هذا هو السؤال الذى يملأ أروقة «وول ستريت» وضجيج منصات التواصل. الجميع يراقب سهم «إنفيديا» وقمم «ناسداك» بترقب يشوبه الخوف. لكن، ثمة حقيقة تاريخية يغفل عنها الكثيرون: الفقاعات لا تنفجر عندما يتوقع الجميع انفجارها. هي تنفجر فقط عندما نؤمن جميعاً، بلا استثناء، أنها لن تنفجر أبداً...
هذا هو السؤال الذى يملأ أروقة «وول ستريت» وضجيج منصات التواصل. الجميع يراقب سهم «إنفيديا» وقمم «ناسداك» بترقب يشوبه الخوف. لكن، ثمة حقيقة تاريخية يغفل عنها الكثيرون: الفقاعات لا تنفجر عندما يتوقع الجميع انفجارها. هى تنفجر فقط عندما نؤمن جميعاً، بلا استثناء، أنها لن تنفجر أبداً.
اليوم، نحن نعيش فى حالة معاكسة تماماً. نحن نعيش فى مرحلة «الشك» لا «اليقين المطلق»، وهذا بحد ذاته هو الوقود الذى يطيل عمر هذه الدورة المالية.
دروس التاريخ: التحذيرات المبكرة هى «صافرة البداية»
إذا نظرنا إلى كبرى الفقاعات التاريخية؛ من «دوت كوم» (1995-2000)، إلى فقاعة الإسكان (2005-2008)، سنجد نمطاً متكرراً: التحذيرات تسبق الانهيار بسنوات. فى عام 1997، بدأ الاقتصاديون بالصراخ حول مبالغة تقييم شركات التكنولوجيا، لكن الانفجار لم يحدث إلا فى عام 2000.
وفى عام 2005، كانت التقارير تحذر من تضخم سوق العقار الأمريكى، لكن الانهيار لم يقع إلا فى أواخر 2007. التحذيرات المبكرة لا تقتل الفقاعة؛ بل تؤكد دخولنا فى «مرحلة التسارع». نحن الآن فى هذه المرحلة بالضبط، حيث يرتفع الأنين والتشكيك، بينما يستمر رأس المال والسيولة فى التدفق بقوة أكبر.
غوغل تريندز: الخوف لا يزال سيد الموقف
هناك مؤشر نفسى بسيط ولكنه عميق: «غوغل تريندز». عندما تبحث عن عبارة «فقاعة الذكاء الاصطناعي» (AI Bubble)، تجد أن معدلات البحث لا تزال مرتفعة جداً.
تاريخياً، منطقة الخطر الحقيقية تبدأ عندما يختفى هذا البحث، عندما يتوقف الناس عن التشكيك ويصبح الإيمان بالصعود الدائم هو العقيدة السائدة. طالما أن الناس يخشون الانهيار ويبحثون عنه، فالسوق لا يزال يمتلك مساحة للصعود. الانهيارات تحدث فى ذروة «الطمأنينة»، وليس فى ذروة «القلق».
لغة الأرقام: هل نحن فى عام 1999؟
دعونا نتحدث بلغة الأرقام لنرى مدى قربنا من الهاوية. فى ذروة فقاعة «دوت كوم»، حقق مؤشر «ناسداك» مكاسب بلغت 12 ضعفاً فى 5 سنوات. أما اليوم، فمؤشر «ناسداك» حقق قرابة 88% فقط فى السنوات الخمس الماضية.
حتى من حيث التقييمات (P/E Ratio):
فى عام 2000، كان مكرر ربحية «ناسداك» يصل إلى 60x.
اليوم، يقف مكرر الربحية عند قرابة 26x.
نعم، التقييمات مرتفعة، لكنها ليست «انتحارية» كما كانت فى الماضى. الشركات اليوم، مثل «إنفيديا» و«مايكروسوفت»، تحقق أرباحاً حقيقية وتدفقات نقدية ضخمة، على عكس شركات عام 1999 التى كانت تُقيّم بناءً على عدد الزيارات لمواقعها الإلكترونية فقط.
ديون الهامش (Margin Debt): الوحش الذى لا يزال جائعاً
وصلت ديون الهامش — وهى الأموال التى يقترضها المستثمرون للمضاربة — إلى رقم قياسى قدره 1.1 تريليون دولار. هذا الرقم قد يبدو مرعباً، لكن تاريخياً، لا تنفجر الفقاعة إلا بعد أن تبدأ هذه الديون بالانكماش الحاد. حالياً، لا يزال المستثمرون فى حالة «نهم»، والسيولة لا تزال تتوسع، مما يعنى أن دورة المضاربة لم تصل إلى نهايتها بعد.
تركيز السوق: الصعود «الأعرج»
هناك تفصيل فنى فى غاية الأهمية: إذا نظرنا إلى مؤشر (S&P 500 Equal-Weight)، الذى يعطى وزناً متساوياً لجميع الشركات، نجد أنه ارتفع بنسبة 10% فقط خلال العام الماضى.
هذا يعنى أن الصعود الحالى محصور فى عدد قليل من العمالقة (Nvidia، Apple، Amazon، Google). قمة الفقاعة الحقيقية تتطلب «مشاركة جماعية»؛ تتطلب أن يرتفع كل شيء بلا استثناء. نحن لا نرى ذلك الآن، مما يشير إلى أننا لا نزال فى مرحلة البناء، وليس فى مرحلة الإشباع.
المحرك الماكرو: السيولة هى الملك
لا يمكننا قراءة الأسواق بمعزل عن السياسة النقدية. الفيدرالى الأمريكى بدأ يتجه نحو التيسير، والسياسات الاقتصادية الأمريكية القادمة تهدف إلى إعادة رأس المال العالمى إلى الداخل الأمريكى.
مع توقعات وصول الدين الفيدرالى إلى مستويات 50-55 تريليون دولار بحلول 2029، فإن هذه الأموال فى النهاية ستجد طريقها إلى الأصول المالية. ضخ السيولة من اليابان والصين والولايات المتحدة سيخلق «وسادة» تدعم أصول المخاطرة لفترة أطول مما يتخيله المتشائمون.
الخاتمة: متى يحين وقت القلق؟
بناءً على التوقيت التاريخى، والتقييمات الحالية، ودورة السيولة، يبدو أن القمة الحقيقية لفقاعة الذكاء الاصطناعى ليست فى 2025، بل ربما فى عامى 2027 أو 2028.
هذا لا يعنى أن الطريق سيكون ممهداً؛ سنرى تصحيحات قاسية، وتذبذبات تخرج الضعفاء من السوق، وحالات ذعر مؤقتة. لكن الاتجاه العام لا يزال صاعداً. نحن لا نزال فى مرحلة «النمو الحذر»، ولم نصل بعد إلى مرحلة «الهوس الجماعي» حيث يبيع الجميع منازلهم للاستثمار فى أسهم التكنولوجيا.
سأستمر فى مراقبة هذه الأرقام معكم، فالفرق بين الثروة والإفلاس هو «التوقيت»، والتوقيت يتطلب عيناً باردة ترى ما وراء العناوين العاطفية.



اضف تعليق