شارك مئات الفلسطينيين في مسيرة بوسط مدينة رام الله في الضفة الغربية دعت إليها قوى وطنية وإسلامية إحياء للذكرى العشرين لانتفاضة ”الأقصى“، ورفع المشاركون في المسيرة ومنهم أعضاء في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية لافتة ضخمة تدعو إلى تشكيل ”جبهة مقاومة شعبية عربية ضد التطبيع والإستسلام“. بحسب رويترز.

وندد المشاركون باتفاقيتي التطبيع اللتين أبرمتهما الإماراات والبحرين مع إسرائيل مؤخرا تحت رعاية الولايات المتحدة، ورفع المشاركون في المسيرة الأعلام الفلسطينية ولافتات تقول ”الأقصى يناديكم“ و“عالقدس رايحين شهداء بالملايين“ و“أسرانا عنوان كرامتنا“ و“يسقط الإحتلال والحرية لفلسطين“ كما رددوا هتافات منها ”إحنا شعب الجبارين إحنا شعب الانتفاضات“ و“اضرب بالحجر المقدس انتفاضة التحرير“.

وتشير إحصائيات فلسطينية رسمية إلى أن حوالي 4200 فلسطيني قتلوا خلال ”انتفاضة الأقصى“ التي امتدت بين عامي 2000 و2005 كما تشير مصادر إسرائيلية إلى مقتل حوالي 1000 إسرائيلي خلال نفس الفترة.

يسود المسجد الأقصى هذه الأيام هدوء يتناقض مع الاضطرابات التي شهدها قبل 20 عاما عندما أُطلق اسمه على الانتفاضة الفلسطينية التي بدأت خارج جدرانه وخطّت فصلا جديدا داميا في الشرق الأوسط. بحسب رويترز.

بدأت انتفاضة الأقصى التي اشتهرت‭ ‬أيضا بالانتفاضة الثانية بالحجارة والغاز المسيل للدموع قبل أن تتضخم لتصبح صراعا مسلحا سقط فيه أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني و1000 إسرائيلي قتلى، وعندما خبت جذوتها بعد خمس سنوات، كانت التفجيرات الانتحارية في المدن الإسرائيلية والضربات الإسرائيلية بالطائرات والدبابات على البلدات الفلسطينية قد أحدثت استقطابا في الآراء على الجانبين. وانهارت آخر محادثات ترمي لإحلال السلام في 2014 وسادت منذ ذلك الحين حالة من الجمود.

يرمي زياد أبو زياد المقدسي ببصره من فوق جبل الزيتون صوب المدينة القديمة المسورة ويرى أوجه شبه عديدة بين الوضع الآن والوضع قبل 20 عاما، أصبح أبو زياد الآن في الثالثة والثلاثين من عمره وعاصر انتفاضتين انطلقت أولاهما في أواخر الثمانينيات، ويبدو حلم الدولة الذي سعى أبو زياد لتحقيقه بعيد المنال اليوم مثلما كان في تلك الأيام.

غير أن جيله يحمل أيضا ذكريات حية من الطفولة عن العنف خلال سنوات الانتفاضة ورغم الانتكاسات السياسية الأخيرة يرفض كثيرون المرور بالتجربة المريرة من جديد، قال أبو زياد إنه يعتقد أن الشعب الفلسطيني بحاجة للتحلي بالذكاء والتروي في التفكير قبل اختيار الطريق الذي يريد المضي فيه. ففي رأيه أن المهم ليس نهاية الطريق فحسب بل الرحلة نفسها التي سيذكرها التاريخ، وأضاف أن الانتفاضة يمكن أن تحدث بأشكال مختلفة، فربما تكون باستعمال القلم والكتابة أو بفتح مدونة والتواصل مع الناس أو بجهد دبلوماسي رغم أنه يرى أن ذلك أصبح بلا طائل في الوقت الراهن.

الضفة الغربية

اشتعلت الانتفاضة في 28 سبتمبر أيلول من العام 2000 بعد أن قام زعيم المعارضة الإسرائيلي أرييل شارون، ضابط الجيش اليميني السابق الذي يمقته كثيرون من الفلسطينيين، بجولة في أكثر مناطق الخلاف بين الجانبين حساسية في القدس.

وتفجرت الاحتجاجات حول التل المقام عليه في القدس القديمة الحرم الشريف كما يسميه المسلمون بينما يطلق عليه الإسرائيليون اسم جبل الهيكل وتصاعدت الأحداث بسرعة، وحمّلت إسرائيل الزعيم الفلسطيني آنذاك ياسر عرفات المسؤولية وذلك بعد شهرين من فشل محاولة للتوصل إلى اتفاق سلام بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في كامب ديفيد، وأثبتت الأيام أن هذه القمة الفاشلة كانت حدا فاصلا للجانبين. فالفلسطينيون غير مستعدين لقبول أي شيء أقل من دولة لها مقومات البقاء في الأراضي التي تحتلها إسرائيل الآن تكون عاصمتها القدس الشرقية بما في ذلك المدينة القديمة. وأعلن باراك على الملأ أن إسرائيل ليس لديها ”شريك للسلام“، وعلى مسافة 13 كيلومترا شمالي المدينة القديمة يمكن للمهندسة الفلسطينية لين عنبتاوي أن ترى من إحدى شرفات بيتها القدس من ناحية ومستوطنة إسرائيلية من الناحية الأخرى، تتذكر لين أنها كانت تلعب وهي طفلة في الرابعة من العمر ببلدة جنين في الضفة الغربية بالطلقات الفارغة خلال الانتفاضة وتقول إن أول مواجهة لها مع الإسرائيليين كانت مع جنود سيطروا على الأدوار العليا في بيت عائلتها لإطلاق النار على مخيم جنين للاجئين الذي يعد معقلا للمتشددين الفلسطينيين.

نشأت عنبتاوي في جنين وأمضت فترة الدراسة في نابلس وهي تعمل الآن في رام الله مقر الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود وشهدت تطور جيلها منذ سنوات الانتفاضة التي تصفها بالمرعبة، وتقول عنبتاوي إن أصدقاءها بدأوا يركزون على أمور مختلفة إذ إن من الصعب القيام بأي تحرك حين يكون لديهم ما يخشون عليه من أطفال ومدارس ومستقبل وحياة بكل ما فيها حتى القروض، وينصب تركيزها الآن على مسألة شخصية تتمثل في التنافس مع المهندسين الإسرائيليين على قدم المساواة، وأضافت أن مجرد الوجود كفلسطينية مقاومة في حد ذاته وأن يكبر المرء قويا ومثقفا له صوت ولديه فكر وهدف هو المقاومة في هذه الأيام.

الخليل وغزة

رغم أن إسرائيل حاضرة في المناقشات، يشعر كثيرون من الشبان الفلسطينيين بالإحباط أيضا تجاه قياداتهم التي نكبت على مر السنين بخلافات قوضت ثقة الشباب في العمل السياسي، ويتهم البعض القيادة بقمع حرية التعبير السياسي والقبض على الناشطين والصحفيين والتعاون، في رأيهم، مع إسرائيل في إدارة الضفة الغربية إدارة بوليسية، وأطلق البعض مبادراتهم الشعبية الخاصة.

رسم باسل العدرا (24 عاما) مسارات سياحية حول قريته بالقرب من مدينة الخليل لتعليم الفلسطينيين أساليب الحياة في منطقة ريفية بين مستوطنات إسرائيلية محصنة، وقال في مراسم تسلم جائزة اعترافا بالمشروع الخاص بأسرته إن أفضل وسيلة للمقاومة في رأيه هي المقاومة الوطنية السلمية وإن أهم شيء في الحياة هو أن تكون له حقوقه المشروعة مثل أي شخص آخر في العالم، غير أن آخرين يعتقدون أن قوة السلاح هي السبيل الوحيد لتحقيق أهدافهم حتى في غزة التي سحبت منها إسرائيل مستوطنيها وقواتها من جانب واحد في 2005، بعد ذلك بعامين سيطرت حركة حماس الإسلامية على القطاع وأصبحت غزة تحت حصار محكم تقوده إسرائيل منذ ذلك الحين، وفي مدينة خان يونس بجنوب قطاع غزة شارك محمد شاهين (24 عاما) كثيرا في الاحتجاجات الأسبوعية التي نظمت على الحدود مع إسرائيل في 2018 وكان المحتجون يلقون فيها الحجارة والإطارات المشتعلة على الجنود الإسرائيليين، ويقول شاهين إن الفلسطينيين يريدون انتفاضة لكسر الحصار وإخراج ”الأعداء“ من الأرض المحتلة.

ويضيف أنه لا مكان للإسرائيليين ”هنا“ وأن الأرض ليست أرضهم لأنهم جاءوا من بلدان غربية، مؤكدا أنه يدعم المقاومة سواء كانت بالحجارة أو الصواريخ أو السلاح أو الإطارات أو القنابل الحارقة.

 أبعدت الفلسطينيين عن أعين الإسرائيليين وعن بالهم تقريبا

يظهر في مجال الرؤية فجأة علم فلسطيني عملاق فوق كتل الأسمنت الرمادية التي تشكل الجدار الإسرائيلي العازل بالضفة الغربية، ليعطي لمحة نادرة عن ”الآخر“ قبل أن تتلاشى الصورة في المرآة الخلفية للسيارة وهي تمرق بعيدا عن المكان.

وإلى الشمال قرب أثار مجدو القديمة والمواقع السياحية على جبل جلبوع يقود الانعطاف بالسيارة في اتجاه خاطيء إلى لافتة تحذير أو تكشف فجوة بين الأشجار عن قرية فلسطينية في الضفة الغربية على مسافة بعيدة أسفل الجبل. بحسب رويترز.

تكشف الندرة النسبية لهذه اللمحات العابرة إلى أي مدى توقف كثير من الإسرائيليين عن رؤية الفلسطينيين كشركاء سلام محتملين بعد 20 عاما على الانتفاضة الفلسطينية الثانية بل ويفضلون عدم رؤيتهم على الإطلاق.

وتنسب إسرائيل للجدار العازل الفضل في وقف التفجيرات الانتحارية والهجمات بالأسلحة النارية خلال الانتفاضة التي استمرت خمس سنوات وأسفرت عن مقتل أكثر من ألف إسرائيلي و3000 فلسطيني.

ويقول الفلسطينيون إن الجدار العازل اقتطع أجزاء من أراضيهم وتوغل أميالا داخل الضفة الغربية وإنه استهدف ضم أجزاء من الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967 والتي يطالب الفلسطينيون بإقامة دولتهم المستقبلية عليها.

وأفتت محكمة العدل الدولية في لاهاي في عام 2004 بأن الجدار العازل مخالف للقانون الدولي وهو ما رفضته إسرائيل واتهمت المحكمة بأن لها ”دوافع سياسية“، لكن لا جدال يذكر في أن الجدار حرك الأسس الجغرافية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني إذ غيّر جذريا ديناميكية العلاقة المتداخلة بين الشعبين.

وفي حين كان بوسع فلسطينيي الضفة الغربية قبل عام 2000 دخول إسرائيل بسهولة سواء بالسيارة أو مشيا على الأقدام، أصبح أرجح الاحتمالات أن يراهم بعض الإسرائيليين أثناء خدمتهم في الجيش عند نقاط التفتيش - إلا إذا كانوا بين 450 ألف مستوطن إسرائيلي يعيشون الآن في مستوطنات الضفة الغربية.

ومن المستوطنات الحدودية مثل نيتساني عوز الواقعة داخل إسرائيل مباشرة أصبحت أميال من الأسوار وأبراج المراقبة بينها وبين الضفة الغربية واقعا ثابتا، يقول شاتشار جولدرات (36 عاما) في تل أبيب ”ببناء الجدار خلقنا واقعا على الأرض - واقع من جانب واحد، ”لقد خلق وضعا يتيح درجة من الأمن، لذا نعم .. كان وسيلة للتسليم والقول ’لن تكون هناك معاهدة سلام في أي وقت قريب‘“.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

13