بعد ما ابرمت ايران والقوى الكبرى اتفاقا تاريخيا حول الملف النووي الايراني في ختام مفاوضات ماراثونية في فيينا، توالت ردود الافعال الدولية والإقليمية بين مرحب وبين قابل على مضض ولعل اهم هذه الردود هي التي أتت من جيران ايران على غرار دولة الخليج وابرزهم الخصم الاساسي المتمثل بالسعودية، ودول خليجية اخرى اضافةً الى الحلفين في المنطقة العراق وسوريا، بالنسبة السعودية تخشى ما سينطوي عليه الاتفاق النووي الذي سينهي عزلة إيران ويحرر اقتصادها من قبضة العقوبات لمنح طهران قوة إضافية لدعم خصومهم في الشرق الأوسط، وعلى الرغم من الترحيب العلني الفاتر بالمفاوضات بان المسؤولين السعوديين أكدوا في السر أنه لا يمكن الوثوق بإيران ليبقى الاتفاق.

ففي أول رد سعودي على الاتفاق النووي الإيراني، أشادت الرياض بعدم رفع العقوبات المتعلقة بتسلح طهران لمدة 5 سنوات، كما اتهمت إيران بـ"إثارة الاضطرابات والقلائل في المنطقة"، ولم يتضمن رد الفعل أي إشادة بالاتفاق.

وترى السعودية في دعم إيران للرئيس السوري بشار الأسد وللمجموعات الشيعية في العراق ولحزب الله اللبناني وللحوثيين في اليمن دليلا على سعيها للهيمنة على الشرق الأوسط وتمكين نفسها وحلفائها الشيعة.

إذ يرى الكثير من المحللين ان مشكلة السعودية مع ايران لا تقتصر على الاتفاق النووي، بل في مدى تمدد ايران في الشرق الاوسط وهو نفس غاية السعودية، إذ ترى المملكة السعودية أن إيران أخطر خصومها، ومنذ اشهر تقصف طائرات السعودية جماعة الحوثيين المتحالفة مع طهران في اليمن الذي يمثل مجرد ساحة واحدة من عدة ساحات تؤيد الدولتان جانبين متحاربين فيها، وتشعر السعودية التي تتنافس مع إيران على النفوذ في المنطقة بالقلق من أن يتيح تخفيف العقوبات لطهران مجالا أوسع لتدعم وكلاء ترفضهم الرياض في أجزاء مختلفة من الشرق الأوسط.

فيما هنأت الإمارات والكويت إيران على الاتفاق النووي لكنهما وراء الستار لا تزالان تشعران بالقلق. أما سلطنة عمان التي توسطت في محادثات عام 2013 أدت في النهاية لهذا الاتفاق فوصفته بأنه نصر تاريخي للطرفين.

في حين فيما اعربت بعض الدول العربية عن ترحيبها بالاتفاق النووي على غرار سوريا والعراق، وقالت من شأن هذا الاتفاق ان يعزز استقرار منطقة الشرق الاوسط، وتعد ايران حليفة تقليدية لدمشق وهي تدعم بالسلاح والرجال والمال نظام الاسد الذي يخوض معارك دامية مع مجموعات متعددة في مناطق سوريا مختلفة تدعمها السعودية ودول اخرى، وألمح الرئيس السوري بشار الأسد إلى أنه يتوقع مزيدا من الدعم من إيران أكبر حليف له في المنطقة عقب توصلها لاتفاق نووي مع دول غربية تدعم التمرد ضده، بينما أعرب معارضون مدعمون من السعودية ويقاتلون الأسد عن قلقهم من أن الاتفاق سيوسع النفوذ الإيراني في المنطقة على حسابهم.

إذ يرى الكثير من المحللين ان ترحيب العراق وسوريا بالاتفاق الإيراني قد يعزز من قوة التحالف بينهما لكنه لن يغير مجرى الصراع في المنطقة، ويرى هؤلاء المحللون أن الاتفاق النووي التاريخي الإيراني قد يخفف العداء بين طهران والغرب الذي أذكى التوتر في الشرق الأوسط لعقود، لكنه من غير المرجح أن يغير مجرى الصراعات التي تجد طهران وواشنطن فيها أنهما حليفتان وعدوتان في الوقت نفسه.

في حين يرى محللون آخرون انه على الرغم من أن الاتفاق النووي يعالج نزاعا محوريا بدأ منذ فترة طويلة فإن خلافات عميقة لا تزال موجودة منها ما يتعلق بحجم النفوذ الإيراني والأمريكي في الشرق الأوسط، وتعني هذه الخلافات أنه سيكون من الصعب أن يمتد تأثير أي نوايا سياسية حسنة خلفها الاتفاق النووي الى مجالات أخرى ويشمل ذلك حل الصراعين في سوريا والعراق، فالتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يشن غارات جوية على شمال العراق وغربه منذ نحو عام دعما لقوات عراقية برية تحاول استعادة أراض استولى عليها تنظيم داعش.

وفي اطار الموضوع نفسه يرى بعض المراقبين أن شبح انطلاق سباق للتسلح النووي في أخطر منطقة بالعالم يزيد من المخاطر المحيطة بالشرق الاوسط، بعد أن لمحت السعودية اكثر من مرة الى أنها ستسعى لامتلاك أسلحة ذرية.

وعليه يرى بعض المراقبين للشأن الايراني إن الجمهورية الاسلامية تخلت عن سلاحها النووي لـخمس عشرة سنة مقبلة، هذا صحيح لكن إيران لم تكن تملك هذا السلاح، ولا انها كانت لتمتلكه خلال سنوات، ما يعني عملياً ان إيران تخلت عن سلاح لا تمتلكه لتربح رفع العقوبات وإيقاف تجميد أموالها وفتح بنوكها وإزالة الحظر على الشركات والأشخاص وكسبت نصراً سياسياً ومعنوياً أرهب جيرانها الألداء، أن تتخلى عن شيء لم تكن تملكه لتربح أشياء لم تكن تملكها أمر لا يفعله سوى الدهاة الأذكياء.

وعليه يجمع المحللون ان الاهم بشأن مستقبل الاتفاق النووي الايراني هو ماذا سيطرأ على المشهد السياسي في الكثير من قضايا الشرق الاوسط التي تضبط وتوازن على وقع هذا الاتفاق في المستقبل وخصوصا مع العرب؟.

السعودية

في سياق متصل أبلغ مسؤول سعودي رويترز أن اتفاق إيران النووي مع القوى الدولية سيجعل الشرق الأوسط "جزءا أكثر خطورة في العالم" لو صاحبته تنازلات كثيرة في إشارة للقلق العميق الذي تشعر به دول الخليج العربية حيال الاتفاق.

وفي تعليقها على الاتفاق النووي أكد بيان مقتضب نشر في وسائل الإعلام على أهمية وجود آلية تفتيش صارمة مع آلية لإعادة فرض العقوبات.

لكن صحفيين وعلماء الدين ومحللين اندفعوا أكثر في التعبير عن تلك المخاوف التي تمضي جنبا إلى جنب مع الشعور بأن الولايات المتحدة أهم حلفاء السعودية قسمت الآن ولاءاتها بعدما ساعدت إيران على الخروج من العزلة.

وقال محمد المحيا مقدم النشرات الإخبارية بالقناة الأولى بالتلفزيون الرسمي السعودي بحسابه عبر موقع تويتر "إيران أوجدت الفوضى في الوطن العربي وستسعى لأكثر منها بعد الاتفاق.. يجب على دول الخليج إعدام الثقة بأمريكا والتوجه للروس والصين".

قبل أشهر قليلة أرسل السعوديون طائرات مقاتلة لقصف قوات الحوثيين الشيعة الذين استولوا على السلطة في اليمن جارتهم الجنوبية والذين تقول الرياض إن إيران تدعمهم وهو شيء تنفيه طهران. بحسب رويترز.

وقال عبد العزيز الصقر رئيس مركز أبحاث الخليج ومقره جدة إن السعودية لن تشعر باندفاع للحرب بصورة غير مباشرة مهما بلغ نفوذ إيران، وقال أيضا بحسابه على تويتر إنه لو كانت إيران عازمة على توسيع نفوذها واستخدام الطائفية كسبيل لتحقيق ذلك.. حينها أعتقد أنهم سيدفعون السعودية لخوض حرب بالوكالة.

ولم تبلغ الرياض واشنطن بتدخلها في اليمن إلا قبل ساعات من حدوثه في إشارة على أنها لم تعد تنظر للولايات المتحدة كضامن لأمنها ولاستعدادها لتنفيذ سياسة خارجية خاصة بها، وكتب صالح الراجحي مدير مركز الدراسات الأمريكي في معهد الدراسات الدبلوماسية بالرياض على تويتر يقول "استسلم الشيطان الأكبر ومعه الأوربيون لإيران وهم صاغرون فقد أثبتت إيران الإرهابية أنها على حق وهم على باطل"، وأضاف مازحا أنه لم يتبق إلا أن تزور الولايات المتحدة قبر الزعيم الأعلى الإيراني الراحل آية الله الخميني "للتبرك".

ونقلت وكالة الأنباء السعودية الرسمية في أول تعليق سعودي على الاتفاق تصريحا لمصدر مسؤول جاء فيه "أن المملكة تشارك دول 5+1 والمجتمع الدولي باستمرار العقوبات المفروضة على إيران بسبب دعمها للإرهاب وانتهاكها للاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بالتسليح"، ولم يتضمن التعليق أي إشادة بالاتفاق.

ومما جاء فيه أيضا أن "المملكة كانت دائماً مع أهمية وجود اتفاق حيال برنامج إيران النووي يضمن منع إيران من الحصول على السلاح النووي بأي شكل من الأشكال، ويشتمل في الوقت ذاته على آلية تفتيش محددة وصارمة ودائمة لكل المواقع، بما فيها المواقع العسكرية، مع وجود آلية لإعادة فرض العقوبات على نحو سريع وفعال في حالة انتهاك إيران للاتفاق"، وختم المصدر تصريحه بأن إيران "باعتبارها دولة جوار فإن المملكة تتطلع إلى بناء أفضل العلاقات معها في كافة المجالات، والمبنية على مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين".

الكويت والإمارات

أما أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح فبعث ببرقيتي تهنئة إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني والمرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي"هنأهما فيهما بالاتفاق التاريخي الذي أبرم في فيينا".

وأكدت وكالة أنباء الإمارات أن القيادة الإماراتية بعثت ببرقيات إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني هنأته فيه "بالاتفاق النووي التاريخي"، مع الإعراب عن الأمل "بأن يسهم الاتفاق في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها". بحسب فرانس برس.

وبعث كل من رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ونائبه رئيس الوزراء وحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ببرقيات تهنئة إلى روحاني، وكان مصدر إماراتي مسؤول صرح أن الاتفاق "يمثل فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة في العلاقات الإقليمية والدور الإيراني في المنطقة، ويتطلب ذلك إعادة مراجعة طهران لسياساتها الإقليمية بعيدا عن التدخل في الشؤون الداخلية للمنطقة".

سوريا والعراق

من جهته هنأ الرئيس السوري بشار الاسد حليفته الرئيسية ايران بالتوصل الى اتفاق نهائي بشان الملف النووي معتبرا ذلك "نقطة تحول كبرى" و"انتصارا عظيما"، وفق ما اعلنت وكالة الانباء السورية الرسمية "سانا".

وقال الاسد في برقيتي تهنئة ارسلهما الى قائد الثورة الاسلامية علي خامنئي ونظيره الايراني حسن روحاني "حققت الجمهورية الاسلامية الايرانية الانتصار العظيم بالتوصل الى الاتفاق النهائي مع مجموعة (5+1) بشان الملف النووي الايراني". بحسب فرانس برس.

ورأى في البرقية التي وجهها الى خامنئي ان "توقيع هذا الاتفاق يعتبر نقطة تحول كبرى في تاريخ ايران والمنطقة والعالم واعترافا لا لبس فيه من دول العالم بسلمية البرنامج النووي الايراني"، مشيدا باسمه وباسم الشعب السوري "بهذا الانجاز التاريخي".

ورحبت وزارة الخارجية السورية من جهتها في بيان نشرته وكالة سانا بـ"الاتفاق التاريخي"، وقالت انه "دليل على حكمة القيادة الايرانية وانتصارا لدبلوماسيتها وحنكتها في معالجة قضاياها المهمة"، واكدت الوزارة في بيانها ان الاتفاق "يؤكد اهمية انتهاج الدبلوماسية والحلول السياسية الودية لمعالجة الخلافات الدولية بعيدا عن لغة التهديد بالحرب والعدوان وفرض العقوبات غير الشرعية".

أما في العراق قال السياسي المخضرم هوشيار زيباري الذي شغل مناصب وزارية منذ غزت الولايات المتحدة العراق وأطاحت بصدام حسين قبل 12 عاما إن بغداد دفعت بقوة في طريق الاتفاق مضيفا أنه سيحدث تأثيرا إيجابيا، وقال زيباري بينما كان يجري التفاوض على العناصر الأخيرة للاتفاق في وقت سابق هذا الأسبوع "أي خفض للتوتر بين إيران والغرب.. بين إيران والولايات المتحدة سيفيد المنطقة".

كما قال زيباري إن العراق استضاف واحدا من أوائل الاجتماعات المباشرة بين دبلوماسيين أمريكيين وإيرانيين قبل ثماني سنوات وكذلك جولة من المفاوضات النووية في 2013 كما حمل رسائل بين طهران ونيويورك وواشنطن، وأبلغ زيباري رويترز "لنا مصلحة في هذا الاتفاق لأننا نعتقد أنه سيقلل التوتر. بالأساس لا نريد للعراق أن يكون مسرحا لتسوية الحسابات بين الولايات المتحدة وإيران". بحسب رويترز.

وقال أيهم كامل وهو محلل في مجموعة أوراسيا للاستشارات إن من شبه المستحيل أن يؤدي الاتفاق النووي الى تنسيق مباشر بين واشنطن وطهران في العراق، ويقول كامل إن الدعم العسكري الإيراني للفصائل العراقية في أيدي الحرس الثوري. وسعى الحرس الثوري لاستعراض النفوذ الإيراني في الخارج منذ قيام الثورة الإسلامية في 1979.

وأضاف كامل أن قادة الحرس الثوري لن يقوموا بتحرك كبير. وأضاف "على الصعيد السياسي قد يخفف الاتفاق بعض الحساسيات لكن الاستراتيجية الأمريكية في العراق تتناقض مع الاستراتيجية الإيرانية على مستويات عديدة. الاتفاق النووي لن يغير من ذلك."

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1