اسوء ما يمكن ان يحصل في اي الحرب خاضتها دولة ما من دمار وانهيارات على كافة المستويات، حصل في الحرب السورية التي لاتزال مستمرة منذ خمس سنوات تقريبا وجلب معها ابشع انواع العنف والدمار كونها شكلت ما يشبه حرب عالمية مصغرة بالوكالة لا منتصر فيها نتيجة معارك الكر والفر والاجندة المجهولة لبعض البلدان الدولية والاقليمية الساعية لجعل سوريا بؤرة للإرهاب وكسر الجدار الاهم بوجه التوسع الاسرائيلي المفترض بحسب اغلب المحللين.

ويرى هؤلاء المحللين ان اسرائيل وبعض الدول الاقليمية في مقدمتها تركيا هم مؤسسي حرب الاستنزاف الحالية في الشرق الاوسط برمته من أجل استمرار الاستنزاف بالعنف والاحتراب والاضطرابات على كل المستويات، لتحقيق أجندة بعض الدول الاقليمية والدولية الساعية لتغيير الشرق الاوسط من خلال داعش او بالأحرى اعادة تقسيمه على غرار التقسيم في سايكس بيكو بداية القرن الماضي، لكن الهدف الاول هو استنزاف هذه الشعوب وسلب ثرواتها ومحو تراثها الحضاري والديني وحماية اسرائيل.

ويرى الكثير من المحللين انه كلما طالت الحرب في سوريا زاد تقسيمها وضعفها وربما سيعمق هذا الانقسام الفعلي في سوريا اشتداد الحرب الاستنزافية مع تفاقم خليط من الجماعات المسلحة في سوح الحرب، وفي اطار التطورات الحربية الميدانية سجلت معركة حلب أعنف قتال للجماعات المسلحة في سوريا منذ ثلاث سنوات، وتقع حلب على بعد 50 كيلومترا إلى الجنوب من الحدود مع تركيا وكانت أكبر مدينة سورية من حيث عدد السكان قبل نشوب الحرب السورية. وتنقسم المدينة إلى مناطق تسيطر عليها الحكومة وأخرى تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عام 2012.

ويقول بعض المحللين ان مدينة حلب مهمة بالنسبة للأسد وفقدانه السيطرة عليها سيزيد من تقسيم فعلي لسوريا بين مناطق غربية لا تزال تحت سيطرة دمشق وباقي البلاد الذي يسيطر عليه العديد من الجماعات المسلحة.

ففي الآونة الاخيرة زادت الشكوك حول علاقة تركيا الغامضة مع تنظيم داعش الارهابي، فقد قالت مصادر أمنية في تركيا احدى الدول المعادية لسوريا إن السلطات التركية أرسلت قوات إضافية وعتادا إلى جزء من الحدود مع سوريا مع تصاعد حدة القتال إلى الشمال من حلب، وقالت الحكومة السورية إن مساعدة تركيا للجامعات المسلحة كان لها دور مهم في تقدمهم بمحافظة إدلب الواقعة في شمال غرب سوريا والتي سقطت في يد المقاتلين منذ أن سيطروا على عاصمة المحافظة في أواخر مارس آذار.

في المقابل تعتمد سوريا على المساعدة من حلفائها روسيا وإيران وحزب الله اللبنانية في الصراع المستمر منذ اكثر من أربعة أعوام والذي قتل فيه أكثر من 220 ألف شخص، فلم يعد اليوم بوسع الرئيس السوري بشار الأسد الدفاع عن البلاد بكاملها أو أن يأمل في استعادة الأراضي التي فقدها، وتتقهقر قواته وتعزز معاقلها الرئيسية بدءا من العاصمة دمشق إلى الشريط الساحلي في شمال غرب سوريا، وفي تلك الأثناء يحاول الأسد تعزيز سيطرته على مناطق بغرب سوريا على الحدود مع لبنان بمساعدة جماعة حزب الله الشيعية اللبنانية وبدعم من الحكومة الإيرانية، وقالت مصادر مطلعة إن حزب الله أرسل تعزيزات في الآونة الأخيرة إلى مناطق قريبة من بلدة الزبداني التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة قرب الحدود مع لبنان في استعداد على ما يبدو للهجوم عليهم.

في الوقت نفسه فإن التكتلات الرئيسية لجماعة داعش في الشرق الى تحالف منافس من الارهابين في الشمال الغربي والمقاتلين القوميين في الجنوب والأكراد في الشمال تصنع لنفسها مناطق نفوذ فيما يبدو أنه تقسيم لسوريا بحكم الأمر الواقع.

وفي حين أنه لا يمكن الجزم بالكثير في ظل حالة الفوضى متعددة الجوانب التي سببتها الحرب السورية فإن الكثير من الخبراء الذين يراقبون الصراع لا يراودهم شك في أن تفاصيل المشهد الملطخة بالدماء تعيد ترتيب نفسها من جديد لتصنع حلبات منافسة يحكمها قادة فصائل، ويرى محللون آخرون انه ظهرت أول بوادر على تغير شكل هذه الحرب الضروس مع سقوط مدينة إدلب في شمال غرب البلاد في مارس آذار لتسقط بعدها بقليل جسر الشغور البلدة ذات الأهمية الاستراتيجية التي تفتح الطريق الى اللاذقية والساحل معقل الأقلية العلوية التي تنتمي لها عائلة الأسد، إذ يرى بعض المحللين أن ما يجري داخل الاراضي السورية حالية هو عمليات مد وجز عسكرية ميدانية لا تغير في الموازين لا أمنيا ولا سياسيا، مما يعني بقاء المشهد السوري غامضا حتى اللحظة الراهنة.

وعليه يجمع المحللين على أن مسألة الى أي مدى ستقسم سوريا وماذا سيكون مصيرها في نهاية المطاف يمكن أن تتوقف على المنافسة الإقليمية بين ايران القوة الشيعية والسعودية القوة السنية، وهو ما قد يعني أن الحرب قد تستمر لسنوات.

معركة الاستيلاء على حلب

في سياق متصل قال مراقب ومعارضون ان مسلحين سوريين بقيادة جماعات اسلامية بدأوا هجوما كبيرا للسيطرة على مدينة حلب المقسمة في شمال البلاد، وسيكون سقوط حلب المركز التجاري السوري ضربة كبيرة للرئيس بشار الاسد الذي تقتصر سيطرته على حزام اراضي يمتد شمالا من دمشق الى ساحل البحر المتوسط. بحسب رويترز.

وجاء في بيان للجماعات ان هدفها هو "تحرير مدينة حلب" وضمان تطبيق مبادئ الشريعة عندما تسقط في أيديهم، وقال المرصد السوري لحقوق الانسان ومقره بريطانيا ان تحالف جماعات يضم جبهة النصرة وأحرار الشام أطلق مئات من قذائف المورتر على مواقع بالمناطق الغربية من المدينة يسيطر عليها الجيش السوري وفصائل مسلحة حليفة.

وقال رامي عبد الرحمن رئيس المرصد الذي يراقب الحرب ان معظم القتال تركز على خط جبهة جمعية الزهراء حيث قصف المسلحون الجزء الذي يتمتع بدفاعات قوية ويسيطر عليها الجيش، وأضاف أن هذا أكبر هجوم للمسلحين يحدث بالتزامن عبر معظم الخطوط الأمامية منذ سيطرة المعارضة المسلحة على معظم الجزء الشرقي من المدينة في صيف 2012.

رد الجيش السوري بالغارات الجوية

في المقابل شنت قوات الحكومة السورية غارات جوية كثيفة على مواقع لمقاتلي المعارضة في مدينة حلب الشمالية وحولها بهدف صد هجوم كبير يقوده الإسلاميون على مناطق في المدينة تقع تحت سيطرة الرئيس بشار الأسد. بحسب رويترز.

وفي وقت لاحق عرض التلفزيون الحكومي عشرات الجثث لمقاتلين مسلحين قائلا إن الجيش قتل ما لا يقل عن 100 مسلح في الهجوم المضاد، وقال رامي عبد الرحمن مدير المرصد السوري إن قوات المعارضة انتزعت السيطرة على بعض المباني من قوات الحكومة عند حي جمعية الزهراء على مشارف المدينة الواقعة في شمال غرب البلاد. وقال في وقت لاحق إن المسلحين المعارضين يحققون تقدما في جزء من غرب حلب يقربهم من وسط المدينة، وأضاف عبد الرحمن أن 35 مسلحا على الأقل قتلوا في هذه المنطقة بينهم 12 سوريا وآخرون كثيرون من منطقة اسيا الوسطى. ويخوض مقاتلون أجانب من أنحاء العالم الاسلامي الحرب في سوريا بينهم جهاديون من اسيا الوسطى، وذكرت تقارير أن غارات جوية نفذت في بلدة أعزاز أيضا إلى الشمال من مدينة حلب على الجانب الآخر من حدود تركيا.

على صعيد ذي صلة قال تحالف لمقاتلي المعارضة يضم جبهة النصرة جناح تنظيم القاعدة في سوريا وجماعة أحرار الشام الإسلامية المتشددة إنه أنشأ غرفة عمليات مشتركة لإدارة هجوم "لتحرير" حلب ومن ثم حكمها بالشريعة الإسلامية.

وقالت مجموعة أخرى من المعارضين تضم مقاتلين يتلقون مساعدات غربية ويقاتلون تحت اسم الجيش السوري الحر إنها سيطرت على منشأة أبحاث رئيسية بالقرب من وسط المنطقة التي تسيطر عليها الحكومة، وقالت مصادر أمنية في تركيا احدى الدول المعادية للأسد إن السلطات التركية أرسلت قوات إضافية وعتادا إلى جزء من الحدود مع سوريا مع تصاعد حدة القتال إلى الشمال من حلب.

لا وجود لسوريا القديمة

من جهته يقول فواز جرجس أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد إن "سوريا القديمة... الدولة القومية والدولة نفسها لم يعد لها وجود. ما لدينا الآن هو اقتتال وعشائر متنافسة وكيانات غير تابعة للدولة وقادة فصائل"، وأضاف جرجس الخبير في الشأن السوري "سيكون من الصعب للغاية إعادة سوريا لتكون دولة واحدة. انفصمت عرى النسيج الاجتماعي والصلات القوية التي تحافظ على تماسكه"، وقال "حكم الأسد قضية تتصل بطريقة أو أخرى بالهوية. نعم هناك الكثير من السنة والمسيحيين الذين يعيشون هناك لكنهم يعتبرون أنفسهم جزءا من هذه الهوية... السنة والمسيحيون من الطبقة المتوسطة والعليا".

وبدأت حكومة الأسد الآن والتي ترزح تحت ضغط من حليفتيها الرئيسيتين ايران وروسيا في تقبل نقطة ضعفها الأساسية. إنه حكم أقلية تعاني نقصا شديدا متفاقما في الأعداد وتحارب متشددين ومقاتلين معارضين من السنة في مناطق ذات أغلبية سنية.

يقول عبد الرحمن من المرصد السوري "الخسائر التي خسرها في ادلب كانت صدمة للنظام. أصبحت هناك اتهامات داخل النظام بأن هناك قائدا في القوات النظامية لم يقاتل عمليا"، وأضاف "اما بالنسبة لبالميرا (تدمر) لم يكن لديه إمكانية للدفاع عنها لأن كل جندي يخسره ليس لديه إمكانية أن يعوضه بسهولة. النظام خسر في بالميرا 300 فرد"، وتقول الحكومة السورية وحزب الله إن الانتكاسات الأخيرة جزء من حركة المد والجزر الطبيعية في صراع فقدا خلاله واستعادا أراضي فيما سبق.

ومازالت القوات الجوية السورية تتيح للجيش التفوق على أعدائه. وبعد فقد إدلب يبدو أن الجيش يقاتل بشراسة للحفاظ على موطئ قدمه في مدن منها درعا وهي محور هجوم جديد لمقاتلي المعارضة والحسكة حيث شن تنظيم الدولة الإسلامية هجوما على القوات الحكومية.

ويقول عبد الرحمن ودبلوماسيون يتابعون الصراع إنه منذ منتصف مايو ايار وصلت تعزيزات إيرانية قوامها بالآلاف الى المنطقة الساحلية بشمال غرب البلاد والى محيط دمشق، وقال عبد الرحمن "انتهى هذا الموضوع. من الآن فصاعدا الأقلية لن تستطيع أن تحكم الأكثرية. هذا الموضوع محسوم. بشار غير مقتنع بهذا لكن العلويين مقتنعون لأنهم هم تعرضوا لأكبر نسبة خسارة. العلويون الذين قتلوا من الجيش ومن الدفاع الوطني واللجان الشعبية هم اكثر من 80 الفا وهؤلاء موثقون لكن العدد الحقيقي اكثر من 120 الفا".

حرب طويلة

من جانب آخر يقول المعلق البارز سركيس نعوم إن هناك قناعة بين روسيا وايران وحزب الله أن الأسد خسر الحرب وأن احتمال استعادته السيطرة على سوريا بالكامل لم يعد ممكنا، وقال لرويترز "سوف نرى تحت الخطة البديلة ما يمكن أن يحتفظ به الأسد من مناطق"، وأضاف "الشام (دمشق) مستحيل أن تبقى معه وحلب مستحيل أن تبقى معه وأعتقد أن حماة لن تبقى معه. سوف يكون عنده المنطقة الساحلية ومعها حمص".

لكن عبد الرحمن يحذر من أن الجبهات الجديدة في سوريا ما زالت تمثل تهديدا فالأقليات على وجه الخصوص تحت رحمة المتشددين، وقال "حتى لو انهار النظام في سوريا لن يكون هناك حل قبل 10 سنوات"، وأضاف "هناك عشرات الآلاف من المسلحين العلويين لن يسلموا سلاحهم لأنهم سوف يتعرضون للذبح. هناك اكثر من 50 الف جهادي دخلوا سوريا. من الذي يستطيع أن يخرجهم؟".

روسيا متمسكة بموقفها المؤيد للأسد

الى ذلك أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مجددا دعم بلاده للرئيس السوري بشار الاسد وقال انه يعارض أي استخدام خارجي للقوة لمحاولة انهاء الحرب السورية، ولم يظهر بوتين أي مؤشر على التردد في سياسته التي تقوم على محاولة حماية الاسد من الضغوط التي تفرض عليه من الغرب في الصراع المستمر منذ أربع سنوات ونصف الذي قتل فيه أكثر من 200 ألف شخص ونزح ملايين الاشخاص من ديارهم. بحسب رويترز.

وقال بوتين ردا على أسئلة في منتدى اقتصادي سنوي في سان بطرسبرج بروسيا "مخاوفنا هي ان تنزلق سوريا الى نفس الوضع مثل ليبيا والعراق"، وأضاف "نحن لا نريد ذلك ... في سوريا"، وقال بوتين ان السياسة الامريكية لمواجهة تنظيم الدولة الاسلامية الذي يسيطر على مناطق كبيرة من العراق وسوريا كان لها حتى الان تداعيات "مؤسفة" و"مأساوية""، وقال "الولايات المتحدة تدعم العراق وتدعم ... الجيش. ومن خلال ضربتين أو ثلاث ضربات استولت الدولة الاسلامية على كثير من الاسلحة ... والان الدولة الاسلامية لديها تسليح أفضل من الجيش العراقي. وكل هذا يحدث بدعم الولايات المتحدة".

وتدعم واشنطن المعارضين الذين يسعون للاطاحة بالاسد وتحاول الآن إنشاء معارضة سورية معتدلة لمحاربة الدولة الاسلامية، وكرر بوتين موقف روسيا الذي يتمثل في ان الامر متروك للشعب السوري لكي يقرر مصير الاسد مضيفا ان روسيا ستحث الاسد على العمل مع المعارضة "الصحيحة" بشأن الاصلاحات السياسية.

وأضاف "نحن مستعدون للعمل مع الرئيس لضمان مسار يقود الى انتقال سياسي من أجل ... الابتعاد عن المواجهة المسلحة. لكن هذا يجب الا يتم باستخدام القوة من الخارج"، وفيما يتعلق بايران قال بوتين انه يعتقد ان القوى العالمية والجمهورية الاسلامية سيوقعان قريبا اتفاقا يقلص برنامج طهران النووي مقابل تخفيف العقوبات، وقال "أعتقد ان التوقيع سيحدث في المستقبل القريب" مضيفا ان تنفيذ الاتفاق سيستغرق نحو ستة أشهر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0