فوز الرئيس الايراني المحافظ إبراهيم رئيسي المقرب من المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. في الانتخابات الاخيرة بأغلبية ساحقة، بعد حصوله على 62 % من أصوات المقترعين في الجولة الأولى، سيغير الكثير من الامور الاحداث المستقبلية، فهذا الرجل وبحسب بعض المراقبين ستكون له سياسة جديدة ومختلفة عن سياسة الرئيس المعتدل حسن روحاني، ربما ستؤثر سلباً على سياسة إيران ومستقبل العلاقات الخارجية لهذا البلد، الذي اصبح يعاني الكثير بسبب استمرار الحصار والعقوبات الدولية.

ويرى البعض ان فوز المتشدد إبراهيم رئيسي ورئيس السلطة القضائية في إيران سابقاً و الذي يتمتع بعلاقات قوية بالحرس الثوري الإيراني و المرشح ايضا ليخلف المرشد الأعلى علي خامنئي. والمتهم من قبل الغرب بالتورط في عمليات إعدام جماعية للمعتقلين السياسيين، سيعزز قبضة التيار المتشدد في إيران، الذي يعارض الكثير من الامور والقضايا المهمة التي اتخذها الرئيس الاصلاحي حسن روحاني وخصوصاً فيما يتعلق ببرنامج ايران النووي وتحالفات ايران الجديدة في مواجهة الولايات المتحدة الامريكية.

فوز رئيسي اثار ايضاً قلق ومخاوف الكثير من الجهات والحكومات التي تخشى من اتساع النفوذ الايراني في المنطقة، ورئيسي بحسب بعض المصادر، منتقد لاذع للغرب ورافع راية صقور الأمن في إيران. وتأتي الانتخابات الإيرانية في وقت حرج. فإيران وست قوى كبرى تجري محادثات لإحياء الاتفاق النووي المبرم عام 2015. وانسحب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب من الاتفاق عام 2018 وأعاد فرض العقوبات المكبلة التي قلصت إيرادات إيران النفطية. ولم يستعرض رئيسي برنامجاً سياسياً أو اقتصادياً مفصلاً خلال حملته الانتخابية، لكنه أيد إحياء الاتفاق النووي، وهو تطور سيؤدي إلى تخفيف العقوبات الأميركية التي أنهكت الاقتصاد.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية ليور هايات عبر تويتر إن إيران انتخبت "رئيسا هو الأكثر تطرفا حتى الآن". ووصف هايات رئيسي بأنه "سفاح طهران" الذي "دانه المجتمع الدولي لدوره المباشر في إعدام أكثر من 30 ألف شخص خارج إطار القانون". وأضاف أن الرئيس الإيراني الجديد "ملتزم بالبرنامج النووي العسكري الإيراني الذي يتطور سريعا، وانتخابه يكشف بوضوح النوايا الخبيئة لإيران وينبغي أن يثير قلقا كبيرا لدى المجتمع الدولي".

كما عقّب عبدالله النفيسي، أستاذ العلوم السياسية والنائب السابق بالبرلمان الكويتي على فوز المرشح المحافظ إبراهيم رئيسي بسباق انتخابات الرئاسية الإيرانية، واصفا ذلك بأنه "نذير شؤم" على حد تعبيره. جاء ذلك في سلسلة تغريدات للنفيسي على صفحته الرسمية بتويتر، حيث قال: "انتخاب إبراهيم رئيسي نذير شؤم لا شك في ذلك. فالرجل مشهور بأنّه من المتشددين المتطرّفين في المعسكر الأصولي الحاكم في إيران ولذلك أتوقع أن ينعكس ذلك على سياسات أيران القادمة في الخليج العربي خصوصاً نحو مزيد من التشدُّد وربما الدموية في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليجً العربي.."

ردود متباينة

وفي هذا الشأن تباينت ردود الفعل الدولية بعد الإعلان عن فوز إبراهيم رئيسي بالانتخابات الرئاسية في إيران. وتلقى رئيسي التهاني من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان إلى جانب عدد من قادة دول الخليج، فيما ذكّرت منظمات حقوقية بماضيه في انتهاك حقوق الإنسان. وقال مسؤول صحفي في سفارة روسيا بطهران إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هنأ رئيسي السبت على الفوز بانتخابات الرئاسة، حسب إفادة وكالة الإعلام الروسية. ونسبت الوكالة إلى المصدر قوله إن بوتين عبر أيضا عن أمله "في المزيد من التطور في التعاون الثنائي البناء".

من جانبه هنأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرئيس الإيراني المنتخب معبرا عن إيمانه بتعزيز أواصر التعاون بين البلدين خلال فترة رئاسته. وكتب أردوغان في رسالة إلى رئيسي "إذ أعبر عن اعتقادي بتعزيز التعاون بين بلدينا خلال فترة رئاستكم، فإنني على أتم استعداد للعمل معكم". وأضاف أنه يتطلع لزيارة إيران بعد انتهاء جائحة كورونا. كما هنأت حركة حماس الرئيس الإيراني المنتخب وتمنت "مواصلة وتعزيز مواقف إيران المشرفة في التضامن مع فلسطين وقضيتها العادلة ودعم صمود الشعب الفلسطيني".

اما الولايات المتحدة وكما نقلت بعض المصادر، فقد أعربت عن أسفها لأن الإيرانيين لم يتمكنوا من المشاركة في «عملية انتخابية حرة ونزيهة» في الانتخابات الرئاسية التي شهدتها إيران. وقال متحدث باسم الخارجية الأميركية في أول تعليق يصدر عن واشنطن بشأن فوز المحافظ المتشدد إبراهيم رئيسي في الانتخابات الرئاسية الأيرانية، إن «الإيرانيين حرموا من حقهم في اختيار قادتهم في عملية انتخابية حرة ونزيهة». وأضاف المتحدث أن الولايات المتحدة سوف تواصل المفاوضات حول البرنامج النووي الايراني والعمل الى جانب حلفائها وشركائها في هذا الصدد.

واتهمت إيران الولايات المتحدة بالتدخل في شؤونها بعد قولها إن الانتخابات الرئاسية لم تكن حرة ولا نزيهة. ونقلت وسائل إعلام رسمية عن المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي قوله «نعتبر هذا التصريح تدخلا في شؤوننا الداخلية، ومنافيا للقانون الدولي، ونحن نرفضه». وأضاف «الحكومة الأميركية ليست في وضع يخولها التعبير عن آرائها في عملية الانتخابات في إيران أو أي بلد آخر».

من جانبها كررت منظمة العفو الدولية دعوتها للتحقيق مع رئيسي الفائز بانتخابات الرئاسة في إيران فيما يتعلق بدوره في إعدامات جماعية طالت آلاف السجناء السياسيين خارج نطاق القضاء عام 1988، حسبما تقول واشنطن وجماعات حقوقية. وقالت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أنياس كالامار في بيان: تخفي السلطات الإيرانية حتى اليوم الملابسات المحيطة بمصير الضحايا وأماكن جثثهم إخفاء ممنهجاً يصل إلى حد الجرائم المستمرة ضد الإنسانية.

ودعت المنظمة من قبل إلى التحقيق بشأن دور إبراهيم رئيسي. وقالت كالامار: نواصل الدعوة إلى التحقيق مع إبراهيم رئيسي حول دوره في جرائم سابقة وحالية بموجب القانون الدولي بما يشمل دولاً تمارس ولاية قضائية دولية، واتّهمته المنظمة أيضاً بأنه ترأس حملة قمع وحشية ضد حقوق الإنسان، حين كان رئيساً للسلطة القضائية في السنتين الأخيرتين، مضيفة أن حملة القمع طالت مئات المعارضين السلميين والمدافعين عن حقوق الإنسان وأفراد أقليات مضطهدة اعتُقلوا بشكل تعسفي.

وتابعت أنه مسؤول أيضاً عن توقيف آلاف المتظاهرين ومئات عمليات الإخفاء القسري (...) بعد الاحتجاجات التي اندلعت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 وتمّ قمعها بشكل عنيف. ودعت منظمة العفو الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى اتخاذ تدابير ملموسة للرد على الإفلات المنهجي من العقاب في إيران. أما مريم رجوي رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية المعارض ومقره باريس فاعتبرت أن إبراهيم رئيسي هو "آخر محاولة لخامنئي للحفاظ على نظامه" معتبرة أن هذا الأخير تخلص من جميع المنافسين لتنصيب رئيسي "أحد أعتى المجرمين ضد الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية".

السعودية وإيران

قال محللون إن دول الخليج العربية لن تتراجع على الأرجح عن الحوار لتحسين العلاقات مع إيران بعد فوز قاض من غلاة المحافظين بالرئاسة لكن محادثاتها مع طهران قد تصبح أكثر صعوبة. وقالوا إن آفاق تحسن العلاقات بين إيران والأنظمة الملكية العربية في الخليج قد تتوقف في نهاية المطاف على إحراز تقدم في إحياء اتفاق طهران النووي المبرم عام 2015 مع الدول الكبرى بعد فوز إبراهيم رئيسي في الانتخابات.

وبدأت السعودية وإيران، الخصمان الإقليميان منذ أمد بعيد وكما نقلت بعض المصادر، محادثات مباشرة في أبريل نيسان لاحتواء التوتر في نفس الوقت الذي انخرطت فيه القوى العالمية في المفاوضات النووية. وقال عبد الخالق عبد الله المحلل السياسي الإماراتي “بعثت إيران الآن رسالة واضحة مفادها أنها تميل إلى موقف أكثر تطرفا وأكثر تحفظا”. وأضاف أن انتخاب رئيسي قد يجعل تحسين العلاقات مع دول الخليج تحديا أصعب. وتابع قائلا “لكن إيران ليست في وضع يمكنها من أن تصبح أكثر تطرفا… لأن المنطقة أصبحت صعبة للغاية وخطيرة للغاية”.

وسارعت الإمارات وسلطنة عمان بتهنئة رئيسي. وتمثل دبي، المركز التجاري الإماراتي، بوابة تجارية لإيران، ولعبت عُمان دور الوساطة الإقليمية في كثير من الأحيان. وباتت السعودية والبحرين البلدين الوحيدين بالخليج اللذين لم يعقبا بعد على النتيجة. وقال خالد السليمان في صحيفة عكاظ السعودية “تعددت الوجوه والرئيس هو (آية الله علي ) خامنئي”. وقال عبد العزيز صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث “إذا نجحت محادثات فيينا وكان الوضع أفضل مع أمريكا، فعندئذ قد يتحسن الوضع في ظل وجود غلاة المحافظين القريبين من الزعيم الأعلى في السلطة”.

قال جان مارك ريكلي المحلل في مركز جنيف للسياسات الأمنية إن إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات الأمريكية عن إيران من شأنه أن يعزز موقف رئيسي ويخفف من حدة الأزمة الاقتصادية الإيرانية ويكون له تأثير في محادثات الخليج. ولا ترغب إيران ولا دول الخليج العربية في العودة إلى حالة التوتر التي شهدها عام 2019 جراء سلسلة من الهجمات التي استهدفت ناقلات نفط في مياه الخليج ومنشآت نفط سعودية، ثم إقدام واشنطن خلال حكم الرئيس السابق دونالد ترامب على اغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني في العراق.

وقال محللون إن التصور بأن واشنطن تنفصل الآن عسكريا عن المنطقة تحت قيادة الرئيس الأمريكي جو بايدن يدفع إلى اتباع نهج أكثر واقعية في منطقة الخليج. ومع ذلك طالب بايدن إيران بالحد من برنامجها الصاروخي والتوقف عن دعم وكلائها في المنطقة مثل جماعة الحوثي في اليمن وهي مطالب تحظى بدعم قوي من دول الخليج العربية. وقال ريكلي “لقد أدرك السعوديون أنه لم يعد بوسعهم الاعتماد على الأمريكيين من أجل أمنهم… ورأوا أن إيران تمتلك الوسائل لممارسة ضغط حقيقي على المملكة من خلال الهجمات المباشرة وأيضا من خلال مستنقع اليمن”.

وتركز المحادثات السعودية الإيرانية بشكل أساسي على اليمن حيث لم تعد الحملة العسكرية التي تقودها الرياض منذ أكثر من ست سنوات ضد جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران تحظى بدعم الولايات المتحدة. وتحافظ الإمارات على اتصالاتها مع طهران منذ عام 2019 في حين تقيم علاقات أيضا مع إسرائيل عدو إيران اللدود في المنطقة.

من جانبه قال الرئيس الإيراني المنتخب إبراهيم رئيسي، إن أولويات السياسة الخارجية الإيرانية ستشمل تحسين العلاقات مع دول الخليج المجاورة، والسعي لإعادة فتح السفارات مع السعودية. وأكد رئيسي، أنه "لا مانع أمام إعادة فتح السفارة السعودية لدى طهران". وقال "نرحب بتعزيز العلاقات مع دول العالم كافة ودول الجوار على رأس أولوياتنا"، مؤكدا أن "إيران تولي اهتماما كبيرا لعلاقات جيدة مع دول الجوار". وأضاف: "لا نمانع في عودة العلاقات الدبلوماسية مع السعودية وإعادة فتح السفارتين لدى البلدين".

وفي إطار الأزمة اليمنية، شدد رئيسي على أنه "يتعين إيقاف العمليات العسكرية والحرب في اليمن بشكل عاجل"، مؤكدا أن "الشعب اليمني يقرر شكل حكومته، وهو من يقرر مصيره بنفسه". وأكمل الرئيس الإيراني المنتخب: "ينبغي إيقاف السعودية عملياتها العسكرية في اليمن، وترك اليمنيين يشكلون حكومتهم بنفسهم"، لافتا إلى أنه "يجب على السعودية وقف هجماتها التي تستهدف المدنيين والبنى التحتية في اليمن".

صفقة امريكية

من جانب اخر نقل موقع أكسيوس الإخباري (axios) عن مسؤول أميركي قوله إن إدارة الرئيس جو بايدن ترغب في إبرام صفقة العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني في غضون 6 أسابيع، أي قبل تولي الرئيس الإيراني الجديد مهامه. وأضاف المسؤول الأميركي أنه إذا لم يتم الاتفاق قبل تشكيل حكومة جديدة في إيران، فستكون هناك تساؤلات جدية عن مدى إمكانية تحقيق الاتفاق، وذلك لأنه كلما طال أمد المفاوضات دون تحقيق انفراج قلّت فرص النجاح، بحسب تعبيره.

وفي وقت سابق، قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس إنه تم إحراز تقدم في محادثات فيينا المتعلقة باستئناف الالتزام بالاتفاق النووي مع إيران، وأضاف أنه كانت هناك مناقشات بناءة إلا أنه لا تزال هناك تحديات، مؤكدا أنه لا يوجد إطار زمني للانتهاء من الجولة السادسة من المحادثات الجارية حاليا في فيينا. ويذكر إن الوفدين الروسي والأميركي وكما نقلت بعض المصادر، أجريا مباحثات ثنائية على هامش محادثات فيينا. وفي السياق أوضح المندوب الروسي في فيينا ميخائيل أوليانوف في أعقاب الاجتماع أن ثمة قضايا صعبة ما زالت على الطاولة، وأن المفاوضات تحتاج إلى وقت لكي تصل إلى نهايتها.

كما أن مفاوضات أخرى جرت بين الوفود الأوروبية والوفد الأميركي، فضلا عن المفاوضات بين مختلف الوفود والوفد الإيراني. ويذكر أن الجولة السادسة للمفاوضات النووية -التي تجري في العاصمة النمساوية حاليا- لن تكون الأخيرة ضمن سلسلة مفاوضات إحياء الاتفاق النووي مع إيران. واستؤنفت الجولة السادسة من هذه المفاوضات التي انطلقت منذ أبريل/نيسان الماضي، باجتماع الأطراف المتبقية في الاتفاق، وهي إيران وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، في أحد الفنادق.

أما الوفد الأميركي فمقره فندق آخر في الجهة المقابلة من الشارع، إذ يرفض الإيرانيون عقد اجتماعات مباشرة مع نظرائهم الأميركيين. من جانبه، قال مفوض الأمن والسياسات الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوسيب بوريل إن محادثات فيينا بشأن الاتفاق النووي سمحت بتحديد القرارات المهمة والصعبة التي يتعين معالجتها. وخلال محادثات أجراها في أنطاليا مع وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف، شدد بوريل على أهمية اغتنام الفرصة السياسية وعلى ضرورة أن يتحلى الجميع بالمرونة من أجل التوصل إلى حل وسط يكون في مصلحة الجميع. وذكر بيان للاتحاد الأوروبي أن الطرفين أكدا التزامهما الكامل بالمفاوضات الجارية في فيينا. يذكر أن الاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015 كان ينص على رفع العقوبات الدولية عن طهران، مقابل فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني للتأكد من طابعه السلمي.

اضف تعليق