تسعى فرنسا بشكل واضح الى الاستفادة من الفوضى التي خلقتها جملة المتغيرات والأحداث المهمة التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط، حيث يرى بعض الخبراء ان فرنسا وبعد ضمان وجودها في القارة الإفريقية، عادت من جديد بعد غياب للقيام بدور ‏فاعل في الشرق الأوسط من خلال نشاط دبلوماسي مكثف يهدف إلى تعزيز دورها في المنطقة. فقد سعت الحكومة الفرنسية الى رسم خارطة جديدة لسياستها وحجز دور دبلوماسي وامني واقتصادي مع العديد من الدول وخصوصا دول الخليج العربية.

وذكرت صحيفة "لوموند" أن فرنسا تطمح للعب دور أكبر مع دول الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن أمام باريس حاليا جملة من الرهانات والتحديات المتعلقة ببعض القضايا الامنية المهمة وخصوصا تلك المتعلقة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، يضاف الى ذلك ، رغبة فرنسا ان تكون حاضرة اكثر في المنطقة التي باتت ساحة مفتوحة للجميع، خصوصا بعد تغلغل تنظيم داعش في العراق وسوريا واستيلائه على مساحات واسعة، كما أنها تمكنت وبحسب بعض الخبراء من تحقيق دور مميز في علاقاتها مع السعودية التي تشاركها بعض الآراء والسياسات منها ما يتعلق بالصراع السوري والملف النووي الايراني.

وبحسب بعض المصادر فقد دخلت منطقة الشرق الأوسط التفكير السياسي الفرنسي منذ أمد بعيد، حيث شهدت المنطقة دخولا فرنسيا قويا إبان مرحلة الاستعمار المباشر، وبعد استقلال دول المنطقة، بدأ النفوذ الفرنسي يتراجع شيئا فشيئا مقابل الدخول القوي للولايات المتحدة الأميركية، وباتت منطقة الشرق الأوسط محل تجاذب وصراع نفوذ بين القوتين العظيمتين إبان فترة الحرب الباردة التي أعلن انتهاءها انفراد الولايات المتحدة، كقوة عظمى وحيدة، بالهيمنة على المنطقة.

السعودية والكويت

وفي هذا الشأن فقد أعلن وزيرا خارجية السعودية وفرنسا، في مؤتمر صحفي مشترك عن توقيع 10 اتفاقيات بين البلدين. وقال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إنه سيتم توقيع 10 اتفاقيات بين السعودية وفرنسا، وأضاف أن اتفاقيات التسليح مع فرنسا كانت من بين قضايا البحث. وأوضح الجبير أن الاتفاقيات "تم بحثها في فترة قصيرة ونتطلع إلى مزيد من التعاون في المجال السياسي والأزمات التي تواجه المنطقة". وأشار إلى أن اتفاق شراء أسلحة فرنسية للجيش اللبناني ما زال قائما. وقال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس: "قدمنا دراسة لبناء مفاعلين نوويين في ‫‏السعودية، وسيتم بيع السعودية طائرات تجارية وأخرى عسكرية، منها 23 مروحية. وأضاف أن قيمة صفقة الطائرات تبلغ أكثر من نصف مليار يورو.

كما وقع وزير التجارة والصناعة توفيق الربيعة على برنامج تعاون فني في المجال الصناعي مع وزارة الاقتصاد والصناعة الفرنسية. ويضمن البرنامج التعاون في تنمية الصادرات الصناعية للبلدين وزيادة حجم التجارة البينية وتبادل المعلومات التجارية والصناعية. والاتفاقيات بين المملكة وفرنسا، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، كالتالي: خطاب نوايا بشأن قيام شركة "اريفا" بدراسة جدوى إنشاء مفاعلين نوويين في المملكة. اتفاقية تنفيذية للتعاون في المجالات الصحية. اتفاقية تعاون فني في المجال الصناعي تتضمن التعاون في تنمية الصادرات الصناعية وزيادة حجم التجارة البينية وتبادل المعلومات التجارية والصناعية. توقيع عقد تزويد حرس الحدود السعودي بعدد 23 طائرة هيلكوبتر من شركة ايرباص بقيمة 470 مليون دولار.

عقد استثماري بين صندوق الاستثمارات العامة وشركة ائتمان الصادرات الفرنسية (كوفاس) يقوم الصندوق بموجبه بتمويل بعض العمليات التي تنطبق عليها شروط الائتمان التي تطبقها الشركة. مذكرة تفاهم بين الخطوط الجوية العربية السعودية وشركة ايرباص بخصوص سرعة تسليم 50 طائرة ايرباص منها 20 طائرة (ايرباص 330)، و30 طائرة (ايرباص 320). اتفاق تعاون علمي بين مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية والمركز الوطني للبحوث العملية الفرنسي. مذكرة تفاهم استثمارية بين المملكة والحكومة الفرنسية تتضمن قيام صندوق الاستثمارات العامة والمؤسسات الاستثمارية السعودية بالاستثمار في شركات الملكية الخاصة في فرنسا.

مذكرة تفاهم للتعاون في مجالات إدارة النفايات المشعة بين مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة والمعهد الفرنسي للحماية من الاشعاعات والسلامة النووية. مذكرة تفاهم للتعاون بين مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة والوكالة الفرنسية لإدارة النفايات النووية في مجال تطوير تنظيم الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في مجال النفايات النووية.

في غضون ذلك، اعتبر المغرد السعودي الشهير "مجتهد" في سلسلة تغريدات عبر حسابه على موقع "تويتر" أن محمد بن سلمان ينتزع دور ولي العهد الأمير محمد بن نايف، بعد زيارته إلى فرنسا ، وزيارته إلى روسيا لتوقيع 6 اتفاقيات معها. وقال مجتهد: "بعد روسيا وفرنسا تجري ترتيبات لزيارة بن سلمان لألمانيا وبريطانيا والصين وربما إسبانيا حتى يؤكد أنه هو الذي يمثل الملك وليس بن نايف". بحسب CNN.

وأضاف: "من خلال والده نجح بن سلمان في القفز بكل سهولة فوق بن نايف وهو ما أكد الشكوك السابقة أنه عازم على إزاحة بن نايف والحلول محله الآن أو بعد حين". وتابع: "محمد بن نايف رغم دهائه وخبثه مشلول تماما أمام صعود بن سلمان، ورغم أنه شبه متأكد أنه سيعزل فهو عاجز عن عمل شيء لأنه مثل الأسير عند ابن سلمان".

ووقعت فرنسا والسعودية في باريس اتفاقا على انشاء اول صندوق استثمار فرنسي-سعودي يتدرج رأسماله حتى يبلغ 400 مليون دولار، ومساعدة المؤسسات الفرنسية على ان تتطور في منطقة الخليج. وقد وقعت رسالة النوايا بين الوليد بن طلال رئيس شركة المملكة القابضة ولوران فيجييه رئيس مجلس ادارة شركة سي.دي.سي انترناشونال كابيتال، المتفرعة من صندوق الودائع، الذراع المالية للدولة الفرنسية.

من جانب اخر اعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في باريس ان العقد الفرنسي - السعودي لتسليح الجيش اللبناني لا يزال ساريا وفق الجدول المحدد ولم يتم وقف العمل به. وصفقة الاسلحة الفرنسية ممولة من السعودية وتبلغ قيمتها ثلاثة مليارات دولار وتهدف الى تعزيز قدرات الجيش اللبناني.

وقال الجبير في مؤتمر صحافي مع نظيره الفرنسي لوران فابيوس "هناك اتفاق، وليس هناك تجميد. هناك جدول محدد للدفع، وكل شيء يتواصل بشكل طبيعي، وليس هناك اي تغيير". وكانت تقارير اعلامية تحدثت مؤخرا عن تجميد في سداد ما هو متفق عليه في العقد. ووفق مصدر دبلوماسي فان "المرحلة الاولى يجري تنفيذها، اما السؤال المطروح فيتعلق بالمراحل الاخرى: الاتفاق لم يلغ ولم يفسخ. والامر متعلق بطلب سعودي لاسباب سياسية، لان المملكة السعودية صارمة جدا في ان تصل تلك المعدات الى الجيش اللبناني وحده ليستفيد منها اللبنانيون كافة".

وتابع ان "السعوديين يريدون ضمانات الا تصل تلك المعدات الى قوة اخرى"، مضيفا "نحن نعمل من اجل ان نضمن ذلك. العمل سيتواصل ونحن واثقون من ان البرنامج سيطبق بمراحله كافة". وتسلم الجيش اللبناني في نيسان/ابريل الدفعة الاولى من الاسلحة الفرنسية بموجب الهبة السعودية.

في السياق ذاته أعلن مكتب الرئاسة الفرنسية أن أمير الكويت طلب شراء 24 طائرة هليكوبتر عسكرية من طراز "كاراكال" تصنعها شركة "إيرباص". والعقد هو الأحدث الذي يتم الاتفاق عليه بين باريس ودولة خليجية عربية بعد أسابيع من الاتفاق على بيع 24 مقاتلة 'رافال' لقطر. وقالت وزارة الدفاع الفرنسية إن قيمة العقد حوالي مليار يورو.

وقال مكتب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند عقب محادثة هاتفية بينه وبين أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح "في إطار الشراكة الدفاعية بين فرنسا والكويت .. عبر الأمير عن الرغبة في تزويد القوات الجوية لبلاده بأربع وعشرين هليكوبتر من الطراز كاراكال. سيتم توقيع العقد قريبا."

فرنسا وعملية السلام

على صعيد متصل رفض رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو ما وصفه "الاملاءات الدولية" على اسرائيل بينما تسعى باريس لعرض مبادرة فرنسية لاستئناف عملية السلام المتعثرة منذ اكثر من عام. ويقوم وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس ب"جولة دبلوماسية مكثفة" تشمل مصر والاردن والاراضي الفلسطينية واسرائيل، بهدف عرض المبادرة الفرنسية. وقال نتانياهو "الطريقة الوحيدة للوصول الى اتفاق هي عبر المفاوضات الثنائية (بين اسرائيل والفلسطينيين)، وسنرفض بقوة اي محاولات لفرض املاءات دولية علينا".

وبعيد ذلك، رد الوزير الفرنسي من رام الله مؤكدا ان "من غير الوارد فرض اي حل لن يقبل به احد". واضاف في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الفلسطيني رياض المالكي اثر لقائه الرئيس محمود عباس، "علينا ان نضمن امن اسرائيل وفي الوقت نفسه منح الفلسطينيين حق ان يكون لديهم دولة".

وفي وقت لاحق، اكد فابيوس الى جانب نتانياهو في القدس انه يدعو الى "مواكبة دولية" لعملية السلام مع ترك المفاوضات "لاسرائيل والفلسطينيين". وقال "اذا لم ننجح في حل القضية الاسرائيلية الفلسطينية فاننا نواجه خطر انفجار العنف". وفي وقت سابق اكد فابيوس في العاصمة الاردنية ان بلاده لن تتخلى عن جهودها رغم الجمود الذي يعتري تلك المفاوضات. وقال في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الاردني ناصر جودة ان "فرنسا في الحقيقة هي واحدة من الدول القليلة التي لا تتخلى عن جهودها (...) ولا عن صداقتها للفلسطينيين وللاسرائيليين على حد سواء".

واوضح ان "الهدف الاول لهذه الزيارة هو التعرف على الكيفية التي يمكننا بها أن نساعد في إحياء عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية". وحذر فابيوس من خطورة تجدد أعمال العنف، قائلا "اذا لم نقدم أفقا سياسيا، فهناك خوف من تجدد دوامة العنف التي يمكن أن تحدث للأسف في أي لحظة". من جانبه، اعتبر رئيس الوزراء الاسرائيلي ان "الاقترحات الدولية التي تطرح علينا، والتي يحاولون بالفعل فرضها علينا، لا تتطرق بشكل حقيقي الى الحاجات الامنية لدولة اسرائيل والى مصالحنا الوطنية الاخرى".

واضاف "هؤلاء الاطراف يحاولون ببساطة دفعنا الى حدود لا يمكن الدفاع عنها، متجاهلين بشكل تام ما سيحدث على الجانب الاخر من هذه الحدود". و كرر نتانياهو امام فابيوس ان "سلاما لا ترسخه اجراءات امنية على الارض تتيح لاسرائيل الدفاع عن نفسها لن يصمد ولن نوافق عليه".

وانتقد فابيوس في القاهرة في مستهل جولته الشرق اوسطية الاستيطان الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية المحتلة الذي يحول دون استئناف مفاوضات السلام بين اسرائيل والفلسطينيين ويجعل حل الدولتين "مستحيلا". ويعتبر المجتمع الدولي كل الانشطة الاستيطانية الاسرائيلية في الاراضي المحتلة مخالفة للقانون وعقبة رئيسية امام استئناف مفاوضات السلام. وبدأت فرنسا تنشط لتحريك عملية السلام بين اسرائيل والفلسطينيين، الامر الذي يعتبر تقليديا من اهتمامات واشنطن، وذلك بعد فشل وساطة وزير الخارجية الاميركي جون كيري في ربيع 2014.

وفي نهاية كانون الاول/ديسمبر قدم الفلسطينيون مشروع قرار الى مجلس الامن الدولي حصل على دعم فرنسي وينص على التوصل الى اتفاق سلام خلال 12 شهرا وعلى انسحاب اسرائيل من الاراضي المحتلة قبل نهاية 2017، لكن دولا عدة عارضته بينها الولايات المتحدة التي استخدمت الفيتو. لكن باريس ترى في التصريحات الاميركية الاخيرة التي قالت ان واشنطن قد تراجع موقفها بشأن تأييدها الراسخ لاسرائيل في الامم المتحدة "انفتاحا غير مسبوق ينبغي استغلاله". بحسب فرانس برس.

وتعارض حكومة اسرائيل اي توجه لاستصدار قرار من الامم المتحدة وابدت استياءها السنة الماضية من تصويت البرلمان الفرنسي على قرار يطالب الحكومة الفرنسية بالاعتراف بفلسطين. من جهة اخرى، ذكر فابيوس من القدس بان اي اتفاق مع ايران حول ملفها النووي يجب ان يكون "قابلا للتحقق". وقال في حضور نتانياهو الذي يحذر من توقيع اي اتفاق مع ايران، "نعتقد انه من الضروري ان نكون حازمين جدا، وفي حال سيكون هناك اتفاق لا بد من ان يكون صلبا، اي قابلا للتحقق".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1