الحرائق الغابات المدمرة في الولايات المتحدة الامريكية، وتتسبب هذه الكوارث سنويا بحسب بعض المصادر، في خسائر مادية كبيرة تقدر بمليارات الدولارات، تنقسم بين الإضرار بالبينات التحتية والمنازل والمساحات الخضراء وميزانية إطفائها الضخمة، وبين كلفة التأمينات المتزايدة كل سنة مع تلقي شركات التأمين العديد من طلبات التعويض. اضافة الى الخسائر البشرية حيث تتسبب في سقوط عشرات القتلى والجرحى.

ويجمع علماء مرموقون في أنحاء العالم على الاعتقاد بأن حرارة العالم ترتفع بسبب النشاط البشري. والتغير المناخي المرتبط بالنشاط البشري يفاقم الجفاف الذي يضرب مناطق ويخلق الظروف المثالية لخروج حرائق الغابات عن السيطرة، موقعا خسائر غير مسبوقة. ويقول البروفيسور ستيفان دوير ، خبير حرائق الغابات في جامعة سوانزب البريطانية، إن مزيجاً من ظروف الجفاف الشديد وارتفاع درجات الحرارة والرياح الشديدة هو العامل الرئيسي في اندلاع الحرائق الأخيرة. ويضيف أنه حتى في المناطق التي كانت هناك محاولات لتقليل كثافة الغطاء النباتي القابل للاشتعال في الغابات، فليس من الواضح تأثير ذلك على الحرائق الحالية.

كما ان العدد المتزايد للأشخاص الذين ينتقلون من المناطق الحضرية للعيش بالقرب من الغابات.

له علاقة بهذه الحرائق ، وقدّرت دراسة أجريت عام 2018 لصالح الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة، أن منزلاً واحداً من أصل كل ثلاثة منازل موجود الآن في مثل هذه المناطق وهذا الوضع يخلق هكذا نمو عدة مشاكل من بينها: المزيد من مخاطر حوادث اندلاع حرائق الغابات بالقرب من الغابات أو مناطق أخرى فيها مواد قابلة للاشتعال. وحذر تقرير في عام 2015 لوزارة الزراعة الأمريكية من أن التوسع في المناطق الحضرية بجوار الغابات "زاد من احتمال أن تهدد حرائق الغابات الممتلكات والبشر".

حرائق الغابات في الولايات المتحدة هذا العام ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، اشعلت ايضاً وبحسب بعض المراقبين، الصراع الانتخابي بين ترامب و جو بايدن الذي انتقد الرئيس الأمريكي لعدم اعترافه بدور ارتفاع درجات حرارة الأرض في حرائق الغابات التي تجتاح الغرب الأمريكي، في حين قال ترامب إن الأزمة ناجمة عن التراخي في إدارة الغابات. وأشار ترامب إلى تغير المناخ باعتباره "خدعة"، وفي العام 2017 قرر انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس التي وضعت نهجا دوليا للتعامل مع ظاهرة الاحتباس الحراري. لكن بايدن أدرج تغيّر المناخ على قائمته للأزمات الكبرى التي تواجه الولايات المتحدة. وقال بايدن "إذا كان لدينا أربع سنوات أخرى من إنكار ترامب للمناخ، فكم عدد الضواحي التي ستأتي عليها حرائق الغابات؟ كم عدد الأحياء التي ستغمرها المياه؟".

حرائق غير مسبوقة

وفي هذا الشأن اندلعت عشرات الحرائق على نطاق لم يسبق له مثيل على امتداد ما يربو على أربعة ملايين فدان في ولايات أوريجون وكاليفورنيا وواشنطن منذ أغسطس آب، مما أتى على عدد من البلدات الصغيرة ودمر آلاف المنازل وأودى بحياة ما لا يقل عن 35. وملأت الحرائق أيضا هواء المنطقة بمستويات ضارة من الدخان الأسود في حين أدت إلى تفاقم أزمة الصحة العامة التي تسبب بها بالفعل جائحة فيروس كورونا.

وحذر مسؤولو الإطفاء من أن المعركة لم تنته بعد. فقد تجلب العواصف الرعدية المتوقعة في وقت لاحق أمطارا تشتد الحاجة إليها لكنها قد تجلب مزيدا من الصواعق أيضا. كما استعد المسؤولون لزيادة أعداد الوفيات. وفي حين جابت فرق الإنقاذ أنقاض المساكن التي اجتاحتها النيران وسط عمليات إخلاء فوضوية، قالت سلطات إدارة الطوارئ في ولاية أوريجون إنها لم تعثر إلى الآن على 22 مفقودا.

وغالبية الوفيات التي بلغ عددها 35 سجلت في كاليفورنيا وأوريغون اللتين شهدتا أسوأ حرائق غابات في عقود ساهمت في تأجيجها ارتفاع الحرارة لدرجات قياسية. ويشارك أكثر من 30 ألف إطفائي في جهود مكافحة النيران. وصدرت أوامر إخلاء لسكان آركيديا الواقعة على مشارف لوس أنجليس في وقت امتد الحريق المجاور الذي أطلق عليه "بوبكات" جنوبا في مناطق غابات باتجاه المدينة.

وتم تأكيد وفاة شخصين جراء حريق "نورث كومبلكس" الذي وصل بسرعة غير مسبوقة إلى مناطق اجتاحها قبل أقل من سنتين حريق كامب فاير، أعنف الحرائق في كاليفورنيا. وقال كوري هونيا قائد الشرطة المحلية في مقاطعة بيوت "لا تزال هناك حرائق مشتعلة، خطوط الكهرباء مقطوعة، والأشجار دمرت، هناك طرق لا يمكن عبورها" محذرا من أن الأهالي قد ينتظرون "أسابيع وأسابيع" للعودة إلى منازلهم. وأكد أن سبعة أشخاص لا يزالون في عداد المفقودين.

كما دفعت حرائق الغابات المستعرة في أجزاء من أوريجون نحو نصف مليون من سكان الولاية الأمريكية للبقاء في حالة تأهب لعمليات إجلاء جماعي. وأتت النيران على آلاف المنازل في أوريجون التي أصبحت أحدث بؤرة لحرائق امتدت على نطاق أوسع. وأذكت الرياح القوية التي استمرت لأيام ألسنة اللهب، لتصبح من أكبر الحرائق المسجلة في كاليفورنيا وأوريجون، وذلك في خضم فترة شهدت درجات حرارة قياسية.

من جانب اخر ساعد تحسن الظروف الجوية رجال الإطفاء في مكافحة الحرائق غير المسبوقة على طول الساحل الغربي للولايات المتحدة، بينما تواصل السلطات بحثها عن عشرات المفقودين في ولاية أوريغون. وتساهم درجات الحرارة المنخفضة وانخفاض معدل هبوب الرياح والرطوبة المتزايدة في تخفيف حرائق الغابات التي دمرت بالفعل آلاف المباني وأجبرت 40 ألف شخص على الفرار من منازلهم في ولاية أوريغون وحدها.

وتتزايد المخاوف من ارتفاع عدد الوفيات بشكل كبير لدى انحسار الحرائق. وقالت حاكمة ولاية أوريغون كيت براون إن عشرات الأشخاص ما زالوا في عداد المفقودين حيث حذر مسؤول إدارة الطوارئ من أن الولاية تستعد لـ”وفيات جماعية”. ولم يتم بعد السيطرة على العديد من الحرائق، بما في ذلك حريق الكريك في وسط كاليفورنيا، الذي أجبر عشرات الآلاف من عمليات الإجلاء وتم احتواء نسبة 6 في المئة فقط منه، وفقا لإدارة الحماية المدنية ومكافحة حرائق الغابات بولاية كاليفورنيا.

ولم يجر احتواء حريق هوليداي فارم في جنوب ولاية أوريغون ولو بنسبة طفيفة، ويهدد أكثر من 17 ألف مبنى، على الرغم من أن الطقس الأكثر هدوءا قد “خفف من سلوك الحرائق”، حسبما ذكرت دائرة الغابات في الولايات المتحدة. وتسبب تشبع الجو بالدخان في أن تصبح كل من أوريغون وكاليفورنيا وواشنطن من أسوأ المدن بالنسبة لجودة الهواء في العالم، حيث صنفت مدينة بورتلاند على أنها أسوأ هواء بين المدن الكبرى في العالم ، وفقا لمؤشر جودة الهواء. وتسببت النيران في اشتعال أكثر من 400 ألف هكتار في ولاية أوريغون وأكثر من 240 ألف فدان في واشنطن.

الحرائق والانتخابات

بجملة واحدة وخلال زيارة إلى ولاية كاليفورنيا التي تشهد مثل كل الساحل الغربي للولايات المتحدة، حرائق مدمرة على مساحات غير مسبوقة يؤججها جفاف مزمن، رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب المخاوف من ارتفاع حرارة الجو معتبرا أن الاحتباس الحراري يمكن أن ينحسر تلقائيا. وفيما تحول تركيز حملة الانتخابات الأميركية إلى الحرائق التي أوقعت ضحايا، اتهمه منافسه الديموقراطي جو بايدن ب"إحراق المناخ" وقال إن أميركا لن تكون في مأمن من تداعيات كوكب ترتفع حرارته ما لم تنتخب "رئيسا يحترم العلم".

وأتت حرائق هائلة في أنحاء ولايات كاليفورنيا وأوريغون وواشنطن على أكثر من مليوني هكتار من الأراضي هذا العام، وأودت بحياة عشرات الأشخاص وأجبرت مئات الآلاف على مغادرة منازلهم. وطالت تداعيات الحرائق بلدات بأسرها بعد أن لفتها أدخنة سامة لأيام ما حجب الشمس وتسبب بمشكلات تنفسية. لكن ترامب وفي ساكرامنتو وضمن حملة انتخابية، رفض تصريحات مسؤولي الولاية الذين يعتبرون أن ارتفاع حرارة المناخ يتسبب في الحرائق الأعنف على الإطلاق. وقال "ستبدأ الحرارة بالانخفاض، سترى" من دون أن يقدم أدلة على ذلك.

ورد رئيس وكالة الموارد الطبيعية في كاليفورنيا ويد كروفورت بالقول "ليت العلم يتفق معك". وكرر ترامب موقفه من أن حرائق الغابات تعود لسوء إدارة الغابات ما يجعلها أكثر عرضة للاشتعال. وقال "يجب أن تكون هناك إدارة قوية للغابات". وأضاف "فيما يتعلق بالغابات، عندما تسقط الأشجار تصبح بعد فترة من الزمن، قرابة 18 شهرا، جافة جدا". وأضاف أنها "تصبح حقيقة مثل عيدان الكبريت ... تنفجر فحسب".

وعلى الساحل الأميركي المقابل وخلال حملته الانتخابية قال بايدن إن إعادة انتخاب ترامب ستكون كارثية على البيئة. وقال "إن منحتم من يقوم بإحراق المناخ أربع سنوات إضافية في البيت الأبيض، فعلى أي شخص الا يفاجأ إن شهدنا مزيدا من الحرائق في أميركا". ووجّه بايدن انتقادات حادة لترامب على خلفية عدم "تحمّله المسؤولية" عن أزمة الحرائق المشتعلة في غرب البلاد. وقال المرشّح الديموقراطي "نحن بحاجة إلى رئيس يحترم العلم، ويدرك أن الضرر الناجم عن التغيّر المناخي بات ماثلا أمامنا".

وأقر حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم الذي طالما قال إن الاحتباس الحراري هو من الأسباب الرئيسية للحرائق، بأنه يتفق مع ترامب بشأن الحاجة لإدارة أفضل للغابات، لكنه شدد على أن السبب الرئيسي للمشكلة أكبر بكثير. وقال "نقر بدور العلم ونرى أن الأدلة بديهية: التغير المناخي حقيقي وهذا يفاقم المشكلة". وقال حاكم ولاية واشنطن جاي إينسلي إنه من الضروري أن يختار الناخبون "رئيسا يراعي المناخ" في 3 تشرين الثاني/نوفمبر. وكتب في تغريدة "هذه اللحظة تتطلب تحركا، وليس إنكارا". واضاف "ينبغي علينا أن نلتف حول العلم لبناء مستقبل أفضل لجميع الأميركيين".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

11