يواجه الأزهر وكما يقول بعض المراقبين انتقادات شديدة بسبب بعض المواقف والقرارات، التي يتخذها المشايخ والعلماء التابعين الى هذه المؤسسة المهمة، التي غيرت الكثير من آرائها تبتعد كثيرا عن حياديتها ومهنيتها المطلوبة منها وخصوصا في ما يتعلق ببعض المذاهب والديانات والقضايا السياسية، ومنها المواقف الأخيرة من الشيعة، بسبب الضغوط والتدخلات الخارجية الكبيرة التي تصب في خدمة بعض الأطراف والجهات والدول، يضاف الى ذلك دخول بعض الدعاة والمشايخ من حملة الفكر المتشدد او المؤيدين لبعض الأفكار، التي تدعو الى تعميق الخلافات الطائفية ونشر التطرف وإقصاء الآخر ومصادرة الأفكار من اجل تحقيق مصالح خاصة، وهو ما أسهم باتساع رقعة العداء والرفض لدى العديد من النخب المثقفة في مصر وغيرها من الدول الأخرى.

ولعل ما يوثق ذلك كما يقول البعض هو موقف الأزهر من الباحث الدكتور إسلام بحيري الذي سعى الى انتقاد بعض الأخطاء في المؤسسة الأزهرية، وهو ما أثار ردود أفعال العديد من المشايخ والدعاة الذين تجنبوا الرد بالحجج وعمدوا الى اتهامه بالجهل والكفر وتلفيق التهم في سبيل إبعاده عن الساحة بهدف إخافة وإسكات باقي الأصوات المعارضة لتوجهات وسياسة هذه المؤسسة.

من جانب آخر يرى العديد من الخبراء، ان مواقف وسياسة الأزهر لاتزال مبهمة وغير واضحة، ففي الوقت الذي يعارض فيه أفكار بعض الديانات الفرق والمذاهب الإسلامية المعتدلة، تفتح أبواب الحوار مع بعض الشخصيات والأحزاب اليمينية المتطرفة التي لها آراء معادية للإسلام والمسلمين، كما حدث رئيسة الجبهة الوطنية الفرنسي مارين لوبان وغيرها، وهو ما يعتبره الأزهر في بيان خاص، انفتاح على الآخر والحوار الإيجابي مع جميع التيارات والاتجاهات الفكرية. وذكر البيان أن بين دوافع قبول اللقاء "ابتغاء مصلحة المسلمين العليا في بقاع الأرض". كما يرى البعض المؤسسة الأزهر تشهد خلافات داخلية كبيرة يمكن ان تسهم بأضعاف دورها الحالي.

ومن الجدير بذكر كما تشير بعض المصادر فقد تحول الأزهر من مؤسسة مستقلة إلى مؤسسة حكومية منذ 1953، حين فرضت الدولة سيطرتها على أوقاف الأزهر عام 1961، حين أصدرت القانون رقم 101، ثم تم إسناد صلاحية تعيين شيخ الأزهر ووكيله ورئيس جامعته وعمداء كلياته إلى رئاسة الجمهورية بإصدار القانون 101 عام 1961، ثم تحول إلى المؤسسة الاحتياطية للسلطة الحاكمة التي تخرجها عندما تحتاج إلى مبرر أو دعم ديني، عندما تشعر بخطر يهددها.

السجن خمس سنوات

وفي هذا الشأن فقد أصدرت محكمة مصرية حكما بسجن إسلام البحيري، مقدم برنامج "مع إسلام" خمس سنوات بتهمة "ازدراء" الدين الإسلامي. وكان البحيري يقدم البرنامج على قناة "القاهرة والناس" قبل أن توقفه إدارة القناة "إعلاء للمصلحة الوطنية واستجابة للإمام الأكبر للأزهر الشريف " حسب تبريرها. وكان السيسي صرح أن "تجديد الفكر الديني لن يتم بهذه الطريقة" في إشارة إلى البرنامج.

وأثار البحيري، الذي كان يقدم برنامج "مع إسلام" على قناة "القاهرة والناس" المصرية، غضب الأزهر الذي يعتبر أن تفسيره للإسلام وهجومه على السلف "إساءة للتراث الإسلامي" بينما يؤكد البحيري أنه يسعى إلى "تجديد الفكر الديني". وقال البحيري إنه فوجئ بهذه القضية التي أقامها ضده عدد من المحامين، مضيفا "عرفت بالحكم من اتصال هاتفي " من أحد الأصدقاء. وأكد أنه "سيتقدم بطعن على هذا الحكم أمام محكمة الاستئناف" معتبرا أن ما يحدث "مهزلة".

وبدأت محكمة جنح أخرى في الجيزة النظر بدعوى مماثلة أقامها محامون ضد البحيري يتهمونه فيها كذلك بـ"ازدراء الأديان". وقررت هذه المحكمة مواصلة النظر في القضية. وفي 23 نيسان/ أبريل الماضي أعلن البحيري أن برنامجه توقف "لخلافات بينه وبين القناة"، إلا أن توقف البرنامج تزامن مع احتجاجات الأزهر على محتوى البرنامج. بينما قالت قناة "القاهرة والناس" إنها قررت وقف البرنامج "إعلاء للمصلحة الوطنية واحتراما لفصيل كبير من الشعب المصري واستجابة للإمام الأكبر للأزهر الشريف في (دعوته) لتحكيم العقل عندما يتناول الإعلام مسائل الدين".

وأضافت القناة أنها ترى أنه يجب ترك "قضية تجديد الخطاب الديني لعلماء الدين وعقول الأمة المستنيرة بعيدا عن الإعلام المرئي الذى يسعى بطبيعته إلى الإثارة والجدل". وتابعت القناة أن "حرية التعبير والتفكير حق دستوري لكل مواطن مصري ولكن مع الالتزام بالمسؤولية وهي أن مصلحة الأمة تعلو كل مصلحة". وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعا أكثر من مرة إلى "تجديد الفكر الديني" لمواجهة الأفكار والتفسيرات التي تستند إليها تنظيمات الإسلام السياسي. غير أنه ألمح مؤخرا إلى أن تناول البحيري للمسألة قد لا يكون مفيدا. بحسب فرانس برس.

وقال السيسي في نيسان/ أبريل الماضي "عندما تكلمت عن الخطاب الديني طرحت عنوانا ولم أدخل في التفاصيل (...) لكنني وجدت كلاما ليس لمصلحة هذه القضية". وأضاف أن تجديد الخطاب الديني "لن يتم بين يوم وليلة ولن يتم بهذه الطريقة" في إشارة غير مباشرة إلى برنامج البحيري. وتابع "لا تضغطوا على الرأي العام والناس في بيوتها لأنه ليس هناك ما هو أغلى من الدين، المطلوب التحرك بوعي واستنارة ومسؤولية" أي "التعامل بحذر ودقة ووعي".

المساجد والخطباء

على صعيد متصل قررت محكمة مصرية إدارية ضم جميع المساجد بمختلف المحافظات لوزارة الأوقاف، وبررت قرارها باقتصار الولاية في العلوم الدينية على الجامع الأزهر، وبخطورة تأثير خطباء غير مؤهلين في نفوس البسطاء. وذكرت وكالة الأنباء المصرية أن محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية الدائرة الأولى بالبحيرة، أصدرت "حكمًا بضم جميع المساجد بمختلف المحافظات لوزارة الأوقاف بناءً على دعوى تقدم بها أحد المواطنين".

وأشارت المحكمة في حيثيات حكمها إلى أن ضم المساجد، "يعد احتراماً لقدسية المنبر، وتطهيرا لفكر الدعاة، حيث جعل المٌشرع الدستوري الأزهر الشريف المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشئون الإسلامية وقصر ولاية مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم على الأزهر الشريف. وأضافت المحكمة " أنه نظرا لخطورة تأثير ممن هو غير أهل لممارسة الخطابة في نفوس البسطاء، فقد ألزم المشرع العادي أن تكون ممارستها والدروس الدينية بالمساجد وما في حكمها من الساحات والميادين العامة وفقا لأحكام القانون الذي لم يجز لغير المعينين المتخصصين بوزارة الأوقاف والوعاظ بالأزهر الشريف المصرح لهم، ممارسة الخطابة والدروس الدينية بالمساجد وما في حكمها." بحسب CNN.

وأوضحت المحكمة في حيثيات قرارها أن القيام بالخطابة في المساجد، "يصدر بالتصريح قرار من شيخ الأزهر أو وزير الأوقاف حسب الأحوال وأجاز المشرع الترخيص لغيرهم بممارسة الخطابة والدروس الدينية بالمساجد وما في حكمها وفقا للضوابط والشروط التي يصدر بها قرار من وزير الأوقاف أو من يفوضه في ذلك، بل جعل اعتلاء المنبر وممارسة الخطابة أو أداء الدروس الدينية بدون تصريح أو ترخيص جريمة جنائية."

الأزهر وداعش ومصلحة الغرب

من جانب آخر فتح شيخ الأزهر أحمد الطيب النار على الولايات المتحدة والغرب عموما متهما النظام العالمي بأنه لا يملك الإرادة الحقيقية للقضاء على التنظيمات الجهادية المتطرفة. وقال الشيخ الطيب في ختام منتدى ديني عقد في إيطاليا، إن الشارع العربي "لا يبرئ أمريكا من مساعدة تنظيم داعش". واعتبر شيخ الأزهر أحمد الطيب أن الغرب "ليس بريئا" من توسع التنظيم وأن له مصلحة في تفتيت المنطقة. وفي ختام منتدى عقد في فلورنسا في وسط إيطاليا تحت عنوان "الشرق والغرب حوار وحضارة"، وجه شيخ الأزهر اتهامات قاسية إلى الغرب وخاصة إلى الولايات المتحدة.

وبعدما أكد أنه يتكلم بصفته "رجلا من الجماهير" باعتبار أن الأزهر "ليس مؤسسة سياسية" ويقوم بدور وطني، قال الشيخ أحمد الطيب الذي يقوم بأول زيارة رسمية إلى أوروبا، "إن ظهور داعش بهذا الشكل المفاجئ يجعلنا نبحث في الأسباب العميقة" لهذا الأمر. وتابع شيخ الأزهر أن "الرجل في الشارع العربي لا يبرئ الغرب بشكل عام - أمريكا أو الغرب (متمثلا) بأوروبا وأمريكا من مساعدة داعش، وأضاف أن "السلاح الذي في أيدي داعش أمريكي ولم يصنع في العالم العربي ثم أن داعش نشأ نشأة سريعة"، وهذه النشأة بحاجة إلى أموال ضخمة، متسائلا عن مصدرها. وأشار إلى أن "الناس في الشرق يقولون إن الغرب غير جاد في مقاتلة هذا التنظيم.

ولدعم أقواله تكلم الشيخ أحمد الطيب عن قيام طائرات أمريكية بإنزال أسلحة بالمظلات ثلاث مرات إلى مسلحي داعش، مضيفا "قالوا إن الأمر حصل عن طريق الخطأ" من دون تقديم تفاصيل إضافية حول الأمر. وردا على سؤال حول مسؤولية الدول العربية أيضا المتحالفة مع الولايات المتحدة عن نشأة وقوة التنظيم المتطرف، أجاب الطيب "لا أعتقد ذلك، لأن النظام العالمي يريد الفوضى في منطقتنا وأن يقتل الناس بعضهم بعضا"، معربا عن اعتقاده أن التنظيم يعمل لصالح القوى الكبرى التي لا تريد لهذه المنطقة أن تتطور إلى جانب إسرائيل.

وأشار شيخ الأزهر إلى أنه لو أراد النظام العالمي أي أمريكا والعالم دعم "التضامن العربي المتواجد الآن للقضاء على داعش وأخواته لاستطاع ذلك خلال يوم واحد". وردا على سؤال حول رغبته بلقاء البابا فرنسيس، قال شيخ الأزهر "نسعد للقائه". ولفت إلى أنه لو كان الأمر كله بأيدي البابا أو قادة روحيين آخرين لكانت الأمور وجدت طريقها إلى الحل سريعا. وردا على سؤال حول مصير مسيحيي الشرق الذين يجبرون على ترك منازلهم مع تقدم داعش، قال شيخ الأزهر إن هذا التنظيم "قتل من المسلمين أكثر مما قتل من المسيحيين، وإذا أحصينا ضحاياه يتبين أنه عدو العالمين العربي والإسلامي ويعمل ربما سريا على تفتيت العالم العربي". بحسب فرانس برس.

واعتبر المؤرخ أندريا ريكاردي مؤسسة مجموعة سانت إيجيديو الكاثوليكية التي نظمت لقاء فلورنسا، أن هذا اللقاء كان من أهم اللقاءات التي نظمت حول موضوع الشرق والغرب والإسلام والمسيحية. وتابع "لا يمكن لكل ديانة أن تكون عبارة عن جزيرة. والأزهر أخذ المبادرة مع سانت إيجيديو لفتح هذا الحوار بين الديانات والحضارات في فلورنسا عاصمة الأنسنة".

ويذكر ان شيخ الأزهر أحمد الطيب قد استنكر إقدام تنظيم "داعش" على قتل الطيار الأردني حرقا ووصفه بالـ"العمل الإرهابي الخسيس" داعيا إلى "قتل وصلب وتقطيع أيدي وأرجل إرهابيي" التنظيم المتطرف، حسب بيان للأزهر. وجاء في البيان إن شيخ الأزهر يستنكر "العمل الإرهابي الخسيس الذي أقدم عليه تنظيم داعش الإرهابي الشيطاني من حرق وإعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة (...) هذا العمل الإرهابي الخسيس الذي يستوجب العقوبة التي أوردها القرآن الكريم ...أن يقتلو أو يصلبو أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف".

وأهاب الأزهر "بالمجتمع الدولي التصدي لهذا التنظيم الإرهابي الذي يرتكب هذه الأعمال الوحشية البربرية التي لا ترضي الله ولا رسوله". وأوضح الأزهر أن الإسلام حرم "التمثيل بالنفس البشرية بالحرق أو بأي شكل من أشكال التعدي عليها حتى في الحرب مع العدو المعتدي". وأشار الأزهر إلى أن هذه العقوبة يستحقها "هؤلاء البغاة المفسدون في الأرض الذين يحاربون الله ورسوله"، في إشارة إلى حد الحرابة الذي ينص عليه القرآن الكريم لقطاع الطرق ومن يقومون بإرهاب الناس وأعمال السلب والنهب.

وينص القرآن الكريم على عقوبة للمفسدين كما جاء في الآية "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ". واستخدام "أو" في الآية القرآنية هو لترك تحديد العقوبة للقضاة وفقا لمدى الجرم المرتكب، وفق الفقهاء. وطبق التنظيم نفسه حد الحرابة على مواطنين في المدن السورية التي يسيطر عليها وعلى مقاتلين في صفوفه أدانهم بالسلب والنهب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0