أكثر من 124 ألف ملف من شركة «أوبر» سرّبها الرئيس التنفيذي السابق للشركة، مارك ماكغان، إلى صحيفة «غارديان». التسريبات تحوي بيانات عن 40 دولة، وتشمل فترة زمنية بين عامي 2013 و2017، أي حين كانت «أوبر» تتوسع بقوّة في أنحاء العالم من خلال انتهاك القوانين وخداع المنظّمين والشرطة واستخدام العنف ضدّ السائقين. كل ذلك حصل بواسطة رشى مالية ومجموعات الضغط لاستمالة أباطرة السياسة والإعلام من أجل تمرير قوانين مجحفة بحق سائقي الأجرة. وتظهر الملفات ما هو أسوأ لجهة استغلال المتحدثين باسم «الديمقراطيات الغربية» حتى يتاح لـ«أوبر» إدارة مونوبول هائلة.

باريس في كانون الأول من عام 2009. كان الجو بارداً جداً، والرياح عاصفة. حاول ترافيس كَلانيك وغاريت كامب إيقاف سيارة أجرة، لكن كل محاولاتهما باءت بالفشل. هذه أمور تحدث في فصل الشتاء كثيراً. لكن، ماذا لو بدلاً من ذلك قاما بطلب سيارة عبر تطبيق على الهاتف؟ فكرة خرج بها الصديقان لتتحوّل إلى شركة «أوبر كاب» متّخذة من سان فرانسيسكو مقراً لها. لاحقاً أصبحت «أوبر». وبحلول عام 2014، هيمنت «أوبر» على سوق سيارات الأجرة في الولايات المتحدة الأميركية. ورسمت لنفسها هدفاً يتمثل في السيطرة على هذا المجال في كلّ أنحاء العالم. المستثمرون كثر، مثل جيف بيزوس (مؤسس أمازون) ومصرف «غولدمان ساكس». والشركة الفتية البالغة من العمر 5 سنوات، انتشرت في 31 دولة خلال عام 2014 وحده. «أوبر» دخلت إلى هذه الدول بشكلٍ عنيف. عملياً، حاولت تطهير الشوارع من كل سائقي الأجرة الذين لا يعملون لديها. فعلى سبيل المثال، قدّمت خفوضات على الرحلات بنسبة وصلت إلى 90%. وأحياناً قدّمت رحلات مجانية. وفي هذه الأثناء كانت تدفع للسائقين نسبة كبيرة من البدل لقاء الرحلة على حساب ربحها الخاص. وكان يتم تمويل هذه الحصّة السوقية من أموال المستثمرين وحملة الأسهم لديها الذين تشجّعوا بعد رؤية توسع الشركة الخرافي.

التوسّع بالرشوة

أثارت هذه السياسة ردّ فعل سلبياً من الجهات التنظيمية وسائقي الأجرة والنقابات العمالية في بلدان الانتشار. ولتجاوز هذه العقبات، قامت «أوبر» بحسب التسريبات، ببناء وتمويل مجموعات ضغط، بميزانية عالمية مقترحة قدرها 90 مليون دولار في عام 2016 وحده. تبنّت «أوبر» شعار: «من الأفضل طلب الصفح بدلاً من الإذن». في أوروبا مثلاً، جذبت «أوبر» السائقين إلى منصّتها من خلال تقديم مكافآت وحوافز. ومع انتشارها قامت بخفض نسبة الأرباح المقدّمة لهم، وحرمت العمال من الدخل الذي كانوا يعتمدون عليه.

ضمن هذا المسار، تحولت الشركة إلى «مستثمرين استراتيجيين»، وأفراد متموّلين لديهم علاقاتهم سياسية بالغة التأثير. فعلى سبيل المثال، أول عضو في مجموعات الضغط الخاصة بـ«أوبر»، بريان ورث، المساعد السابق للزعيم الجمهوري في مجلس النواب الأميركي، كيفن مكارثي، في عام 2014. وفي مذكّراته الخاصة من بين الوثائق المسرّبة، حدّد ورث استراتيجية التوسع العالمي للشركة، بعنوان: «الاستفادة من حكومة الولايات المتحدة لدعم الأعمال الدولية لأوبر». وعُرضت على بعض أعضاء جماعات الضغط والمستشارين في «أوبر» حصص في الشركة، ومكافآت لتقديم نتائج إيجابية. فضلاً عن تقديم رحلات مجانية، ووجبات غداء باهظة، ومساهمات في حملات سياسية انتخابية، وهدايا وامتيازات أخرى.

سعت «أوبر» أيضاً إلى الاستفادة من المسؤولين الحكوميين السابقين، بمن في ذلك نيلي كروس، وزيرة النقل الهولندية السابقة التي شغلت منصب نائب رئيس المفوّضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي. وتشرح الملفات بالتفصيل، المساعدة المكثفة التي تلقّتها «أوبر» من رؤساء مثل إيمانويل ماكرون (لم يكن يشغل منصب الرئيس حينها). تقول رسائل البريد الإلكتروني إن كروس اتصلت بالوزراء وأعضاء آخرين في الحكومة لإقناعهم بالتراجع خلال قيام الشرطة بمداهمة مكاتب «أوبر» في هولندا. وخلال مداهمة أخرى بعد أسبوع، اتّصلت كروس مرة أخرى بوزير هولندي و«ضايقت» رئيس الخدمة المدنية الهولندية في رسالة بريد إلكتروني، بحسب ما تعرضه الملفات. وفي الوقت الذي نظّم فيه سائقو سيارات الأجرة الفرنسيون احتجاجات عنيفة في بعض الأحيان في الشوارع ضد «أوبر»، كان ماكرون، الرئيس الفرنسي الحالي، على تواصل مع رئيس «أوبر» المثير للجدل ترافيس كالانيك، وأخبره أنه سيعدل القوانين لصالح الشركة. ومن بين المجنّدين الآخرين لمجموعات الضغط، عدد كبير من مساعدي الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، الذين سعوا للتواصل مع وزراء الحكومة الأميركية والمسؤولين التجاريين والسفراء والقادة الأجانب.

مصادر النفوذ

تُظهر ملفات «أوبر» أيضاً استخدام الشركة تقنية تخفي البيانات لإحباط التحقيقات الحكومية. فقد قام المسؤولون التنفيذيون في الشركة بتنشيط ما يسمى بـ«Kill Switch» لقطع الوصول إلى خوادم الشركة ومنع السلطات من مصادرة الأدلة أثناء مداهمات مكاتب «أوبر» في ستة بلدان على الأقل. ويُظهر تبادل الرسائل النصية أن دايفيد بلوف، الذي أدار الحملة الرئاسية الناجحة للرئيس أوباما عام 2008، كان أحد الذين جنّدتهم «أوبر» لنشر نفوذها.

وناشدوا المسؤولين الحكوميين إسقاط التحقيقات وتغيير السياسات المتعلقة بحقوق العمال وصياغة قوانين جديدة لسيارات الأجرة وتخفيف عمليات التحقق من خلفية السائقين. تُظهر السجلات أن المسؤولين التنفيذيين في «أوبر» التقوا مع رئيس وزراء العدو آنذاك، بنيامين نتنياهو، ورئيس الوزراء الأيرلندي آنذاك إندا كيني، ورئيس إستونيا آنذاك توماس هندريك إلفيس. وفي عام 2016 سعى الرئيس الأميركي الحالي، ونائب الرئيس الأميركي آنذاك، جو بايدن، إلى عقد اجتماع مع ترافيس كالانيك في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا. وبمجرد وصول بايدن إلى الجناح الفندقي الذي وافقوا على الاجتماع فيه، قدّم كالانيك عرضه. وأظهرت السجلات أن بايدن كان منبهراً للغاية لدرجة أنه قام بتعديل خطابه الرئيسي، الذي ألقاه في وقت لاحق من ذلك اليوم، من أجل الترويج للتأثير العالمي للشركة.

في المجمل، يظهر حصول أكثر من 100 لقاء بين المديرين التنفيذيين في «أوبر» والمسؤولين الحكوميين في الفترة ما بين عامي 2014 و2016، بمن في ذلك 12 مع ممثلي المفوّضية الأوروبية.

تمييز عنصري

بالنسبة إلى السائقين، عندما يعملون مع «أوبر»، يتم تصنيفهم وكلاء أو مقاولين وليس موظفين. وهذا له بعض الفوائد مثل المرونة وفرصة اختيار ساعات العمل الخاصة بهم. ولكنه لا يوفر ذات الحماية للسائقين التي سيحصلون عليها بصفتهم موظفين في شركة. كما أنه مع صعود منافسين لـ«أوبر»، مثل شركة «ليفت»، بات هدف الشركتين خفض كلفة الرحلات من أجل استقطاب عدد أكبر من المستخدمين.

وانعكس هذا الأمر انخفاضاً في نسبة الأرباح التي كان يجنيها السائقون سابقاً. أضف إلى ذلك، أن هذه الخدمة ورغم الأمان والعدل اللذين تَعِد المستخدمين بهما، إلا أنها فشلت في منع التمييز ضدّ المستخدمين السود، إذ واجه الركاب السود تاريخاً من التمييز في أنظمة النقل تحديداً في الولايات المتحدة، أكبر مستخدم للتطبيق في العالم. وفي دراسة قام بها «المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية»، أرسلوا سائقين لتقديم نحو 1500 رحلة على طرق خاضعة للرقابة. فأشارت النتائج إلى وجود نمط من التمييز العنصري والجنسي، بحيث هناك فترات انتظار أطول للركاب الأميركيين من أصل أفريقي بزيادة تصل إلى 35%. في بوسطن أيضاً، جرت ملاحظة التمييز من قبل سائقي «أوبر» من خلال عمليات الإلغاء المتكررة للركاب عند استخدامهم لأسماء تبدو وكأنها أميركية من أصل أفريقي. وفي جميع الرحلات، كان معدل الإلغاء لأسماء الأميركيين من أصل أفريقي أكثر من الضعف مقارنة بالأسماء البيضاء. كما وجد المكتب أدلة على أن السائقين أخذوا مسافرات في رحلات أطول وأكثر كلفة في بوسطن.

احتكار عالمي

قامت «أوبر» خلال السنوات القليلة الماضية، بتحويل مهنة كانت تُعد حرة نوعاً ما وتتضمن ضمانات اجتماعية وتنظمها قوانين، إلى وظيفة يديرها تطبيق لا يأبه بحقوق أو مستقبل هؤلاء. هي خوارزمية تريد الربح فقط. ورغم محاولات الشركة التوصل إلى اتفاقيات مع شركات التاكسي الصغيرة أو نقابات سيارات الأجرة حول العالم، إلا أنها لم تنتج سوى عمليات ترقيع لن تحمي السائقين أمام الخطر القادم إليهم في السنوات القليلة القادمة، وهو سيارات الأجرة ومركبات النقل الذاتية القيادة، إذ لم يكن إسقاط كلمة «كاب» التي تعني سيارة أجرة، من اسم «أوبر» أمراً ثانوياً. بل كان الأمر بمثابة دليل على أن الشركة تنبّهت إلى أنها أكبر من مجرد شركة تاكسي. هي شركة تدير عمليات نقل. والنقل هنا ليس محصوراً بالبشر، بل يشمل الطعام أو البضائع، إذ بات هناك اليوم خدمات جديدة مثل«أوبر إيتس» لدليفري الطعام، و«أوبر إكس شير» (تشبه السرفيس حيث يتشارك المسافرون الرحلة مع آخرين) و«أوبر فرايت» لشحن البضائع.

في شهر أيار من العام الحالي، قامت «أوبر إيتس» بإطلاق مشروعين لتوصيل الطعام عبر مركبات ذاتية القيادة في لوس أنجلِس. وقالت الشركة إن البرنامج التجريبي سيقدم وجبات من مطاعم مختارة على تطبيق «أوبر إيتس». وأضافت أن شركة «Motional» توفر لـ«أوبر» الجيل التالي من سيارات الأجرة الآلية التي تعتمد على «Hyundai IONIQ 5» والتي تعمل بالكهرباء بشكل كامل مع تعديلات مدمجة للتسليم المستقلّ. وأثار الإعلان مخاوف العاملين في اقتصاد الوظائف المؤقّتة ونشطاء حقوق العمال. أما بالنسبة إلى نقل المسافرين من دون سائق، حاولت «أوبر» سابقاً تطوير أسطول من سيارات الأجرة ذاتية القيادة من خلال قسم السيارات الذاتية القيادة التابع لها، «ATG»، لكنها باعت القسم في نهاية المطاف إلى شركة «أورورا» الناشئة للمركبات الذاتية القيادة في أواخر عام 2020، بعد ورود تقارير عن وجود عقبات في برنامجها البحثي للقيادة الذاتية، بما في ذلك حادث مميت، ومشكلات في الفريق والتقنية. لكنّ الشركة تعلم أنه في نهاية المطاف، وكي تجني أرباحاً أكثر، ستدخل هذا السوق وربما عبر شراء سيارات ذاتية القيادة من شركات أخرى مثل «تيسلا».

37%

هي الحصّة التي تمتلكها شركة «أوبر» من أسهم شركة «ياندكس تاكسي» في روسيا

15%

هي الحصّة التي تمتلكها شركة «أوبر» من أسهم شركة «ديدي» في الصين

19%

هي الحصّة التي تمتلكها شركة «أوبر» من أسهم شركة «Grab» في جنوب شرق آسيا

118

مليون هو عدد الأشخاص الذين استخدموا خدمات شركة «أوبر» حول العالم في عام 2021

اضف تعليق