السلطة لا تملك، بل تمارس، فهي إرادة قوة وتوجد حيثما وجد الصراع

الناس بطبيعتهم يخافون المجهول والحرية المنفصلة عن السلطوية مسؤولية صعبة

الحكم بعد سقوط الاستبداد في العراق لن يختلف ما دامت القوة متمركزة

لا بد من التفريق بين هيبة الدولة وهيبة السلطة

الابتعاد عن الرمزية للقائد الضرورة والدكتاتور والمنقذ والاعتماد على المؤسسات

عقد مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث حلقته النقاشية في ملتقى النبأ الأسبوعي حيث ناقش موضوعا تحت عنوان (السلطوية والديمقراطية.. العراق انموذجا)، شارك في الملتقى عدد من الكتاب والباحثين ذوي التوجهات المختلفة.

نص الورقة التي نوقشت قدمها واعدها مدير المركز حيدر الجراح على الشكل التالي:

في مؤلفه الشهير "الاقتصاد والمجتمع"، يحدد ماكس فيبر السلطة كالتالي: "السلطة تعني فرصة الفرد في فرض إرادته داخل علاقة اجتماعية معينة، على الرغم من وجود مقاومة لذلك".

ونظراً إلى الأهمية التي يحتلّها مفهوم السلطة في أبحاث العلوم الاجتماعية، فقد تم بعث هذا المفهوم من جديد مع السوسيولوجي الفرنسي جورج بلانديه. ففي كتابه "الأنثروبولوجيا الأفريقية ومسألة السلطة"، يوضح أن السلطة مفهوم غامض، وهي تحيل، في نظره، إلى القدرة على تحريك القوى، إذ إنّ سوء استعمالها يؤدي إلى العنف، وبالتالي إلى اختلال في النظام، فهي عنصر منظّم للتراتبية الاجتماعيّة، والهيمنة والمنافسة من صميم السلطة.

اما عند ميشال فوكو فالسلطة لها القدرة على التغلغل والتسلل في عمق النسيج الاجتماعي كله، فهي توجد بين رب العمل والعامل، بين الوالدين والابن، بين المعلم والتلميذ.. وهي العلاقات التي تنجز في أرض الواقع بتكتيك جد معقد، فالسلطة عند فوكو لا تملك، بل تمارس، فهي عبارة عن إرادة قوة وتوجد حيثما وجد الصراع، فهي لا توجد بين أيدي البعض أو يتم تقاسمها بين عدد ضئيل من أصحاب الامتيازات على حساب الآخرين، وليست خاصة بطبقة اجتماعية، وإنما هي العنصر الذي يمر بين الجميع من أجل ربطهم وفصلهم في الآن ذاته، فالسلطة حاضرة دوما حتى في الأماكن التي ليس من السهل أن ينتبه إلى وجودها، كحضورها مثلا في مختبرات البحث أو دور النشر أو قاعات المحاضرات..

تتميز السلطوية بالقوة المركزية شديدة التركيز والتي يُحافظ عليها من خلال القمع السياسي واستبعاد المنافسين المحتملين. تستخدم السلطوية حزبا سياسيا وتنظيمات متعددة بهدف تحريك الشعب نحو أهداف النظام. وضع أستاذ العلوم السياسية آدم برزيفورسكي نظرية تقول بأن "التوازن السلطوي يستند بصورة أساسية على الأكاذيب والخوف والرخاء الاقتصادي.

تميل السلطوية إلى تبجيل الممارسة غير الرسمية وغير المنظمة للنفوذ السياسي، فالقائد الذي "يعين نفسه وحتى إن تم انتخابه لا يمكن أن يعزله الاختيار الحر للمواطنين لصالح المنافسين"، والحرمان من الحريات المدنية، وعدم تحمل المعارضة البناءة ذات المعنى.

يحاول النظام السلطوي عن طريق عدد من الضوابط الاجتماعية كمحاولة لقمع المجتمع المدني، في حين يتم الحفاظ على الاستقرار السياسي من خلال السيطرة والحصول على تأييد القوات العسكرية، والتي تكون بيروقراطية عينها النظام نفسه، وخلق طاعة للنظام من خلال طرق تنشئة اجتماعية مختلفة وغرس وتلقين العقائد.

قد يتم إضعاف الأنظمة السياسية من خلال "الأداء الضعيف الذي لا يصل إلى مطالب الشعب". كتب فستال أن الميل نحو الرد على التحديات التي تواجهها السلطوية عن طريق إحكام السيطرة بدلا من التكيف هو أحد نقاط الضعف الهامة، وأن هذا الأسلوب القاسي يفشل في "التكيف مع التغيرات أو مع المطالب المتزايدة من جانب الشعب أو حتى من المجموعات داخل النظام نفسه". لأن الشرعية السياسية للنظام تعتمد على الأداء، تفشل الأنظمة السلطوية في التكيف وقد تسقط.

يقترح جون داكت وجود رابط بين السلطوية والجماعية، مؤكدا على أن كلا منهما يقف في وجه الفردانية. كتب داكت أن كلا من السلطوية والجماعية تطمس الحقوق والأهداف الفردية لصالح أهداف المجموعة وتوقعاتها والامتثال لها.

مقارنة بالشمولية، "تحافظ الدولة السلطوية على فصل واضح بين الدولة والمجتمع، حيث تهتم فقط بالقوة السياسية وطالما لا يوجد أي منافسة لها تقدم الدولة للمجتمع درجة ما من الحرية. على الجانب الآخر، تقتحم الشمولية الحياة الخاصة وتخنقها".

السلطوية والديمقراطية

السلطوية والديمقراطية ليسا مصطلحين متضادين في الأساس، فمن الممكن أن تمتلك الأنظمة الديمقراطية بعض العناصر السلطوية. تتميز الديمقراطية اللاليبرالية (أو الديمقراطية الإجرائية) عن الديمقراطية الليبرالية في أن الديمقراطية اللاليبرالية تفتقر إلى بعض الصفات مثل سيادة القانون، وحماية الأقليات، واستقلال القضاء.

يشير مورتون هالبرين إلى أن الأغلبية العظمى من مشاكل اللاجئين والكوارث المالية تحدث في أنظمة سلطوية.

لاحظ أندرو ناثان أن "نظرية النظام تنص على أن الأنظمة السلطوية هشة من الداخل بسبب ضعف شرعيتها، والاعتماد على القمع، والمركزية الزائدة لصناعة القرار، وسيطرة القوة الفردية على المؤسسات.

الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، فإن السلطوية كذلك ليست مجرد غياب هذه الصناديق، بل هي معادلة أوسع بها ما هو إجرائي، وما هو عملياتي، وما هو مؤسسي، وما هو قيمي وثقافي وهكذا.

الحديث عن السلطوية أيضا يتطلب بعض المصارحة عن تجاوزها لأطر السلطة وعن كونها مكونا رئيسيا في الثقافة السياسية للمعارضين يمينا ويسارا، أي إن الحديث عن تفكيك السلطوية هو في الواقع حديث عن القوى السياسية التي يفترض أن تقود عملية التحول الديمقراطي، هو حديث عن الشعبوية، عن الفردية، عن الأبوية، عن الشللية، عن المزاجية، عن العاطفية، عن قصر النظر، عن البحث عن المكاسب السريعة، عن معاداة الحداثة السياسية.

الحديث عن السلطوية كذلك هو ليس فقط حديثا عن الدولة، لكنه أيضا حديث عن المجتمع، شبكة علاقاته، مؤسساته، ثقافته تجاه السلطة، دور مؤسسات التعليم فيه، دور المؤسسات الدينية فيه، هو حديث عن القبلية المجتمعية والسياسية، حديث عن الفقر والجهل، عن تلك الهوة الرهيبة بين السياسات الكبرى (الدستور والانتخابات والحقوق والحريات)، والسياسات الصغرى (لقمة العيش، المياه النظيفة، الرعاية الصحية، الصرف الصحي...الخ).

وأخيرا هل يمكن ان نعد كتاب السلطات العشر والبرلمانات المتوازية للسيد مرتضى الشيرازي محاولة لتفكيك السلطات الشمولية والسلطوية في مجتمعاتنا وانظمتنا السياسية؟

لإثراء الموضوع تم طرح السؤالين التاليين على المشاركين:

السؤال الأول: كيف يمكن للبلدان الخارجة من نظم الحكم الشمولية أن تتخلص من السلطوية والارث الشمولي في الحكم؟

السؤال الثاني: هل هناك ثمة تيار يمكن أن يتشكل في العراق يقطع مع هذا المزيج من الشعبوية والسلطوية الفردية؟

المداخلات:

السلطوية نوع من التمكين البشري الذاتي

الشيخ مرتضى معاش:

السلطوية لا تأتي من الفراغ بل هي تأتي من خلال تمكين الانسان لها وصناعة نظام سيء وبيئة سيئة لوجود الاستبداد، مثال على ذلك "الإقطاع" وهو نوع من التمكين البشري، اليوم يكثر الحديث عن الاقطاع المعلوماتي مثل فيسبوك.. من أعطى هذه المواقع والمؤسسات شرعية السلطوية سوى الناس أنفسهم؟

كذلك الاقطاع القديم من اعطاهم هذه السلطوية هم الفلاحين وهكذا..

السبب الرئيسي لذلك أن الناس بطبيعتهم يخافون المجهول، والحرية المنفصلة عن السلطوية هي نوع من المسؤولية الصعبة على الانسان لا يتحملها أي شخص.

الديمقراطية في ابعادها المختلفة وخصوصا الديمقراطية الغربية والديمقراطية الليبرالية، فيها جانب خفي وغير واضح من السلطوية بشكل أسوأ من المتعارف عليه في الأنظمة الاستبدادية الواضحة المباشرة، الأنظمة الشمولية الاستبدادية وهي اعلى مراحل الديكتاتورية، تقوم بمسخ هوية الانسان ومسخ شخصيته وحذف انسانيته وتحديد نمط حياته وكيف يعيش وفق ما يوفر لها الاستمرار بالحكم والسيطرة، كذلك في الأنظمة الليبرالية وفي وجهها الحقيقي، تقوم بتفكيك الجماعات وتفكيك الهويات الفرعية وتمارس عملية من الإلغاء المجتمعي والالغاء الأسري تحت عنوان حماية الفردية والحرية الشخصية مما يؤدي الى تفكيك كل الجماعات والأديان والقيم بحيث يكون عالم لا قيم فيه وبذلك يكون التشابه والتطابق كبير جداً بين الليبرالية مع النظام الشمولي.

مثال على ذلك ما نشاهده هذه الأيام من احتكار وهيمنة اقتصادية وإعلامية ومعلوماتية واحتكار كل شيء في المجتمع، في إحصائية حديثة مثلا ان 90% من الزراعة في العالم يسيطر عليها 8 شركات فقط بينما الـ 10% المتبقية يسيطر عليها المزارعون المنفردون!

في العراق، لا زلنا نعيش مرحلة انتقالية من الدولة الشمولية السلطوية الى الدولة الديمقراطية، وهذا انتقال طويل الأمد يحتاج للكثير من التحولات حتى يحقق النجاح وقد يواجه الصعوبات والمطبات وربما لا ينجح ويعود مرة أخرى نحو النظام السلطوي الاستبدادي.

النظام الاستبدادي يوفر نسبة من الأمن الوهمي والدولة المستقرة، وهذا النموذج يجد اتباعا ومريدين كثر وحنين الى النظام الاستبدادي بينما العقل والمنطق والتجارب تقول ان جميع هذه الأنظمة كانت نتائجها كارثية على جميع المستويات وهذا خطر على المجتمع العراقي لذلك من اللازم توفر أدوات حقيقية للتحول نحو الديمقراطية مثل الأحزاب الحقيقية وليست الوهمية والانتخابات الصحيحة التي تشمل جميع المستويات سواء برلمان ومجالس محلية وهذه عملية تراكمية تطورية.

وعلينا أن نركز على فكرة ان أسوأ نظام ديمقراطي هو بالتأكيد أفضل من أفضل نظام دكتاتوري، وحتى ما عايشناه من تغيير في العراق جاء عن طريق تدخل خارجي فهو أفضل من الاستمرار تحت الظلم والاستبداد، وتعطينا مساحة للحرية والتعبير عن الرأي رغم وجود الفساد والعثرات فالتطور الديمقراطي يجب ان يكون تراكمي ومستمر وليس فوري وثوري.

والجيل الجديد في العراق وان كان تطوره ونشأته السياسية بطيئة لكنها أفضل من حالة الركود والسكوت في ظل نظام دكتاتوري مستبد.

تأثير الديمقراطية المسلحة

الدكتور اسعد كاظم شبيب:

هناك متغيرات جديدة طرأت مع انتخابات تشرين عام2021، حيث ان القوى الفائزة على مستوى افرازات احتجاجات تشرين والتغيير الثاني تمثل بصعود كبير لقوى جديدة كتشعبات احتجاجات تشرين من تجمعات، وقوى، ومستقلين، حيث ستبدو هذه القوى متغير جديد في المعادلة العراقية في معطياتها الحاكمة والمعارضة، واذا ما اتجهت للمعارضة الحقيقية الدستورية فهذا يعني اول مرة تشكل معارضة داخل مجلس النواب في العراق بعد التغيير ولو تمثل معارضة اقلية، وان تطرح برامج وفعاليات واقعية في معالجة الملفات الشائكة مثل ملف الفساد في سلوك المعارضة النيابية اذا ما اتجهت القوى التقليدية الأخرى الى المسارات السابقة في الدخول في توزيع الرئاسات الثلاث والوزرات والدرجات الخاصة. ولا يبدو الى الآن أي توجه من قبل القوى التقليدية الخاسرة على الأقل في أي معارضة برلمانية فأنها تضغط الان ليس من اجل المعارضة وانما من اجل تحقيق مكاسب سياسية لتكون مؤثرة لجمهورها في المرحلة الانتخابية تحت تأثير الديمقراطية المسلحة لأنها تخشى من التراجع أكثر في الدورة الانتخابية القادمة وكذلك لتحقق ضمانات سياسية وقضائية في معالجة بعض الملفات الشائكة التي تخص هذه المجموعات والقوى السياسية.

توزيع القوى بالتساوي

الباحث حسن كاظم السباعي:

التخلص من رواسب الحكم الشمولي أو النظام السلطوي ليس هو سياسي بقدر ما هو ثقافي أو فكري، ولذلك فالحل ليس بيد السياسيين وإنما بيد العلماء والمفكّرين الذين بذلوا جهدهم في توعية المجتمع منذ زمن بعيد.

فللفكر والكلمة قوة وتأثير أعظم من تأثير الحديد والسلطة، خاصة إذا عرفنا أن الهدف هو بناء نظام مدني متعدد وبعيد عن العنف والاستبداد، وعليه فالوسيلة لابد أن تكون كالغاية؛ سلمية ونزيهة ومشروعة.

أما التغيير الذي حصل عام ٢٠٠٣ كان تغييرًا سياسيًا ولم يكن ثقافيًا، ولذلك فإنّ الوجوه هي التي تغيّرت دون الهيكلة أو الأساس، وإضافة إلى ذلك فإنَّ التغيير المفروض من جهة خارج إطار المجتمع لا يؤدي إلى تغيير أساسي في البنية والأفكار، خاصة وإنَّ هذا التغيير لم يكن مبنيًا على مشاركة الأكثرية بعشائرها ومكوِّناتها الاجتماعية، وإنما كان مبنيًا على استبدال حزب سياسي بحزب سياسي آخر بقوة قادر دون ترسيخ مفهوم التنافس السليم ومعرفة قواعد الحكم مما أدى إلى إبقاء النَفَس السلطوي والعقلية الشمولية بشكل أو بآخر.

من هنا ومن أجل تشكيل التيار المنشود؛ لابدَّ من العودة إلى من يرفع شعار التغيير الجذري ويكون هدفه إصلاح القاعدة لا الوصول إلى السلطة والحكم.

و في هذا الوادي يطرح الإمام الشيرازي نظرية "توزيع القوى بالتساوي"، وقد تنبأ أن الحكم بعد سقوط الاستبداد في العراق لن يختلف ما دامت القوة متمركزة بيد فئة واحدة مهما كان لديها من صلاح وتقوى حيث يقول: "الشيء الذي يجب أن يكون محل الاهتمام في المستقبل هو توزيع القوى و تقسيمها، وعدم تمركزها بيد فئة معينة.. قد يقول قائل إنَّ الحكم بعد نظام صدام سيكون بيد المتدينين والمؤمنين والشرفاء، لكن ما لم تكن هنالك قدرة أخرى تنافسها فسيظهر مستبد آخر، ويمارس النهب والسفك بشكلٍ آخر، مهما كان يحمل من مبدأ وتدين حتى إن كان من قوّام الليل.

وفي الحقيقة فإنَّ سر تقدم الأنظمة الديمقراطية في الغرب هو وجود عامل التنافس وتوزيع القوى بالتساوي، أي لابد أن تكون هنالك أقلًا جماعتين متساويتين في القوة فتراقب إحداهما الأخرى بحيث لو فعلت إحداها أمرًا بشكلٍ غير صحيح فإن الأخرى ستقتنص الفرصة لإثبات جدارتها، و كلما تعددت القدرات، كانت المراقبة أكثر، وكل ذلك مبني على قواعد مدنية سليمة و نزيهة وبعيدة عن الأساليب التسقيطية، وحينما يتبدل الحكم كل أربع سنوات فإنها تتبدل من الأساس والهيكلة والجذور وليس فقط الوجوه والأشكال فحسب.. " (راجع سلسلة قطوف دانية، رقم ٤٢٣: توزيع القدرة).

وبناءً على هذا الأساس ومن أجل بروز التيار؛ فلابد من تشكيل حلقات توعوية لنشر تلك المفاهيم الحضارية.

التفريق بين هيبة الدولة وهيبة السلطة

الدكتور حميد مسلم الطرفي:

الارث الشمولي ثقافة وطريقة خاطئة في التفكير تتمحور حول مبدأين:

الأول: القائد الضرورة، أو سلطة الفرد، او استهجان مبدأ المشاركة في الحكم.

الثاني: الايمان بوجود طريقة واحدة في إخضاع الناس هي طريقة القهر والخوف.

ومما لا نقاش فيه أن هذين المبدأين لم يأتيا من فراغ بل من مشاهدات وتجارب امم وشعوب مقرونة بالغرائزية فالإنسان مجبول على حب السلطة ومركوز فيه غريزة الخوف. فلا عجب أن ترى احدنا يتوسل بسلطة الحكومة ان تستخدم العنف ضد متظاهر ألح في الاعلان عن مطالبه، أو آخر تفوه بعصبية أمام مسؤول، ولا عجب أن يتمنى أحدنا حينها عودة الطاغوت "صدام" ليعيد الأمور إلى نصابها.

وكطريق للتخلص من هذه الثقافة لا بد من التفريق بين هيبة الدولة وهيبة السلطة فالأولى تعني هيبة القانون المرتبط بجزاء في حال مخالفته فعدم احترامه يعني التشجيع على عودة السلطة الشمولية ويعني ايضاً الوقوع في الفتنة التي قيل عنها "ظالم غشوم ولا فتنة تدوم"، أما هيبة السلطة فيعني انك ترتجف من شرطي سواءً كنت محقاً ام مبطلاً، وسواءً احترمت القانون ام لا فالشرطي يعني السلطة والسلطة تعني إخافة الناس وقهرهم. فبريطانيا مثلاً تسمح بإبداء الرأي وحرية التعبير والتظاهر ولأتفه الاسباب ولكنها لا تسامح ابداً الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة وتحيل الفاعلين على القضاء ولو كانت التظاهرة مليونية وتعد ذلك من أعمال الشغب. اذا استطعنا ان نفصل بين هيبة الدولة (القانون) وهيبة السلطة (الخوف) منها لأنها سلطة تقهر وتقمع وزرعنا ذلك في مناهج التربية والتعليم حينها نفكر بطريقة صحيحة ويقترب سلوكنا من جادة الصواب.

السير خلف الاخرين

الكاتب علي حسين عبيد:

الإجابة على السؤال الأول في الحقيقة يحتاج الى بحث تاريخي سياسي اجتماعي عميق، التحول الذي شهده العراق بعد العام 2003، ليس من المعقول أن يجني ثماره بسرعة كبيرة وجميعنا يعلم ان التحولات السريعة والمفاجئة بدون التجربة التراكمية لا تؤدي الى الاستقرار والثبات بل ستتحول نحو نكسات سريعة في نفس الوقت.

قرون من الاحتلالات والسلطوية والاستبداد مورست على العراقيين زرعت في نفوسهم وثقافاتهم وعقولهم، نوع من الرضوخ للصنم أو الدكتاتور أو للسلطة بكل أنواعها، هذا ترسخ وانعكس على شخصية الفرد وشخصية الجماعة بشكل لا شعوري وبالعقل اللاواعي.

السير خلف الاخرين يعطي شعور يبعث على الارتياح والأمان، لأن من يتصدى هو من سيتحمل المخاطر وهذا ما رواه لي أحد الأصدقاء عند سؤاله لماذا تسير خلفنا دائماً؟!

وهذا التصرف لم يأت من الفراغ بل نتيجة ما ذكرناه من قرون السلطوية والاستبداد وهذا يحتاج لعقود وربما قرون أخرى من التحول الصحيح نحو الديمقراطية تأتي بعد وضع خطط وتخطيط استراتيجي يبدأ مع الطفل من المدارس والاسرة لمحو تلك الاثار السيئة عن المجتمع العراقي.

الشعوب هي من تحدد أسلوب الحياة

الكاتب باسم حسين الزيدي:

السلطوية، الشمولية، الدكتاتورية، الديمقراطية هي مصطلحات متقاربة تتشابه في بعض الميزات وتختلف في الأخرى.

الشعوب هي من تحدد أسلوب الحياة والعيش الذي يناسبها، بناءً على ارثها الحضاري والتاريخي وتراكم التجارب لديه، من الصعوبة مثلا ان تعود الدول الديمقراطية والمستمرة بالتطور منذ مئات السنين للحكم الديكتاتوري والاستبداد بحكم انها تربت على بيئة الحرية والديمقراطية وترسخت تلك الأفكار لديها والعكس صحيح مع الدول التي تعيش تحت الحكم السلطوي الاستبدادي.

من الممكن ان ينشأ تيار من الشعبوية والسلطوية في العراق ونأمل ان تستمر التجربة الديمقراطية بالنمو والتطور وتجاوز المطبات والتعثرات الكبيرة التي واجهها العراق منذ 2003 وليومنا هذا.

معارضة تحد من النهج السلطوي

احمد جويد مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:

السلطة والسلطوية ترتبط بالغريزة الإنسانية التي تريد الهيمنة والسيطرة على كل شيء وقد تكون نسب تأثيرها متفاوتة بين البشر لكنها بالتأكيد موجودة.

كل مجموعة ما بشرية كانت أو غير بشرية نجد أن لها قائد أو من يتصدى لذلك، وهذا القائد لا بد من ان يكون له سلوك سلطوي بنسبة ما سواء كان تسلط إيجابي او سلبي.

السلطة تنقسم الى عدة اقسام، منها السلطة الشرعية التي تأتي وفق نظام ديمقراطي وانتخابات وتكون محددة وفق قوانين ودستور لإدارة الدولة وسلطة غير شرعية تتحقق بانقلابات عسكرية لتمارسها بشكل سلبي تجاه الشعب خاصة اذا جمعت بين سلطة القوة وسلطة المال لتحقق الاستبداد بأبشع صوره.

كذلك هناك سلطات عرفية مثل سلطة الاب والام وسلطة العشيرة ورجل الدين بشكل محدود تأخذ اطارها العام وفق اعراف المجتمع نفسه.

في العراق وبعد عام 2003 تحولت السلطة من سلطة الفرد الواحد وسلطة الحزب الواحد الى سلطة الأحزاب المتعددة والقادة المتعددين تجمعهم المصلحة المشتركة ضمن اطار الفساد وتقاسم الثروات فيما بينهم على حساب الشعب العراقي.

بدون وجود معارضة قوية ورصينة في العراق تحافظ على الديمقراطية وتحد من النهج السلطوي والاستبدادي لدى الأحزاب لا يمكن ان نقول اننا تحولنا الى بلد ديمقراطي يتساوى فيه الكل امام القانون والجميع يعرف ما له وما عليه من حقوق وواجبات تجاه البلد.

السلطوية الاقتصادية

الباحث حامد الجبوري:

هناك علاقة وثيقة بين الأنظمة السياسية والأنظمة الاقتصادية، كلما يكون النظام السياسي شمولي يتجه النظام نحو الاتجاه الاشتراكي والدولة الريعية وتكون جميع موارد البلد بيد الحكومة، وهذه هي اليد الضاربة والمسيطرة على الشعب اقتصاديا الى جانب قوة السلطة الأمنية.

كلما يكون النظام ديمقراطي تشاركي نجد ان الاتجاه الاقتصادي يتجه نحو الرأسمالية واقتصاد السوق ودعم القطاع الخاص.

بالنسبة للعراق ان اتجاه السلطة قبل عام 2003 كان اشتراكيا ومسيطر على جميع قطاعات الحياة، وبعد 2003 لم يشهد التغيير الكبير حتى على مستوى المجتمع، حيث نجد ان غالبية الشعب لازالوا يريدون الاعتماد التام على الدولة وعدم الاتجاه نحو القطاع الخاص وتحقيق الاستقلال المالي والاقتصادي الذي يكون مرافق للأنظمة الديمقراطية الحديثة وهذا خلل اجتماعي كبير قبل ان يكون حكومي من قبل السلطة وهذا نتيجة الإرث الشمولي الممتد لعقود طويلة.

الابتعاد عن رمزية القائد الضرورة

الباحث محمد الصافي:

العراق لم يشهد ان مر بتجارب بناء نظام حقيقي مستقل بل كان طوال تاريخه منذ اكثر من الف عام احتلالات وحكومات مستبدة أسست لثقافة استبدادية مترسخة حتى مجتمعيا، وما حدث بعد 2003 هو حدث فريد في تاريخه ولا تزال عملية البناء مستمرة رغم تخبطها وتعرضها لكبوات امنية واقتصادية وحتى بنيوية ضمن التوجه العام للأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وغيرها.

الأحزاب السياسية في العراق كذلك لم تتخلى كثيرا عن نهج النظام الدكتاتوري السابق بل نرى ضمن ادبياتها لا وجود للديمقراطية والانتخابات والنظام الداخلي وحرية ابداء الرأي لأفرادها الا ما ندر ولا نشاهد كذلك خطاب وطني وتقويمي يقيّم تجربتها ويطورها ويعترف بالفشل سواء على المستوى الإداري او الشعبي وهذا سلوك خطير يجب ان ينتهي اذا ما ارادت ان تبني دولة مستقرة وديمقراطية يعترف بها العالم والمؤسسات الدولية، وتجربة الانتخابات الأخيرة خير دليل حيث انتهجت الأحزاب الخاسرة نهج تحريضي واستخدمت التهديدات تجاه مفوضية الانتخابات وطعنت بالعملية الديمقراطية دون أن تبحث عن أسباب سحب الدعم الشعبي عنها وهذا ما كان واضحا بشكل جلي.

الأنظمة الديمقراطية في العالم الغربي هي من يعتاش على الأنظمة الاستبدادية في الشرق بل ويدعموها، لأنها توفر لهم الاستقرار بالسيطرة على الموارد التي توفر لهم الاستمرار بالتوسع ولا يهمها الشعوب القابعة تحت سيطرة هذه الأنظمة المستبدة وهي تتعامل مع الأنظمة المستبدة وفق مزاجيات لا اكثر مثلا هم يغضون الطرف عن الأنظمة الخليجية المستبدة والداعمة للنشاطات المتطرفة في الشرق الأوسط بينما نجدهم يستهدفون دول أخرى تحت نفس العنوان (الإرهاب والدكتاتورية) مثل سوريا وكوريا الشمالية وايران وغيرها.

أساس التحول الى النظام الديمقراطي ورفض السلطوية هو بالابتعاد عن الرمزية للقائد الضرورة والدكتاتور والمنقذ والاعتماد على المؤسسات الرصينة التي تحافظ على القوانين والحريات وتحديد صلاحيات الحاكم حتى لا يتحول نحو السلوك السلطوي الديكتاتوري.

معالجة رواسب الفكر السلطوي والشمولي

الدكتور قحطان حسين طاهر:

الخوض في تاريخ نشوء الأمم نجد ان المجتمعات البشرية نشأت دون وجود سلطة، لكن مع مرور الوقت وجدت بعض المجتمعات ان الحاجة أصبحت ماسة لوجود سلطة تفرض الامن وتفض النزاعات وتحقق النظام العام والحفاظ على حقوق الافراد، فالسلطة أصبحت ضرورة لا بديل لها لتحقيق كل ذلك.

السلطوية هي نوع من أنواع الحكومات التي تتعامل بمركزية مع المجتمعات وفق قوانين ودساتير هي من يضعها واتجهت مع مرور الوقت نحو الشمولية والاستبدادية بما يحقق مصالحها واستمرارها بالبقاء، ام الديمقراطية فتخضع الحكومة هنا للمسائلة والقوانين وحتى سحب الشرعية والانتقال السلمي للسلطة لأخرين وفيها الحقوق والحريات مصانة.

لا يمكننا ان ندعي ان السلطوية هي سلبية بالمطلق ولا الديمقراطية هي إيجابية بالمطلق، لكل منهما إيجابيات وسلبيات واطار عام يحدده المجتمع نفسه، حيث تترجح السلطوية على الديمقراطية في مجتمع ما والعكس صحيح في مجتمع اخر وبالتالي ان الشعوب هي من يحدد الحكومة التي يريدها.

في داخل كل انسان ميل او نزعة الى التسلط، مهما كان مركزه او درجة ثقافته والاسباب الى ذلك عديدة ومختلفة من شخص الى اخر، الحكومة التي تأتي بعد الأنظمة الشمولية والسلطوية كما في العراق هي من يتحمل المسؤولية بالخلاص من مظاهر التسلط والاستبداد والتأسيس لحكم رشيد مهما كانت العواقب والعراقيل لأنها جاءت بتفويض شعبي وشرعي وعليها ان تضع برامج ووسائل لتحقيق تلك الأهداف تأخذ بالحسبان البيئة المحيطة وتبرز إيجابيات المرحلة الحالية وسلبيات المرحلة السابقة وان تبدأ من التربية والتعليم كأهم آلية للتغيير الاجتماعي والسياسي للشعب وكيف نستطيع ان نتجاوز المرحلة السابقة من استبداد وفساد وقمع للحقوق والحريات.

وكذلك النخب والكفاءات والمؤسسات مسؤوليتها كبرى ويجب ان تقوم بهذه المهمة وتستخدم كل الوسائل المتاحة لإيصال ذلك الى الناس.

الاعلام الهادف كذلك مسؤوليته كبرى ولكن للأسف نجد الاعلام العراقي اليوم يميل للأحزاب الحاكمة نفسها وخطابه يميل لنفس خطابها، لذا من الواجب تأسيس اعلام عراقي حر وهادف تكون مسؤوليته تقويمية وناقدة لهذه السلوكيات ومعالجة رواسب الفكر السلطوي والشمولي على جميع المستويات.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2021
http://shrsc.com

اضف تعليق