تشهد سوريا منذ اكثر من خمس سنوات نزاعا معقدا يشمل الحكومة والمعارضة والاكراد وداعش، نجم عنه حربا بالوكالة لصالح مخططات واهداف إقليمية ودولية بين الدول الكبرى المتصارعة والمهتمة بالهيمنة على بلدان الشرق الأوسط كما هو الحال مع بعض الدول الاقليمية والغريبة وخاصةً امريكا، إذ يرى محللون أن بعض هذه الدول تسعى الى مساعدة عسكرية على غرار التحالف الذي تقوده امريكا ضد داعش بالظاهر، بينما تذكي الحرب وتزيد من تعقديها بالخفاء، مما جعل الحرب في سوريا تدور داخل حلقة مفرغة تساعد على ديمومة الصراع الذي يغذي العنف وينشر الدمار في هذا البلد العربي المنكوب، وهذا ما جعل منها أزمة بالغة الضخامة لها أبعاد إقليمية ودولية.

فيما يرى آخرون سياسة الرياء المتبعة من لدن بعض الدولة المتناقض في المواقف كأمريكا وتركيا تجاه الصراع في سوريا جعل منه بؤرة لحرب استنزافية وحرب بالوكالة في آن واحد.

فأمريكا تغير ملامح استراتيجيتها تجاه الحرب في سوريا ما بين محاولة اسقاط الرئيس السوري بشار الاسد ومحاربة داعش، ويقف هذا التغيير وفقا للمتغيرات العسكرية والسياسية التي تحدث على ارض المعارك التي تأخذ طابع الكر والفر لا منتصر فيها.

وخير دليل على سياسية الرياء الامريكية هو ما أفاد به وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر مؤخرا، وأثناء عرضه لاستراتيجية الولايات المتحدة في قتال التنظيمات المتطرفة في الشرق الأوسط أمام الكونغرس، إذ قال ان برنامج تدريب مقاتلي ما يسمى بالمعارضة يسير ببطء بحيث لم يشمل التدريب سوى 60 شخصا حتى الآن، في حين نص هدف البرنامج المعلن على تدريب خمسة آلاف مقاتل سنويا.

هذا الطرح او التصريح يوضح مدى الرياء الامريكي والدور المائع تجاه انقاذ سوريا ان لم يكن دورها هو الفاعل الاساسي في انهيارها كدولة بحسب اغلب المحللين، وفي سياق ذاته أضاف كارتر "نريد رحيل الأسد" لكن هذا الامر يرتبط "بجهد دبلوماسي"، وتابع "على الأسد أن يرحل، لكن بنية الحكم في سوريا يجب أن تبقى.

يلاحظ المراقبون ان التصريحات المسؤولين الامريكيين تدل على ان كلماتهم تنسجم مع مصالح بلدانهم سياسية كانت ام عسكرية، فيما تتباين ايضا حدتها ودبلوماسيتها حسب الموقف وظروف المرحلة، الا ان الملفت ان معظم تلك التصريحات لا تتسم بالشفافية او المصداقية الا ما ندر، لتنطبق عليها المقولة المعروفة (أن السياسة لا تعرف الاخلاق)، فيما تساق أحيانا في التصريحات الرسمية تبريرات تسعى الى تغطية فشل قاتل او خطيئة كبرى، علها تخفف من وطأة ما وقع.

وتشير الوقائع ان دعم التحالف الدولي – الذي تقوده امريكا- شكليا يثير الريبة ويتسم دورهم بالمناورات السياسية والأجندة المجهولة، فقد استهل الجيش الأمريكي برنامجه في مايو أيار لتدريب ما يصل إلى 5400 مقاتل في العام. واعتبر هذا الأمر اختبارا لاستراتيجية الرئيس باراك أوباما لجلب شركاء محليين لمحاربة المتطرفين وإبقاء القوات الأمريكية بعيدا عن جبهات القتال، لكن أشار منتقدو أوباما إلى هذه الارقام على أنها دليل على فشل استراتيجيته ضد داعش في سوريا والعراق.

فيما قال السناتور جون مكين رئيس لجنة القوات المسلحة "لا يوجد سبب مقنع للاعتقاد بأن ما نفعله حاليا سيكون كافيا لتحقيق الهدف المنشود للرئيس بإضعاف أو تدمير تنظيم الدولة الإسلامية في نهاية المطاف"، واتهم مكين أوباما بأن لديه "قدرا مقلقا من خداع النفس"، وأضاف "في غياب معارضة معتدلة لديها الإصرار والقدرة على انتزاع أراض من قبضة الدولة الإسلامية والاحتفاظ بها.. من غير المرجح حدوث أي تغيير في الوضع الراهن".

كما اظهرت ارقام اعلنتها وزارة الدفاع الاميركية ان الولايات المتحدة تواجه صعوبة في تنفيذ برنامجها لتدريب وتجهيز مقاتلي المعارضة لمواجهة تنظيم داعش ام اسقاط الاسد.

من جانب آخر اعتبر خبراء دوليون أن مكانة الرئيس السوري بشار الأسد، الذي يواجه عاما خامسا من الحرب، "تحسنت على المستوى الدولي"، وأنه يبقى لاعبا أساسيا في بلده، لاسيما بعد تنامي نفوذ تنظيم " داعش".

وعليه تضفي المعطيات آنفة الذكر أنه على الرغم من ان سياسة الحكومة الامريكية لم يظهر منها حتى الان سوى تصريحات نارية تطلقها بين حين واخر تجاه سوريا وتدخل غير مباشر في دعم الجماعات المسلحة في سوريا، الا انه لا يبدو دور امريكا تجاه سوريا بالجاد ولا بالإيجابي ومن غير المرجح حدوث أي تغيير في الوضع الراهن، لذا يتوقع المحللون أن أجندة امريكا من اجل الهيمنة والنفوذ السياسي خارجيا، باستخدام سياسات وتحركات أكثر جراءة لتحقيق أجندات خارجية، قد تسببت بأخطاء استراتيجية مكلفة في منطقة ساخنة سياسيا وامنيا، وهذا قد يشكل ضغطا كبيرا داخل المعترك الامريكي في المستقبل القريب.

آشتون كارتر: نريد رحيل الأسد.. دبلوماسيا

في سياق متصل أقر وزير الدفاع الأمريكي أمام مجلس الشيوخ بأن تدريب واشنطن لمقاتلي المعارضة السورية المعتدلة للتصدي لتنظيم "الدولة الإسلامية" المتطرف انطلق ببطء شديد بحيث لم يشمل التدريب سوى 60 شخصا.

وقال آشتون كاتر أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ عارضا الاستراتيجية الأمريكية ضد المقاتلين المتطرفين "إنه أقل بكثير مما كنا نأمل به في هذه المرحلة"، وأوضح أن سبعة آلاف متطوع تقدموا لبرنامج التدريب، لكن التصفية الدقيقة للمرشحين أدت إلى إبطاء وتيرته، وقررت إدارة باراك أوباما إطلاق هذا البرنامج بضغط من الكونغرس، ونص هدفه المعلن على تدريب خمسة آلاف مقاتل سنويا. بحسب فرانس برس.

وتوقع كارتر أن تتسارع وتيرة هذا البرنامج "الأساسي" بعد هذه الانطلاقة البطيئة، وقال "بات لدينا معلومات أكثر عن مجموعات المعارضة السورية" و"نحن في صدد إقامة علاقات مهمة" معها.

الى ذلك اعتبر وزير الدفاع الاميركي اشتون كارتر ان سقوط النظام السوري امر "ممكن" بسبب "الضعف" الذي لحق بقواته العسكرية، وقال وزير الدفاع في جلسة استماع امام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الاميركي "نريد ان نشهد انتقالا (للسلطة) لا يكون الاسد حاضرا فيه"، واضاف ان سقوط نظام الاسد "ممكن لان قواته ضعفت الى حد كبير" وتعرضت "لخسائر كبيرة"، لافتا الى ان القوات النظامية "تزداد عزلتها في منطقة دمشق" والمنطقة ذات الغالبية العلوية في شمال غرب البلاد. بحسب فرانس برس.

دعم امريكي للجماعات المسلحة في سوريا

على صعيد ذي صلة قالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إن المعارض المسلح السوري الذي يتلقى تدريبا لمقاتلة متشددي الدولة الإسلامية يحصل على ما بين 250 الي 400 دولار شهريا بحسب مهارته وادائه وموقعه في القيادة.

ولم يتضح على الفور عدد المعارضين المسلحين الذين يتقاضون أجرا. وفي الأسبوع الماضي قال الكولونيل ستيف وارن المتحدث باسم وزارة الدفاع إن ما يصل إلى 200 مقاتل سوري يجري تدريبهم حاليا. وأتم 1500 آخرون عملية التدقيق اللازمة.

وقال وزير الدفاع الأمريكي آش كارتر الشهر الماضي إن المقاتلين السوريين الذين يشاركون في المهمة التي تقودها الولايات المتحدة يتقاضون "بعض المال" لكنه لم يذكر أي مبالغ. بحسب رويترز.

وقال الكابتن سكوت راي المتحدث باسم قوة المهام المشتركة-سوريا إن عددا من المتطوعين انسحبوا أو جرى استبعادهم بمن فيهم مجموعة انسحبت بكاملها قبل عشرة أيام تقريبا، وشملت أسباب الانسحاب "كل شيء بما في ذلك الظهور من غير بطاقات هوية الي عدم بلوغ السن القانونية وصولا إلى عدم اللياقة الجسدية للتدريب".

وامتنع عن ذكر عدد المقاتلين الذين انسحبوا لكنه قال "جاء انسحاب المجموعة التي انسحبت بعد أن تدربت بضعة أسابيع. هذا أمر غير معتاد وأنا أعتبر ان ذلك حدثا لن يتكرر"، وقال ان ذلك ليس مؤشرا الي ما يجري في مجمل البرنامج مضيفا أن أكثر من ألف متطوع جديد سجلوا اسماءهم للانخراط في البرنامج منذ انسحبت تلك المجموعة.

واشنطن لا تريد انهيار النظام السوري

من جهته أعلن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية "سي آي ايه" جون برينان ان الولايات المتحدة لا تريد انهيار الحكومة السورية والمؤسسات التابعة لها لأن من شأن هذا الامر ان يخلي الساحة للجماعات الاسلامية المتطرفة ولا سيما تنظيم "الدولة الاسلامية".

وقال برينان أمام مركز ابحاث "مجلس العلاقات الخارجية" في نيويورك ان "لا احد منا، لا روسيا ولا الولايات المتحدة ولا التحالف (ضد الدولة الاسلامية) ولا دول المنطقة، يريد انهيار الحكومة والمؤسسات السياسية في دمشق"، واضاف ان "عناصر متطرفة" بينها تنظيم "الدولة الاسلامية" وناشطون سابقون في تنظيم القاعدة هم "في مرحلة صعود" في بعض مناطق سوريا حاليا، وأكد المسؤول الاميركي ان "آخر ما نريد رؤيته هو السماح لهم بالسير الى دمشق"، مضيفا "لهذا السبب من المهم دعم قوات المعارضة السورية غير المتطرفة". بحسب فرانس برس.

واوضح برينان ان المجتمع الدولي يؤيد حلا اساسه "حكومة ذات صفة تمثيلية تعمل على تلبية المطالب في سائر انحاء البلاد"، ومن المقرر ان ينتشر في تركيا والسعودية وقطر ما مجموعه الف جندي اميركي للمساعدة في تدريب مقاتلين من المعارضة السورية المعتدلة لارسالهم لاحقا الى سوريا لقتال تنظيم الدولة الاسلامية.

وتقوم الاستراتيجية الاميركية ضد تنظيم "الدولة الاسلامية" على هزيمته في العراق اولا. اما في سوريا فتقول واشنطن ان الامر يتطلب على الارجح سنوات عدة قبل ان يتمكن مقاتلو المعارضة المعتدلة من احراز تقدم ضد الاسلاميين المتطرفين، وكان برينان قال في مقابلة مباشرة مع شبكة "بي بي اس" التلفزيونية العامة في وقت سابق الجمعة ان استخدام تنظيم الدولة الاسلامية وسائل التواصل الاجتماعي للدعاية والتجنيد يجعله مختلفا عن بقية التنظيمات الجهادية، وأوضح المسؤول الاستخباري ان تنظيم القاعدة وبقية الجماعات الاسلامية المتطرفة كانت تعتمد في تركيبتها بنية "سرية" يمكن "احتواؤها"، وذلك خلافا لما هي عليه اليوم حال تنظيم "الدولة الاسلامية" الذي يستغل وسائل التواصل الاجتماعي لنشر دعايته وتجنيد متطوعين جدد الامر الذي يجعل من الصعوبة بمكان تقفي اثر هؤلاء واحتواء خطرهم.

وقال برينان "تنظيم الدولة الاسلامية يمثل تطورا مقلقا للغاية. انه ظاهرة مفعولها ككرة ثلج لجهة القدرة على اسماع الصوت والجذب"، وردا على سؤال عن تعاون محتمل بين واشنطن وطهران في العراق اجاب برينان ان الولايات المتحدة وايران تتعاونان بشكل غير مباشر ضد عدو مشترك هو التنظيم المتطرف.

وقال "هناك اصطفاف لبعض المصالح بيننا وبين ايران" في ما يتعلق بقتال "الدولة الاسلامية"، مضيفا "نحن نعمل بشكل وثيق الصلة مع الحكومة العراقية والايرانيون يعملون ايضا بشكل وثيق الصلة مع الحكومة العراقية".

ولكن المسؤول الاميركي لفت الى انه يتعين على الولايات المتحدة ان تحرص على ان لا تقدم ايران-- الشيعية كمعظم الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق منذ الاطاحة بنظام صدام حسين-- على عملية "تلاعب سياسي" في العراق، الامر الذي من شأنه ان يزيد من الشرخ الطائفي في هذا البلد.

وكان الجنرال مارتن ديمبسي رئيس اركان الجيوش الاميركية المشتركة اعرب الاثنين عن القلق نفسه بقوله ان الدول السنية المنضوية في اطار التحالف الذي تقوده واشنطن ضد التنظيم السني المتطرف تنظر بعين الريبة الى الدعم الذي تقدمه ايران الشيعية للحكومة العراقية التي يقودها الشيعة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0