ أكثر من عام بينما تسببت الحرب السورية في تفاقم التوترات الطائفية ودفعت أكثر من مليون لاجيء إلى النزوح إلى لبنان. وترجع جذور هذا الجمود إلى صراع على السلطة بين كتلتين سياسيتين منقسمتين إزاء سوريا الأولى تتمثل في حزب الله المدعوم من ايران وحلفائه بمن فيهم السياسي المسيحي ميشال عون والثانية حركة المستقبل السنية في الأساس المؤيدة للغرب والمدعومة من السعودية بقيادة السياسي سعد الحريري وحلفائه.

وأدى تشكيل حكومة سلام العام الماضي بمباركة السعودية وايران إلى تجنب فراغ كامل في السلطة التنفيذية. ويشارك فيها حركة المستقبل وحزب الله والمسيحيون. لكنها واجهت صعوبات كبيرة في اتخاذ قرارات أساسية وتصاعد التوتر في مجلس الوزراء بسبب تعيينات في أجهزة الأمن والجيش.

دعم سياسي ورفض شعبي

اتخذ النقاش بشأن أزمة النفايات في لبنان وكما نقل موقع العربي الجديد، بُعداً سياسياً مع دفاع مجلس النواب عن خطة الحكومة لعلاج الأزمة، والقائمة على إنشاء مطامر جديدة. في وقت انشغل وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق في عقد لقاءات مع رؤساء اتحادات البلديات في عكار لإقناعهم بإنشاء مطامر جديدة في منطقتهم. فعقدت لجنة البيئة النيابية، جلسة في المجلس النيابي، برئاسة النائب مروان حمادة وحضور وزير الزراعة أكرم شهيب، والنواب أعضاء اللجنة، وممثلين عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، UNDP، وخبراء بيئيين.

وخلال الجلسة، اعتبر حمادة أن "الخطة الحكومية أمام أسبوع مفصلي قبل فصل الشتاء وقبل الكارثة الكبرى". مشدداً على أهمية "التوافق السياسي حولها ومُشاركة مختلف المناطق لتحمل هذه الأزمة". وأشار حمادة إلى ضغط الحراك الشعبي المُعارض لخطة الحكومة، معتبراً أن "الكلام النظري انتهي، وقد أعطى ممثلو كل القوى السياسية انطباعاً إيجابياً عن الخطة ".

ثم تحدث وزير الزراعة، أكرم شهيب، وأكد أن "الملف لا يتحمل الرفاهية، وبحاجة إلى تعاون الجميع مع اعترافنا أن لا ثقة بالدولة". ووضع شهيب فشل الخطة، إن حصل، في إطار "إسقاط آخر مرفق من مرافق الدولة وهو مجلس الوزراء الذي تبنى الخطة". كما حذر شهيب من المشاكل الاجتماعية التي يُوجدها ملف النفايات "فقرى ترمي نفاياتها عند قرى أخرى".

وفي وزارة الداخلية أوضح رؤساء اتحاد بلديات عكار في بيان بعد لقاء وزير الداخلية، أنهم "شاركوا في الاجتماع لنقل هواجس أهل عكار، لا سيما لجهة الأضرار البيئية والسلامة العامة". معلنين عن عقد مؤتمر موسع لأهالي عكار والفعاليات في وقت لاحق لدراسة خطة الحكومة. هذا وتواصل رفض الخطة من قبل الحملات المُشاركة في الحراك الشعبي، فأصدر "الائتلاف المدني الرافض للخطة الحكومية للنفايات"، الذي يضم عدداً من الناشطين البيئيين بياناً اعتبر فيه أن "اقرار الخطة يشكل خطوة ناقصة تماماً في مجال الدقة والشفافية، لإن الخطة عرضت شفهياً فقط، من دون السماح لأحد بالحصول على نسخة منها أو بقراءتها".

وأكد الائتلاف ضرورة "إقرار مبدأ التخلي عن المطامر والمحارق بكل أشكالها لمعالجة النفايات العضوية، كما بالنسبة لغير العضوية، ومنها العوادم أيضاً". ونظّم عدد من أعضاء حملة "طلعت ريحتكم"، مسيرة بالشموع من ساحة الشهداء إلى محيط وزارة البيئة، حيث يعتصم الناشطون المُضربون عن الطعام منذ أسبوعين للمطالبة باستقالة وزير البيئة، بصفته المسؤول المُباشر عن أزمة النفايات المستمرة منذ شهرين.

من جهة اخرى أبلغت شركة سوكلين الجهات المعنية أن موقع تجميع النفايات الموضوع في تصرفها في الكرنتينا لم يعد يستوعب أي كمية نفايات إضافية، وبالتالي لن تكون الشركة قادرة على رفع النفايات إلا بعد إيجاد موقع جديد. وبحسب مصادر في الشركة، ستتواصل عمليات رفع النفايات من الضاحية والبلديات الأخرى التي وفّرت مكبات تستوعب المزيد من النفايات. هذا التطوّر جاء بعد نحو أسبوع على إقرار مجلس الوزراء ما أطلق عليه اسم المرحلة الانتقالية من خطة معالجة أزمة النفايات الصلبة، التي وضعتها لجنة من الخبراء برئاسة وزير الزراعة أكرم شهيب، والتي رفضتها مجموعات الحراك المدني. هذا التطور سيفرض إيقاعاً مختلفاً عن الأيام الماضية، إذ يجري العمل على قدم وساق لجعل مقررات مجلس الوزراء خياراً وحيداً أمام الجميع، وتبرير قمع أي اعتراض على إعادة فتح مطمر الناعمة وإقامة المكبات الجديدة في المواقع المقترحة.

وشركة سوكلين وبحسب بعض المعلومات التي نقلتها مصادر اعلامية، خسرت ما يقرب من 100 مليون دولار بسبب عدم تجديد عقدي المعالجة والطمر ضمن المنطقة الخدماتية في بيروت وجبل لبنان. واشارت المعلومات الى ان إلغاء هذا العقد مثّل ضربة كبيرة لشركة سوكلين التي كانت تحتكر عقود الكنس والجمع والطمر والمعالجة والنقل لمنطقة بيروت وجبل لبنان منذ أكثر من 20 سنة. ففي عام 1994 منحت مجموعة Averda التي تشمل شركتي سوكلين وسوكومي العقود ضمن بيروت مقابل 4 ملايين دولار، وتوسعت لاحقاً لتشمل 292 بلدية في محافظة جبل لبنان، ارتفع المبلغ بسرعة إلى 102 مليون دولار في عام 1996، ولم يلبث أن بلغ 150 مليون دولار في نهاية السنة الماضية، علماً بأن كمية النفايات التي تعالجها الشركة لا تتجاوز 25% كحدّ أقصى، فيما تطمر الكميات الباقية كلّها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
4