بعد عام على اقتحام أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب الكابيتول وإغلاقهم الكونغرس، ما زال الأميركيون بانتظار محاسبة المسؤولين عن عملية مثّلت تحديا غير مسبوق للديموقراطية في الولايات المتحدة.

وما زال السؤال نفسه مطروحا: هل كانت مجرّد تظاهرة تحوّلت إلى أعمال شغب أم تمرّدا أو محاولة انقلاب خطط لها ترامب؟

وتعد التسجيلات المصوّرة العائدة إلى ذلك اليوم السادس من كانون الثاني/يناير 2021 شاهدة على العنف الذي ارتُكب باسم الرئيس السابق.

يظهر في التسجيلات مهاجمون أثناء ضربهم عناصر الأمن بقضبان حديدية وهراوات، فيما يبدو شرطي في أحد الممرات وهو يتأوّه ألما.

وهتف المهاجمون الذي كانوا يحملون معدات الاعتداء "اشنقوا مايك بنس"، وهو نائب الرئيس الذي فر من المكان إلى جانب نواب ديموقراطيين وجمهوريين. وقُتلت امرأة بإطلاق نار في ممر في الكابيتول.

وشكّل الاعتداء الذي استمر لساعات صدمة للأميركيين والعالم، الذي اعتاد على الولايات المتحدة كنموذج لدولة ديموقراطية تتمتّع بالاستقرار.

وبعد عام، ما زالت محاولة منع الرئيس الديموقراطي جو بايدن من تولي السلطة بعد فوزه بانتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2020 بانتظار المحاسبة.

وقال بايدن في تموز/يوليو "حتى خلال الحرب الأهلية، لم يخرق المتمرّدون الكابيتول، حصن ديموقراطيتنا".

وأضاف "لم تكن هذه معارضة. كانت خرقا للنظام ومثّلت أزمة وجودية واختبارا بشأن إن كان بإمكان ديموقراطيتنا الاستمرار".

وبعد عام، تم توجيه اتهامات لأكثر من 700 شخص بالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون واقتحام قاعات الكونغرس.

وكشفت التحقيقات عن جهود منسّقة قام بها ترامب وحلفاؤه لمنع بنس من ترؤس عملية مصادقة الكونغرس على بايدن كرئيس منتخب قانونا.

ويتردد سؤال في هذا الصدد مفاده: كيف يرتبط الهجوم بمحاولات ترامب؟

تحقق لجنة خاصة في مجلس النواب في الأمر، لكن كلّما تعمّقت أكثر في القضية، ازدادت حساسيتها. ففرضا لو عثرت على أدلة تشير إلى أن ترامب حرّض عن قصد على الهجوم، أو خطط للبقاء بشكل غير قانوني في السلطة، فهل تخاطر بإثارة مزيد من الاضطرابات عبر المطالبة بملاحقة جنائية غير مسبوقة تستهدف رئيسا سابقا؟

وفي الذكرى السنوية الأولى للاعتداء التي توافق الخميس، أمرت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي بـ"مراسم رسمية" في الكونغرس.

وأما ترامب، الذي ما زال يعد الشخصية الأكثر نفوذا في الحزب الجمهوري، فيخطط لإحياء ذكرى السادس من كانون الثاني/يناير على طريقته الخاصة في بالم بيتش في فلوريدا، حيث يقول إنه سيركّز على انتخابات 2020 الرئاسية "المزوّرة".

ورغم أنه لم يقدّم أي أدلة على أن الانتخابات كانت مزورة، تظهر الاستطلاعات بأن حوالى ثلثي الناخبين الجمهوريين يؤيّدونه.

بدروهم، يدرك النواب الجمهوريون بأن ترامب قادر على الدفع بهم قدما أو سحقهم سياسيا، وبالتالي يفضّل معظمهم إرضاؤه. حتى أن بنس لم يدل بأي تصريح ضده.

وعلى العكس، يسعى الحزب لاستعادة السلطة في انتخابات الكونغرس المرتقبة العام الجاري وفي اقتراع 2024 الرئاسي، والذي قد يترشّح ترامب لخوضه مجددا.

جهود منسقة لإلغاء نتائج الانتخابات

وبات تسلسل الأحداث التي قادت إلى السادس من كانون الثاني/يناير 2021 أكثر وضوحا.

وقبل شهور من موعد الانتخابات، أعلن ترامب بأنها ستكون مزوّرة ولن يقبل بالخسارة.

وعندما بات فوز بايدن واضحا ليلة الانتخابات، رفض ترامب التنازل.

وعلى مدى ستة أسابيع، سعى مع أنصاره لإلغاء الأصوات التي تم فرزها في ولايات رئيسية عبر رفع دعاوى قانونية والضغط على مسؤولي الولايات.

وعندما فشلت جهودهم في هذا الصدد، تركّزت أنظارهم على السادس من كانون الثاني/يناير، عندما يعقد بنس اجتماعا لمجلسي الكونغرس للمصادقة على فوز بايدن.

ودعا ترامب أنصاره للتوجه إلى واشنطن قائلا في تغريدة "تظاهرة كبيرة في واشنطن بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير. كونوا هناك، ستكون (التظاهرة) صاخبة!".

كما ضغط ترامب وأنصاره على بنس لعدم المصادقة على النتيجة، بناء على تبريرات قانونية حددها ونشرها حلفاء ترامب بينهم كبير موظفيه مارك ميدوز وبعض النواب الجمهوريين.

وفيما استعد الكونغرس للالتئام، قال ترامب لأنصاره خلال تجمّع في البيت الأبيض إن الانتخابات كانت "مزوّرة" وتعهّد "عدم التنازل إطلاقا".

وأشار إلى بنس هو المفتاح قائلا "إذا قام مايك بنس بالأمر الصحيح، فسنفوز بالانتخابات".

وحضّ الحشد على التوجّه إلى الكونغرس و"القتال".

وبالتالي، سار الآلاف باتّجاه الكابيتول، بينهم أعضاء في مجموعات ناشطة هي "براود بويز" و"أوث كيبرز"، ارتدى العديد منهم سترات واقية وخوذات.

وفي فندق قريب، أدار حلفاء ترامب "غرفة حرب" كانوا على تواصل منها مع الأشخاص في الشارع والمكتب البيضاوي والنواب الجمهوريين في الكونغرس.

وأدى الاعتداء العنيف الذي أعقب ذلك إلى إغلاق الكابيتول وأوقف جلسة المصادقة، فيما فر النواب وقتل خمسة أشخاص وأصيب العشرات بجروح.

واستغرقت استعادة الشرطة والقوات الفدرالية السيطرة على الكابيتول وإبعاد المهاجمين أكثر من ست ساعات.

وأخيرا، صادق بنس في جلسة صباح السابع من كانون الثاني/يناير رسميا على بايدن كرئيس منتخب.

مسارعة لاستكمال التحقيق

اعتقد كثيرون أن تدابير عزل ترامب التي سرعان ما أعقبت الحادثة خلال الأسبوعيين التاليين وتنصيب بايدن في 20 كانون الثاني/يناير، ستطوي هذه الصفحة لتكون فصلا من فصول التاريخ.

لكن ترامب بقي في الواجهة، فعزز سيطرته على الحزب الجمهوري ورفض جميع الانتقادات وتعهّد العودة إلى الساحة السياسية. بدورهم، يطالب الديموقراطيون بالمحاسبة.

وقال عضو الكونغرس الديموقراطي بيني ثومبسن، الذي يقود تحقيق مجلس النواب، إن "عدم القيام بتحرّك ما أو تجاوز (ما حصل)، ليس خيارا بكل بساطة".

وسيكون على اللجنة، التي استجوبت أكثر من 300 شخص، استكمال عملها قبل انتخابات منتصف الولاية المرتقبة في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، التي قد تعيد سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب، ما سيعني إلغاء التحقيق.

وفي كانون الأول/ديسمبر، أكدت نائبة رئيس اللجنة ليز تشيني (وهي من بين مجموعة صغيرة من الجمهوريين الداعمين للتحقيق) بأن أنظار اللجنة تتركّز على ترامب.

وقالت "لم يكن هناك مبرر أقوى في تاريخ أمتنا لإجراء تحقيق في الكونغرس في أفعال رئيس سابق. لا يمكننا الاستسلام لجهود الرئيس ترامب الرامية لإخفاء ما حصل".

لكن خبراء يشيرون إلى أن الكشف عن الحقيقة الكاملة لما حصل في السادس من كانون الثاني/يناير يحمل مخاطر سياسية هائلة لإدارة بايدن. لكن تركها طي الكتمان خطير أيضا.

وأفاد الخبير السياسي من معهد بروكينغز وليام غالستون فرانس برس أن "السادس من كانون الثاني/يناير كان نذيرا بشأن خطر واضح وحاضر". وأضاف "أخفقت جهود إلغاء نتائج انتخابات ديموقراطية".

وأردف "هل سيكون الأمر كذلك بعد ثلاث سنوات من الآن؟ الأمر غير واضح. لأن الأشخاص الذين كانوا عازمين على إلغاء تداعيات انتخابات 2020 تعلموا الكثير".

يوم عار دائم ونقطة سوداء

وقال زعيم الديموقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر قبل أيام قليلة على الذكرى السنوية إن "السادس من كانون الثاني/يناير 2021 سيبقى في الذاكرة إلى الأبد يوم عار دائم ونقطة سوداء دائمة في تاريخ الديموقراطية الأميركية".

أضاف "كان الهدف من ذلك إلغاء ديموقراطينا. نشكر الله أنهم فشلوا في ذلك".

ويقصد شومر حشود المتظاهرين الذين جاؤوا حاملين أعلاما عليها اسم "ترامب"، ووقفوا قبل عام في نفس المكان حيث كان شومر يلقي كلمته في الكابيتول.

وكان من بين تلك الحشود الناشط في حركة كيو-آنون الذي بات معروفا بخوذته التي تحمل قرنا حيوان البيسون، وجاء عاري الصدر حاملا ميكروفونا.

ومن المقرر ايضا إجراء حوار بين مؤرخين بهدف "وضع أسس وحفظ رواية" السادس من كانون الثاني/يناير. فحتى داخل المؤسسة التي تم اقتحامها، يدور نقاش حاد حول حقيقة ما حدث.

في الأشهر القليلة الماضية سعى مسؤولون منتخبون مقربون من ترامب للدفع برواية مختلفة عن تلك التي يرويها الديموقراطيون.

ويقولون إن السادس من كانون الثاني/يناير كان مجرد أعراض لكل الأخطاء التي حدثت، وبأن الموقوفين على خلفية الأحداث هم "سجناء سياسيون".

وقبل أقل من عام على انتخابات نصفية حاسمة، يطلق البعض من زملائهم دعوات فاترة للمضي قدما.

وقالت الجمهورية جوني إرنست العضو في مجلس الشيوخ "لدينا دوائر انتخابية علينا العمل من أجلها، يجب أن ينصب تركيزنا هناك". والعديد من زملائها قرروا عدم حضور فعاليات الخميس.

الكثير من الأذى والألم

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي وفي المنشورات الصحافية بل حتى في أروقة هذه المؤسسة المهيبة، تثير الروايات المتعددة والمتضاربة لتلك الأحداث نقاشا حادا. وجراح السادس من كانون الثاني/يناير لا تزال مفتوحة.

وقال السناتور الديموقراطي كوري بوكر لوكالة فرانس برس "أعتقد أنه لا يزال هناك الكثير من الأذى والألم، لكن حصلت أمور جيدة كثيرة".

وقد أزيلت الألواح الخشبية الكبيرة التي كانت تسد بعض النوافذ لأشهر، فيما استُبدلت الألواح الزجاجية المكسرة التي ظلت حتى وقت قريب تذكر الجميع بأعمال العنف التي وقعت في ذلك اليوم من شهر كانون الثاني/يناير.

وأكد قائد شرطة الكابيتول في مؤتمر صحافي أن مبنى الكونغرس الأميركي آمن.

وأعلن ترامب إلغاء المؤتمر الصحافي الذي كان مقرّراً أن يعقده الخميس في فلوريدا بمناسبة ذكرى اقتحام الكونغرس. وقال إنه سيتحدث في 15 كانون الثاني/يناير في تجمع في ولاية أريزونا.

وأضاف أنّه قرّر إلغاء هذا المؤتمر الصحافي "في ضوء الانحياز الكامل وانعدام النزاهة" اللذين برهنت عنهما، على حدّ قوله، كلّ من اللجنة البرلمانية التي تحقّق في ملابسات اقتحام مقرّ الكونغرس، ووسائل الإعلام "المضلِّلة".

بايدن يوجه أصابع الاتهام إلى ترامب

في خطاب اتّسم بنبرة هجومية غير مسبوقة، اتّهم الرئيس الأميركي جو بايدن بعد عام من الهجوم على الكابيتول سلفه دونالد ترامب بمحاولة "منع الانتقال السلمي للسلطة" متعهدًا عدم السماح لأي كان بـ"طعن الديموقراطية" الأميركية.

واتّهم بايدن سلفه بأنه "حاول منع الانتقال السلمي للسلطة" أثناء "تمرّد مسلّح" في السادس من كانون الثاني/يناير 2021.

وقال الرئيس الذي لم يشنّ يومًا هجومًا مباشرًا إلى هذه الدرجة على ترامب، إن "رئيس الولايات المتحدة السابق اختلق ونشر شبكة من الأكاذيب عن انتخابات 2020، قام بذلك لأنه يثمّن السلطة على المبادئ، لأنه يرى أن مصلحته الشخصية أهم من مصلحة بلده"، مضيفًا أن "غروره المجروح أهم بالنسبة إليه من ديموقراطيتنا".

سارع ترامب للردّ على بايدن، فاعتبر في بيان أن خطاب خلفه الذي تراجعت شعبيته إلى مستوى منخفض جدًا، ليس إلا "مسرحية سياسية" لصرف الأنظار عن "فشله".

وحذر بايدن في خطابه من أنه "علينا أن نقرر اليوم أي أمة سنكون. هل سنكون أمة تقبل بأن يصبح العنف السياسي هو القاعدة؟ هل سنكون أمة تسمح لمسؤولين رسميين محازبين بأن يطيحوا الرغبة التي عبر عنها الشعب بشكل قانوني؟ هل سنكون أمة لا تعيش في ضوء الحقيقة إنما في ظل الكذب؟"

وأضاف الرئيس الأميركي "لا يمكننا تحمل أن نصبح أمة من هذا النوع"، معتبرًا أن الولايات المتحدة تخوض في الداخل وفي الخارج "معركة بين الديموقراطية والاستبداد".

وتابع "لم أسعَ لخوض هذه المعركة"، في حين أن 55% فقط من الأميركيين يعتبرون أن بايدن هو الفائز الشرعي في الانتخابات الأخيرة، وفق استطلاع للرأي أُجري أخيرًا.

وقال بايدن "لن أسمح لأي كان بطعن الديموقراطية. سأصمد أمام هذا الخرق وسأدافع عن هذه الأمّة".

ويشكل هذا الخطاب منعطفًا، وكأن بايدن اختار إعطاء طابع أكثر عدائية لولايته بعدما كان يريدها في البداية تصالحية، عبر معاملة ترامب وأنصاره الأكثر شراسةً باحتقار.

إلا أن المصالحة تبدو بعيدة جدًا إذ إن ذكرى السادس من كانون الثاني/يناير البعيدة كلّ البعد عن كونها لحظة وحدة وطنية، عكست الخميس الانقسامات السياسية العميقة في الولايات المتحدة.

فقد نشر زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل بيانًا اتّهم فيه الديموقراطيين ب"استغلال" سياسي لذكرى الهجوم على مقر الكونغرس "للترويج لأهداف سياسية حزبية كانت موجودة قبل هذا الحدث" واصفا السادس من كانون الثاني/يناير 2021 على أنه "يوم قاتم للكونغرس ولبلادنا".

من جانب الجمهوريين، قلة هم الذين يجرؤون على انتقاد ترامب بشكل علني، على غرار السيناتور الجمهوري ميت رومني. وكتب هذا المعارض علنًا لترامب على توتير الخميس "نعرّض أنفسنا للخطر عبر تجاهل دروس السادس من كانون الثاني/يناير. الديموقراطية هشّة: لا يمكن أن تستمرّ من دون قادة صادقين وشجعان يهتمّون بصلابة جمهوريتنا أكثر مما يهتمّون بالفوز في الانتخابات المقبلة".

ماذا يمكن أن يفعل بايدن؟

مهما كانت نظرية المؤامرة الانتخابية سخيفة، إذ حكم قاض فدرالي في ولاية بنسلفانيا بأن قضية ترامب "مفككة تفتقر إلى حجة قانونية مقنعة أو دليل واقعي يدعمها"، يعتبرها ملايين الأميركيين حقيقة.

وتظهر استطلاعات الرأي باستمرار أن حوالى 70 في المئة من الجمهوريين يعتقدون أن بايدن انتخب بطريقة غير شرعية.

وأظهر استطلاع جديد أجرته "واشنطن بوست" وجامعة ميريلاند أن هذه النسبة تبلغ 58 في المئة. من ناحية أخرى، وجد الاستطلاع نفسه أن 40 في المئة من الجمهوريين، مقارنة ب23 في المئة من الديموقراطيين، يعتقدون أن العنف ضد الحكومة مبرر في بعض الأحيان.

أصبحت محاربة ما روجه ترامب على أنه "سرقة"، أيديولوجية سياسية في حد ذاتها، مع تجنب جميع النواب الجمهوريين تقريبا انتقاد ما حدث في 6 كانون الثاني/يناير، أو دفاعهم بنشاط عن الهجوم.

وقالت لارا براون، مديرة كلية الدراسات العليا للإدارة السياسية في جامعة جورج واشنطن، إن مزيجا من السياسيين الاستغلاليين يسعون إلى كسب ترامب والناخبين الذين يصدقون ما يقال لهم، وهو ما بات يشكل قوة معتبرة.

وأضافت "الأمر المخيف في ما نحن فيه الآن، ليس مجرد أن هذه هجمات نخبة، بل أن حركات شعبية تعززها".

وتابعت "لم تكن الجماعات اليمينية المتطرفة هي وحدها التي نظمت" أحداث 6 كانون الثاني/يناير "كان مواطنون أميركيون عاديون مقتنعين بهذه الفكرة".

من غير الواضح ما الذي يمكن أن يفعله بايدن لتغيير هذه الديناميكيات.

من جانبها، حضّت العالمة السياسية والخبيرة الديموقراطية في استطلاعات الرأي رايتشل بيتكوفر بايدن على مواجهة ترامب بشكل أكثر عدوانية، بدلا من التمسك بالتظاهر بأن ترامب لم تعد له أهمية.

وقالت إن بايدن "لا يحيي ذكرى حدث انتهى. إنه يحيي ذكرى حدث جار وقد يزداد سوءا. هناك إحجام فعلي عن الاعتراف بمدى شراسة هجوم اليمين على الديموقراطية".

ومع ذلك، أشارت براون إلى أن بايدن ليست لديه مساحة كبيرة للمناورة لأن الهجوم المباشر على ترامب قد يبدو كأنه "مطاردة سياسية"، وهو بالضبط ما يتحدث عنه الرئيس السابق في نظريات المؤامرة الخاصة به.

أسابيع ترامب الأخيرة في البيت الأبيض

تسعى عدة كُتُب ولجنة برلمانية إلى الإضاءة على الأسابيع الأخيرة في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، راسمةً بذلك تدريجيًا صورة أوضح للديموقراطية المعرّضة لخطر وجودي في الولايات المتحدة.

وتُشدّد لجنة مجلس النواب المكلفة بالتحقيق في أحداث الكابيتول في 6 كانون الثاني/يناير 2021 قبضتها على الرئيس السابق والمحيطين به.

وقضت محكمة استئناف في واشنطن بأن دونالد ترامب لا يمكنه التذرّع بالامتيازات الرئاسية ليهرب من تزويد اللجنة بوثائق متعلقة بالاتصالات الداخلية في البيت الأبيض.

وكبير موظفي البيت الأبيض السابق مارك ميدوز مهدّد، مثل غيره من المتعاونين السابقين، بالملاحقة الجنائية لرفضه التعاون مع اللجنة التي استجوبت 300 شاهد حتى اللحظة، مركّزة في قضيتها على مناورات دونالد ترامب لتغيير نتائج انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2020 الرئاسية واحتمال أنّها قد تكون شكلت محاولة انقلاب.

وفي ما يلي ما جرى في الأسابيع الأخيرة وصولًا إلى 6 كانون الثاني/يناير:

ترامب مقتنع بأنه سيبقى في البيت الأبيض

شكّل رفض ترامب لنتائج التصويت في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2020 التي جعلت من جو بايدن رئيسًا للولايات المتحدة، عنصرًا أساسيًا من استراتيجية مدروسة للبقاء في السلطة.

واستهدفت الاستراتيجية بسرعة حفل التصديق على النتائج في الكونغرس من قبل نائب الرئيس في حينها مايك بنس، وهو إجراء عادي يلي الانتخابات.

منذ منتصف كانون الأول/ديسمبر 2020، كان المحامي جون ايستمان يطوّر لدونالد ترامب خطّة دقيقة لاستغلال الثغرات في قانون احتساب الأصوات ومنع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض.

وتحت الضغط، استشار مايك بنس دان كويل، نائب الرئيس السابق جورج بوش الأب، الذي أكد له أن لا مجال للتلاعب بموجب القانون وأن عليه الاعتراف بفوز جو بايدن.

وقال مايك بنس بحسب كتاب "بيريل" للصحافييْن بوب وودورد وروبرت كوستا من صحيفة واشنطن بوست "لا يمكنكم تخيّل الوضع الذي أنا فيه ... هناك من يعتقد أن لدي هذه القدرة".

وفي فندق فخم في واشنطن، تشكّلت في 5 و6 كانون الثاني/يناير 2021 "خلية أزمة" من مستشارين، منهم ستيف بانون أحد مهندسي فوز ترامب في انتخابات 2016. وتكررت اتصالاتهم بالبيت الأبيض في هذه الفترة.

خوف البنتاغون ووكالة الاستخبارات الأميركية من حدوث انقلاب

أثار رفض دونالد ترامب الاعتراف بهزيمته مخاوف من أن يستخدم القوة العسكرية ليبقى في الحكم.

ويورد كتاب "بيريل" حديثًا بين مديرة وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) جينا هاسبل ورئيس أركان الجيوش الأميركية الجنرال مارك ميلي قبل أيام من انتخابات الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2020. وفي المحادثة، تقول هاسبل "نتّجه مباشرة نحو انقلاب يحرّض عليه اليمين. إنه جنون محض".

خوف من النزاع

ويستحضر كتاب "بيترايل" للصحافي في قناة "أي بي سي" جوناثان كارل، مثل ما يفعل كتاب "بيريل"، خطط دونالد ترامب لضرب إيران في الأسابيع الأخيرة من ولايته وصعوبة اقناعه بتغيير رأيه من قبل مستشاريه ووزرائه، بما في ذلك وزير الدفاع بالإنابة كريس ميلر.

وكانت الصين أيضًا قلقة بسبب عجزها عن توقع تصرفات ترامب خلال تلك الأسابيع التي غاب فيها الاستقرار، حتى أن الجنرال ميلي قرّر في نهاية تشرين الأول/أكتوبر أن يتصل بنظيره الصيني لطمأنته وتجنيب أن تولّد المخاوف الصينية تصعيدًا عسكريًا.

وقال للجنرال لي زيوشنغ "أودّ أن أؤكّد لكم أن الحكومة الأميركية مستقرّة" و"لن نهاجمكم ولن نقوم بعمليات عسكرية ضدّكم".

وكرّر كلمته بعد شهرين، قائلًا "إن الديموقراطية تتسم بالفوضى في بعض الأحيان".

رئيس غير متّزن

وبعد الصدمة التي أثارها هجوم 6 كانون الثاني/يناير على الكابيتول، بحث العديد من المسؤولين الجمهوريين، بمن فيهم وزراء في الحكومة، السبل الدستورية للإطاحة بدونالد ترامب ولكن دون ان تُثمر جهودهم.

وأكّد مايك بنس أخيرًا فوز جو بايدن ليلة 6 إلى 7 كانون الثاني/يناير بعيد إخراج المهاجمين من مبنى الكابيتول وعودة الهدوء إلى العاصمة الفيدرالية، غير أنّه رفض النظر في الآليات المؤسسية التي كانت ستسمح بالاطاحة بالرئيس.

ودعت رئيسة مجلس النواب الديموقراطية نانسي بيلوسي مارك ميلي لتطلب منه منع "رئيس غير متّزن" من الضغط على الزر النووي، في محادثة نشرتها على الفور.

وردّ الجنرال بحسب كتاب "بيريل" بالقول إن "الأزرار النووية آمنة" مضيفًا "أستطيع أن أؤكّد لكم أن ذلك لن يحدث".

واستدعى الجنرال ميلي أكبر الضباط الأميركيين، طالبًا منهم أن يعرضوا عليه مسبقًا أي أمر صادر من دونالد ترامب.

اضف تعليق