ناقش مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث، في ملتقى النبأ الأسبوعي (المؤسسة الدينية ودورها في التحولات الاجتماعية)، الذي عُقد في الساعة العاشرة والنصف صباح يوم السبت الموافق 25/ كانون الثاني /2019 بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام في كربلاء المقدسة، وبمشاركة عدد من مدراء المراكز البحثية، وبعض الشخصيات الأكاديمية والحقوقية والإعلامية.

أدار الحوار الاستاذ حيدر الجراح، مدير مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث، حيث قال:

المؤسسة -اية مؤسسة- بصورة عامة تركيب مكون من افكار وانماط من السلوك والروابط بين الناس، وفي اغلب الاحيان من اشياء مادية ومعنوية، وكل ذلك منظم حول مركز لمصلحة معينة معترف بها اجتماعياً، وعليه تعتبر المؤسسة الدينية -آية مؤسسة دينية- احدى المؤسسات الاجتماعية، فهي من التنظيمات الاساسية التي تساعدنا على فهم الفرد بعد فهم طبيعته وسلوكه وعلاقته بالآخرين.

تكمن بوادر نشأة المؤسسة الدّينية في الإسلام بالصيغة التي شاعت طيلة التاريخ الإسلامي بعد انفصال الدّولة الأمويّة وسائر الدّول الإسلامية عن الأسس التي ميّزت فترة الخلافة بعد وفاة الرسول (ص)، حيث تبوّء فئة من المسلمين منزلة اجتماعية متميّزة، باعتبارها المؤهّلة أكثر من غيرها لفهم الدّين وتأويل القرآن بحسب النّوازل الطّارئة والأوضاع الجديدة، ونعني بها فئة العلماء. وهكذا تبلورت شيئا فشيئا ثلاثة أصناف من علماء الدّين:

- صنف العلماء المنقطعين بصفة كليّة إلى العلوم الدّينية دراسة وممارسة. فكان منهم المحدّث والمفسّر والفقيه والمفتي والواعظ والمرابط.

- صنف العلماء الذين يدورون في فلك السّلطة السيّاسية ينظّرون لها، ويبرّرون سلوكها ويتمتّعون في مقابل ذلك بنصيب من نعمها.

- أمّا الصّنف الثالث، فيشمل العلماء الذين وإن اشتركوا مع الصّنفين الأوّل والثاني في التكوين، إلاّ أنّهم ينتمون سرّا أو علنا إلى حركات المعارضة، ويسعون إلى مثل أعلى لا يعتبرون إدراكه ممكنا عن طريق مجانيّة السيّاسة أو الانحراف في النّظام القائم. وهؤلاء كانوا بالخصوص من علماء الشيعة والخوارج، وكذلك زعماء العشرات من الفرق الإسلاميّة.

في العهد العثماني، صار الانفصال بين الوظائف الثلاث أشد وضوحًا، لكن التحديث العثماني دفع العلماء إلى الواجهة للعب أدوار قيادية بسبب الأزمات.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ المؤسسة الدّينية في الإسلام لم تكن واحدة أو متجانسة تجانسا مطلقا، ولكنّ التناقضات التي تشقها تناقضات ثانويّة، إذ أنّها كانت متضامنة في الدّفاع عن منزلتها ومصالحها وضمان استقرارها، ومتضامنة في منهج تفكيرها ونظرتها إلى الحياة، ومتضامنة كذلك مع السّلطة السياسيّة القائمة أو التي تطمع إلى الحكم.

 أمّا التناقض الرئيسيّ، فقد كان بين علماء الدّين جميعا من جهة وبين سائر الفئات الاجتماعيّة من جهة أخرى، بما في ذلك النساء اللاتي يمثّلن نصف المجتمع عدديّا والعبيد ذكورا وإناثا، وكذلك الصنّاع والحرفيين والفلاّحين والبدو. فما كان يسمح به للخاصّة من اختلاف واجتهاد، وحتّى خروج عن القواعد المرسومة لا يسمح به لعموم المسلمين المطالبين بالطاعة والانقياد وعدم الخوض في بعض المباحث التي يخشى منها تطاول على ما سعى العلماء إلى إضفاء القداسة عليه، وإخراجه من دائرة البحث والتفكير، وهو الموقف الذي عبّر عنه مثلا عنوان كتاب الغزالي الشهير " إلجام العوام عن علم الكلام".

في العصر الحديث كان هناك عدد من العوامل التي كان لها انعكاس على المؤسّسة الدّينية مثل: بروز الدّولة الحديثة كجهاز يتدخّل في الشؤون الدّينية، ويضيّق من مجال استقلاليّة مؤسّستها، ويحاول استغلال نفوذها المعنوي لتدعيم أركانها. أمّا العامل الرئيس الثاني، فهو بروز عقلانية حديثة، قطعت الصّلة بالوثوقيّة السائدة في الماضي، وأحلّت محلّها الاستفهام والبحث المتواصل والسعي إلى كشف المجهول.

وبعبارة أخرى فقد تقلّص مجال المحرّمات في المستوى المعرفيّ، وترك التسليم مكانه للشك وإرادة الفهم.

ويتمثّل العامل الرئيسي الثالث في انتشار قيم لا عهد للأجداد والآباء بها، ونذكر بالخصوص قيمة الحريّة وقيمة المساواة. فالحريّة في القديم إنّما كانت ضدّا للعبودية، وكانت مبحثا كلاميّا عند علماء الكلام يتعلق بخلق الإنسان لأفعاله. ولكنّها أصبحت اليوم حريات. ويهمّنا منها بالخصوص حريّة التّعبير، وحريّة المعتقد، لأنّهما يحدّان من سلطة المؤسّسة الدّينية ويضمنان حقّ المواطن في المجاهرة بآراء لا تتبنّاها هذه المؤسّسة، ولا يتبنّاها ممثلوها والقائمون عليها ولا يوافقون عليها.

أمّا قيمة المساواة، فإنّها تتنافى خصوصا ومنزلة المرأة الدّونية، وتعارض التّقسيم التقليدي للناس إلى خاصّة وعامّة، أو إلى نخبة مؤهّلة للقيادة ورعاع محكوم عليهم بالطّاعة والانقياد. ويُضاف إلى العوامل السابقة عاملا رابعا، يتمثّل في ظهور مؤسّسات مجتمعيّة عديدة تؤدّي دور التعديل الاجتماعي، وتنافس المؤسسة الدّينية وتزاحمها، وأحيانا تزيحها في أداء هذه الوظيفة مثل المؤسّسة القانونية الوضعية، والأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات على اختلاف مشاربها واهتماماتها، والصّحافة والمدرسة، بالإضافة طبعا إلى دور الدّولة.

هذه الاسباب وغيرها خلقت وضعا قلقا للمؤسّسة الدينية، خاصّة بعد انقطاع السند التاريخيّ أو يكاد بعزوف الأوساط الحضريّة العريقة عن توجيه أبنائها نحو العلوم الدّينية، بعد أن كانت هي المغذّي الرئيس للمؤسسة الدّينية وتقلصت ميادين النشاط الاجتماعي التي تؤهل لها العلوم الدينيّة.

 تتلخّص سمات المؤسّسة الدّينية الحديثة في ثلاثة عناصر كبرى، أولاها الانطواء على الذات، نتيجة لعجزها عن مواكبة التغيّرات السريعة التي حدثت في المجتمعات الإسلامية؛ وثانيها التبعيّة للأنظمة السياسية القطريّة، وفقدانها للاستقلاليّة النسبيّة التي كانت مخوّلة لها؛ وثالثها فقدان المصداقيّة الذي يفسّر بتركيز علماء الدّين على ظاهر العبادات والمعاملات أكثر من اعتنائهم بمعانيها ودلالاتها؛ أضف إلى ذلك تقلّص مساندة الدّولة للمؤسّسة الدّينية، وبروز مؤسسات منافسة لها منعتها من أداء وظيفتها أداء جيّدا ومن ضمان احترام الناس لها. (ياسر الملولي/المؤسّسة الدّينية والمؤسّسة السياسيّة في الإطار الإسلامي)

يمكن لنا ان نرصد عددا من التغيرات في المجتمعات الاسلامية من ناحية التعاطي مع الشأن الديني في الفضاء العام ومن ناحية انماط التدين لدى المسلمين داخل مجتمعاتهم في سياقات الحداثة، وهي تغيرات مفروضة بسبب نزوع إنسان اليوم إلى عقلنة نمط حياته.

ما هذه التغيرات والتي تشكل تحديات كبيرة على المؤسسة الدينية بانتماءاتها المتعددة؟

1- على مستوى الاختلاف الوظيفي نلاحظ أن العديد من الأنشطة الاجتماعية والثقافية انتقلت من المؤسسات الدينية التي كانت تشرف عليها إلى مؤسسات غير دينية تماما أو إلى الدولة.

2- على مستوى عولمة الروابط البشرية، يلاحظ أن الحداثة تقطع الروابط الدينية التي تؤسس على مبدأ الاعتقاد المشترك في الإسلام، لتؤسس هوية جديدة للمجموعات تعتمد على مبدأ الأرض أو الدولة، أي تلك الهويات الوطنية الخاصة بكل دولة.

في هذا الإطار يمكننا أن نفهم كيف أن ضعف مؤسسة الدولة باعتبارها إنتاجا للحداثة، كما حصل في الجزائر خلال بداية التسعينيات والسودان، أو انهيارها تماما مثل حالة الصومال والعراق، يؤدي إلى استعادة أنماط الهوية التقليدية، كالدين والعرق والعشيرة.

3- على مستوى العقلنة، نلاحظ أن حداثة اليوم وسعت من دائرة فعلها بسبب عقلنة حاجات الإنسان ونمط عيشه، فالتنظيم الإداري مثلا أصبح ضرورة لا بد منها في كل البلدان لضمان التصريف العقلاني للخدمات، والمشكل هنا أن هذا المنحى العام نحو شمولية التنظيم الإداري يتعارض في طبيعته مع الصبغة الشمولية للإسلام كغيره من الأديان.

إن هذه النزعة نحو عقلنة أنماط العيش والتنظيم في البلاد العربية والإسلامية، كغيرها من بلدان العالم، من شأنها بالضرورة أن تحد من فضاء فعل الإسلام.

وهنا نفهم الوضعية الحساسة لمؤسسة الدولة في الفضاء الإسلامي، حيث إن هذا الجهاز الإداري الرئيسي يجد نفسه ممزقا بين ضرورة ضمان فاعلية التسيير والمراقبة، وهي الضامنة لاستمرارية الدولة والحكم ومن يشرف عليه، والتمسك بما يرى أنه من صلب الدين لأنه يضمن الشرعية الإلهية للحكم، هذا حال السعودية مثلا.

نفس هذه الملاحظة نسوقها في سياق علاقة السياسة بالإسلام، فالسياسة تخضع أكثر لاعتبارات بشرية وضعية بما فيها النسبية، في حين يؤسس الإسلام شرعيته، كالأديان الأخرى، على مفهوم الحقيقة المطلقة، والجمع بين الاثنين يؤدي إما إلى تقديس السياسة، أي فرض حكم مطلق، أو تسييس الدين وإفراغه من محتواه الوجداني، كما تفعل الحركات الإسلامية.

4- على مستوى فرض التعددية، نلاحظ أن فعل الحداثة في الأديان بما فيها الإسلام تتجه نحو إضعاف الحدود الفاصلة بين المجموعات الدينية، كما رأينا، وبالتالي نحو فرض نوع من الاعتراف بوجود ديانات وليس دين فقط.

وهذا يعني ضمنيا تخلي الأديان عن الانفراد بالحقيقة المطلقة، فيصبح الإسلام إذن حقيقة أخرى من بين الحقائق المتوفرة، إنه جانب متقدم من عقلنة العقل الديني.(عادل لطيفي/الإسلام في خضم الحداثة.. مقاربة سوسيولوجية لأهم التغيرات).

وللاستئناس أكثر بآراء الاخوة الحضور نطرح الاسئلة التالية:

السؤال الاول: هل كانت مواقف المؤسسة الدينية منذ العام ٢٠٠٣ تتناسب وحجم التحديات التي فرضها التغيير السياسي والاجتماعي والثقافي في العراق؟

المؤسسة الدينية دور تاريخي مهم

- الدكتور عدي حاتم عبد الزهرة المفرجي، تدريسي في جامعة كربلاء كلية تربية اختصاص تاريخ العراق الحديث والمعاصر، يعتقد أن "المؤسسة الدينية على المستوى العراقي والعالم العربي كان لها دور تاريخي مهم وقادت الكثير من الحركات النضالية في العديد من الدول، اما بخصوص المؤسسة الدينية في العراق فلها فلسفات مختلفة فهناك على سبيل المثال وليس الحصر.. مؤسسة دينية نمطية وتقليدية بمعنى انها تبتعد عن السياسة كمرجعية السيد السيستاني (دام ظله)".

يكمل المفرجي "بالإضافة إلى ذلك هناك مؤسسة دينية ناطقة وحركية كمرجعية السيد محمد صادق الصدر (قدس سره)، وهناك مؤسسات دينية اخرى تؤمن بالثقافة وبالفكر وبالتوعية كمرجعية السيد الشيرازي (قدس سره)، علما أن هناك مؤسسات دينية سياسية بحتة، بالتالي هذه المؤسسات وبسبب الفلسفات التي تؤمن بها ادت ما عليها من ادوار متباينة في اذكاء الوعي المجتمعي".

الدين عنصر هام في أي تغيير اجتماعي

- الشيخ مرتضى معاش، رئيس مجلس إدارة مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، يصف ان "الدين عنصر هام في أي حركة اجتماعية أو تغيير اجتماعي، علما أن اغلب الحضارات خصوصا الكبيرة منها والتي كان لها استمرارية نشأت على العامل الديني كـ( الحضارة الاسلامية/الحضارة المسيحية الغربية/الحضارة الصينية التي قامت على كونفوشيوس)، بالتالي فان الدين هو عامل اساس في بناء الحضارات وبناء الدول، والسبب لان الدين يعيش في ضمير البشر".

اضاف معاش "فعندما نعمل دراسة حضارية نكتشف بان الديانات الوثنية لم يكن لها قدرة على الاستمرار في صنع الحضارات عكس الاديان التوحيدية كان لها دور كبير في بناء الحضارات واستمراريتها، فالدين عامل اساسي في التحول الاجتماعي سواء كان هذا التحول ايجابيا أو سلبيا ودورها حتمي في البناء الاجتماعي، ولكي نفهم دورها في التحول الاجتماعي لابد ان نفهم الفلسفة التي تنطلق منها المؤسسة الدينية، ورصد المنطلقات التي تنطلق منها، وهي ليست فلسفة بالمعنى الحقيقي وانما هي نوع من العرف المتراكم، وهذا العرف المتراكم من الممكن أن يتغير مع الزمن والتطور التاريخي، والدخول في عالم الحداثة وتطور الافكار واساليب التفكير والتعليم وتطور الدول وهيكليتها وأنظمتها".

 يكمل معاش "قد يستجد في تلك اللحظة سؤال مفاده ماذا تريد المؤسسة الدينية؟ هل تريد الانعزال والاشتغال فقط بالبحث العلمي؟ ام ان تدخل في عالم صناعة الحدث بقوة وممارسة السياسة في اعلى مستوياتها؟ فهناك من يحرص على الانعزال، ولا يحبذ فكرة دخول المرجعيات الدينية في الشأن السياسي، كما ان البعض يدعم فكرة دخول المرجعيات الدينية بقوة في عالم السياسة وتأسيس احزاب اسلامية بل وتأسيس الدولة الاسلامية".

اضاف ايضا "ولكن الوصول إلى هوية وإلى فلسفة اساسية لدور المؤسسة الدينية يمكن ان يكون في طريق ثالث هو بين بين، بمعنى أن الدخول في عالم السياسة بشكل مطلق ليس بالأمر الصحيح وكذلك الانعزال ليس بالأمر الصحيح، وذلك عبر ممارسة دور اجتماعي وتربوي فاعل، فالمؤسسة الدينية الشيعية على وجه الخصوص لها قدرة وامكانية في الدخول بالبناء الاجتماعي والتربوي والاخلاقي والثقافي، وهذا مهم جدا في عملية البناء الاجتماعي الصحيح، وهو الذي قد يؤدي إلى التحول الاجتماعي الصحيح، الانعزال يؤدي إلى تشوه التحول ودخول العامل الثقافي والتربوي لجهات اخرى، كما ان الدخول بشكل مطلق في عالم السياسة يؤدي إلى تشوه النظام الاجتماعي ومن ثم تشوه النظام السياسي".

كما اشار معاش "لذلك فان دخول بعض المتدينين في عالم السياسة باسم الدين وباسم المذهب، كانت له اثار خطيرة جدا بل كارثية في بعض الاحيان، وذلك لعدم فاعلية العامل الثقافي والاجتماعي والاخلاقي في هذا الدخول السياسي، مما ادى إلى تشوه التحول الاجتماعي، لذا لابد على المؤسسة الدينية أن توجد لنفسها استراتيجية اجتماعية في التربية والتثقيف والاخلاق، وذلك من خلال دعم المجتمع الاهلي ودعم المجتمع المدني وتشجيع الناس على تطوير المؤسسات وبناء الكفاءات والتخصصات، حتى يصبح لدى المجتمع قدرة وامكانية ذاتية ورأسمال بشري سليم لممارسة التحول الاجتماعي الصحيح".

يختم معاش "والتشوه الاجتماعي الحاصل اليوم هو نتيجة الافراط في عملية التسييس والدخول في الصراعات الطائفية وصراع الهويات، بالتالي فان غياب الفلسفة الحقيقية للمؤسسة الدينية في التحول الاجتماعي، افضى إلى التفريط بالانعزال الكامل والانغماس في القضية العقائدية الغيبية المطلقة، وهو امر يفصل المؤسسة الدينية عن تطورات الزمن وعن التحديات الموجودة".

دور بعض المؤسسات الدينية في النصح والارشاد والتوجيه

- الدكتور منير الدعمي، نقيب الاكاديميين في كربلاء المقدسة، يرى أن "ادوار المؤسسات الدينية متباينة حتى ضمن المؤسسة الدينية الواحدة وضمن فترات زمنية متباينة، ففي بعض الاحيان تدخّل المؤسسة الدينية يرتقى إلى مستوى الحدث، واحيانا اخرى نجد بعض المؤسسات الدينية تدخّلها لا يرتقى لمستوى الحدث أو لمستوى التحول الاجتماعي، وهذا ليس ببعيد عن الواقع العراقي فبعد (2003) لاحظنا بعض المؤسسات الدينية اخذت دورها الحقيقي في النصح والارشاد والتوجيه، ولكن من الضرورة جدا أن نؤكد على الكثافة العددية التي تشغلها تلك المؤسسة الدينية، فمساحة التأثير عند بعض المؤسسات الدينية كبير وكبير جدا، ولكن بعض المؤسسات الدينية الاخرى لا تشكل ذلك البعد البشري".

يكمل الدعمي "بالإضافة إلى ذلك بعض المؤسسات الدينية امكانياتها المالية امكانيات هائلة، وهذا مما يعطى دورا اكبر في التوجيه والنصح والارشاد، لكن مقابل ذلك اللوم لا يقع فقط على المؤسسة الدينية ذاتها، بل يجب وضع اللوم على الجماهير التي تقلد هذه المؤسسة الدينية أو تتماشى معها، فعلى سبيل المثال مرجعية السيد السيستاني (دام ظله) الكثير من الجهات السياسية في العراقي تدعي قربها من تلك المؤسسة الدينية، ولكن من اللافت للنظر أن هذه المؤسسة الدينية التي يتبجحون بقربهم منها طالما وجهت اليهم النصح والارشاد من دون أي فائدة، ليس فقط على مستوى الطبقة السياسية بل حتى على مستوى الجماهير".

يختم الدعمي "لذلك ما نرجوه اليوم من المؤسسة الدينية أن تتماشى مع التغيرات المجتمعية المتطورة، وذلك كي نقلص المسافة ما بين تفكير المجتمع وثقافته وأن تبقى المرجعية الدينية محافظة على فلسفتها القديمة".

اساليب المؤسسات الدينية في ادارة خطابها

- عدنان الصالحي، مدير مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية، يجد أن "المؤسسة الدينية في الآونة الاخيرة بدأت تهاجم ليس على مستوى الوعي الاسلامي فقط، بل حتى على مستوى الوعي المسيحي واليهودي من اجل اضعافها في عقر دارها، بالنتيجة لابد على المؤسسة الدينية أن توجد لنفسها خطابا جديدا، لأننا من غير الممكن أن نتجاوز الفاصل الزمني الذي يقطع ستينيات القرن الماضي وما نحن عليه الان، فالعصر بدأ يتطور والعقول بدأت تتطور والاجيال بدأت تتعاطى مع ثقافات معينة تتماشى مع العصر، لذلك لابد على المؤسسة الدينية أن تعيد النظر بوسائل الخطاب حتى تكون فعلا مؤثرة في التحولات الاجتماعية".

يكمل الصالحي "اما اذا بقيت المؤسسات الدينية تسير بذات الاسلوب فهي شيئا فشيئا ستفقد جزء من مساحتها، بالتالي نحن نحتاج لمراجعة فعلية لكل المؤسسات الدينية في اساليبها وفي ادارة خطابها وفي ادواتها وفي رجالها، حتى تكون فعلا مؤثرة في احداث التحولات الاجتماعية داخل العراق أو خارجه".

دور غير رسمي

- الدكتور علاء إبراهيم الحسيني، التدريسي في كلية القانون بجامعة كربلاء، والباحث في مركز آدم، يؤكد على "وجود طائفة كبيرة في العراق وهي طائفة المسلمين، وطوائف اخرى صغيرة تتبع الديانات الاخرى، الطائفة الكبيرة المشرع العراقي لم يعطها صفة قانونية لا في الدستور ولا في القوانين الاخرى ولم يعطها شخصية معنوية الا على سبيل الاستثناء في جزئيات، فعلى سبيل المثال الاوقاف وهي ليست ممثلة للطائفة أو لجهة دينية رسمية، باعتبارها ترعى مسائل تنظيمية تتعلق بالأموال الوقفية وتنفيذ شروط الواقف والتقريب بين الافكار والمذاهب وما شاكل، كما عبر عنها قانون الاوقاف سواء الوقف السني (56) لسنة (2012)، أو الوقف الشيعي (57) لسنة (2012)".

اضاف الحسيني "لكن المشرع منح الشخصية المعنوية للديانات الاخرى منذ اربعينيات القرن الماضي في القانون المدني، فالقانون المدني رقم (51) لسنة (1940) منح الطوائف غير المسلمة شخصية معنوية بموجب المادة (47)، فهناك عندنا طائفة ( الروم الارثذوكس) لديها شخصية ولديهم تمثيل رسمي، وهناك مثلا (الصائبة المندائيين) وغيرهم من الطوائف العراقية الكريمة الاخرى، من جانب اخر المشرع العراقي حاول أن يسبغ الصفة الاسلامية على الدولة لان غالبية الشعب العراقي شعب مسلم، حينما قرر أن الدين الرسمي للدولة هو الاسلام ولا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت الاسلام".

يكمل الحسيني "بالتالي هذا النص الدستوري القى بظلاله على التشريعات التي كانت معتمدة أو التي صدرت فيما بعد، فالمؤسسة الدينية عندنا في الطائفة المسلمة ليست رسمية أي انها ليست من مؤسسات الدولة، لا على مستوى الحوزة العلمية التي تمثل الطائفة الشيعية، ولا على مستوى المجمع العراقي الفقهي الذي هو يمثل الطائفة السنية، سابقا أي قبل (2012) كان عندنا في العراق تجمع يسمى (هيئة علماء المسلمين) وهو تجمع اخواني، لذلك فان من اسباب ذهاب البرلمان إلى اقرار قانون الوقف السني في عام (2012) للقضاء على هذه الهيئة، من اجل التهيئة (لدار الافتاء) التي يترأسها السيد الصميدعي، فهذه المؤسسة غير الرسمية هي كأي فاعل اجتماعي في العراق في التحولات الاجتماعية".

يكمل الحسيني "خصوصا واننا لدينا فواعل اخرى من مثل.. الجهات الرسمية الحكومية أو غيرها التي ممكن أن تؤثر في التحولات الاجتماعية، ايضا هناك الفئات الاخرى غير الحكومية كمنظمات المجتمع المدني والاحزاب، لذلك لا نستطيع أن نضع اللوم على جهة غير رسمية في التحولات الاجتماعية لأنها مؤثر كبقية المؤثرات، وهذا المؤثر غير رسمي ولا يملك الصفة الرسمية، وهذا ما عبرت عنه المرجعية الشريفة في الكثير من خطب الجمعة جهارا نهارا حينما قالت ان دورها يتركز في النصح والارشاد، وأن دور السياسي العراقي يتمحور حول اصلاح الامور لأنه يمتلك القرار السياسي والاداري القانوني".

اضاف ايضا "من هنا نستشف أن المؤسسة الدينية قد نعتب عليها في بعض الامور التي تتعلق بمواكبة الاحداث أو انها لم ترتق لمستوى الحدث، ولكن كل هذه التحولات ليست جذرية، انما لها جذورها الممتدة إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بالتالي فان طبيعة التحولات التي حصلت هي تحولات هامشية وليست جذرية، بل أن بعض هذه التحولات قد يكون جيد جدا، ولكن بعضها الاخر كان فيه نكوص ورجوع إلى بعض العادات القبلية، ناهيك عن التمسك ببعض النصوص الدينية التي ابرزت لنا بعض الجماعات المتطرفة والارهابية، وشكل هذا النوع من التحول إلى أن هناك حواضن اجتماعية كانت عبارة عن بيئة خصبة لنمو هذه الافكار".

يختم الحسيني "لذلك كان دور المؤسسة الدينية ولا يزال هو دور غير رسمي، فالمجتمع في بعض الاحيان قد يفرز لنا جماعات يكون تأثيرها اكثر عمقا من المؤسسة الدينية، نعم هناك بعض الوسائل التي تستخدمها المؤسسة الدينية.. المنبر الخطابة، الفتوى، لكن دورها سوف لا يتعدى دور النصح والارشاد والتوجيه وليس اكثر من ذلك".

التماشي مع التحولات الاجتماعية

- الحقوقي احمد جويد، مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات، يجد أن "المؤسسة الدينية اليوم تحاول تكييف دورها في التماشي مع التحولات الاجتماعية التي تحصل في المجتمع، الامر الاخر لا يخلو مجتمع ما من عقيدة أو من تمسك بعقيدة، وسواء كان هذا المعتقد سماوي أو غير سماوي، وهذه العقيدة شيء غريزي يدافع الانسان للتضحية بنفسه من اجل هذا المعتقد، وحتى الرئيس الامريكي رئيس اكبر دولة ديمقراطية في العالم ايام غزوه للعراق صرح بان الرب هو من امره بغزو العراق، وهو ينطلق من منطلقات دينية للتأثير بالدول الاسلامية".

يكمل جويد "ما لمسناه من المؤسسة الدينية انها حاولت أن تبعد نفسها عن المشهد السياسي، لكن المجتمع العراقي بداية التغيير السياسي في العراق في العام (2003) وما تلاها، حمل هذه المؤسسة اكثر مما تستطيع، بحيث حاول اشراك المؤسسة الدينية في كل صغيرة وكبيرة، بالتالي وجدت المؤسسة الدينية نفسها تلعب دورا اخر غير الدور التقليدي الذي كانت تمارسه في السابق، بمعنى أن المجتمع العراقي اعطى للمؤسسة الدينية الضوء الاخضر كي تلعب دور ولاية الفقيه، من حيث تشعر أو لا تشعر، ففي بعض الاحيان يكون التدخل تدخل مباشر في بعض الامور وهناك تدخلات غير مباشرة".

يختم جويد "بالتالي هذا التذبذب مع حركة المجتمع يوفر دورا اكبر للمؤسسة الدينية كفرض وجود على اعتبارها مؤثرة من ناحية، ومن ناحية اخرى هي تحاول أن تحمي كيانها من تدخل الدولة أو حفظ حالة القداسة التي تحيط بها نفسها، وهذين الخطين من غير الممكن السير بعيدا بهما في ظل هذه التحولات، لذلك المؤسسة الدينية اما أن تخرج خروجا مباشرا مع هذه التحولات المجتمعية أو تنكفيء من اجل أن تعتمد على النصح والارشاد، عندها لن تكون مؤثرة بشكل كبير مع احتمالية أن يعتبرها المجتمع انها تخلت عنه في وقت من الاوقات".

العقل اكثر استقبالا للفكر الديني

- علي حسين عبيد، كاتب في مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام، يعتقد أن العقل اكثر استقبالا للفكر الديني عن غيره من الافكار، وذلك لان عقلية الانسان دائما ما تكون مستعدة لاستقبال التوجيه الديني والفكر الديني، وذلك على اعتباره اقرب ما يكون لفطرة الانسان، ولهذا هناك تأثير بين فكرة المؤسسة الدينية وبين ابتعاد فكرها عن التطرف، اي كلما اقترب الفكر الديني من التطرف كلما ابتعد عن عقل الانسان".

يكمل عبيد " نأخذ على سبيل المثال تأثير سماحة السيد السيستاني وهذا التأييد الكبير، ليس فقط من قبل الشيعة او من العراقيين، بل جميع الطوائف بشكل عام تؤمن بما يطرحه السيد السيستاني بنسبة كبيرة جدا على الاقل في هذه المرحلة الحرجة، وايضا كلنا نتذكر كيف كان تأثير المؤسسة الدينية التي يمثلها السيد السيستاني عندما اطلق فتوى الجهاد الكفائي وحمى العراق من الانهيار، لذلك اهم نقطة هي ابتعاد الفكر الديني والمؤسسة الدينية عن التطرف، فالفكر المتطرف حتى لو جمع عداد من التابعين لن يلقى الصدى المطلوب لفترات زمنية طويلة".

الانسان بطبعه ميال إلى تطبيق التعاليم الدينية

- حيدر الاجودي، باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، يصف "الانسان بطبعه ميال إلى تطبيق التعاليم الدينية والسماوية لأنها تعاليم سلسة وسهلة، المؤسسة الدينية شددت على بعض التعاليم الدينية مما ولد فكرة التطرف، لذلك اصبحت المؤسسة الدينية تنطوي على نفسها وعلى التعاليم التي تفرضها كمؤسسة، هذا بطبيعة الحال مما مهد الطريق واسعا امام ابتعاد الناس عن هذه المؤسسة، بالتالي اصبحت كالمؤسسات الباقية كالمؤسسة التشريعية والمؤسسة القضائية والمؤسسة السياسية، لذلك اصبحت لديها تعليمات وتشدد على نفسها لتكون هي في وادي والمجتمع في وادي اخر".

يكمل الاجودي "لذلك اذا لم تخرج المؤسسة الدينية من عنق الزجاجة من غير المستبعد أن تكون بعيدة كل البعد عن المجتمع".

نتيجة تحولات سياسية خارجية أو داخلية

- الاستاذ المساعد الدكتور حسين أحمد السرحان، رئيس قسم الدراسات الدولية في مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة كربلاء وباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية، يرى أن "المؤثر الديني لم يتمأسس على المستوى الشيعي، ولكن يبقى الدور الابرز كان للمؤثر الشيعي على المجتمع وعلى السياسة وعلى جميع مناحي الحياة، بالإضافة إلى ذلك أن التأثير بالتحول الاجتماعي هو للمرجعيات الدينية التي هي جزء لا يتجزأ من خارطة المجتمع وهي نتاج لهذا المجتمع، لذلك حتى يكون لها دور في أي تحول اجتماعي خاصة وأن التحولات الاجتماعية التي حصلت هي نتيجة تحولات سياسية خارجية أو داخلية".

يكمل السرحان "لذلك كان المؤثر الديني سلوكه وتصرفه في اطار التغيير السياسي، وذلك للحفاظ على كينونة هذا المؤثر حتى يكون لها دور ملموس للتدخل بالواقع السياسي، رغم أن المدارس الفكرية أو النظريات الاسلامية فيما يتعلق بالحكم نظريات مختلفة، بالتالي فان اختلاف هذه النظريات يؤدي إلى اختلاف الوسائل، اليوم المؤثر الديني الموجود في ايران لديه وسائل معينة ينطلق من خلالها في نظرياته الدينية فيما تعلق بالحكم، مدرسة النجف الاشرف ايضا لها نظرية تتعلق بالحكم وبالنظام السياسي وغيره، وفق هذه النظرية تبلورت لديها هذه الادوات التي لا تتعدى التوجيه والنصح والارشاد، وهذا مورس بشكل جيد".

اضاف ايضا "لكن حتى يكون هناك تأثير للتحول الاجتماعي نجد أن الروابط جدا قليلة، فالرابط الذي يربط التحولات الاجتماعية هو يهدف لخدمة الافراد، علما أن الافراد لا يربطهم بالمرجع الديني سوى التقليد الديني، وهذا ما علمتنا عليه مرجعية النجف الاشرف التي دائما ما تحرص على تقنين دورها بالأمور الشرعية والعبادية ولا تتدخل بالشأن السياسي، لذلك فان الرابط بين الافراد والمرجعيات الدينية هو رابط الحلال والحرام وانتظار هلال شهر رمضان وحلول العيد، بالتالي لا توجد لدينا روابط اجتماعية وثقافية تربط المجتمع مع أي مرجعية من مرجعيات الدين، ولكن يبلور دوره الاجتماعي من خلال موقفه من التطورات السياسية".

يختم السرحان "فهذه واقعا مشكلة كبيرة لان الخطاب الديني هو وسيلة مهمة من وسائل التأثير في الافراد، لذلك هو يحتاج أن يتناسب مع تطورات المجتمع التي اوجدتها تغيرات سياسية، تغيرات اقتصادية، تغيرات ثقافية، تغيرات تكنولوجية، وهذا التواصل الكبير جدا للخطاب الديني لا زال بعيدا عن الواقع، لذلك حتى يكون الخطاب الديني مؤثرا في التحول الاجتماعي نحتاج الرابط أن لا ينحصر فقط على الجوانب الدينية، بل لابد أن نوجد روابط اخرى ثقافية اجتماعية".

بنى فوقية وبنى تحتية

- حامد عبد الحسين الجبوري، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية، ماجستير اقتصاد، يتصور أن "المجتمع بشكل عام فيه بنى فوقية وفيه بنى تحتية، البنى الفوقية هي تعني النظام السياسي، النظام الاقتصادي، اما بالنسبة للبنى التحتية التي تتعلق بالمجتمع هي مسائل الاعتقاد، مسائل الافكار، مسائل الاخلاق، هذه المسائل الثلاث كلما تكون عالية سوف تنعكس على البنى الفوقية، بالنتيجة عندما يكون لدينا فشل في البنى الفوقية هو دلالة على الفشل في البنى التحتية، فعلى هذا الاساس نحن في مجتمعاتنا نعاني من ازمة اخلاق واعتقاد مركزة ومركبة"

يكمل الجبوري "لذلك هذا مؤشر اكيد على أن المؤسسة الدينية لا تواكب التغير الاجتماعي والثقافي والاخلاقي، الذي يعتبر تحدي بالنسبة للمؤسسة الدينية، لذلك على المؤسسة الدينية أن تعيد النظر بتفكيرها من اجل ايجاد البنى التحتية للمجتمع، ومن ثم حصول تحول على اساس البنى الفوقية السياسة والاقتصاد".

المؤسسة الدينية غير مهيأة لاستقبال هذا الحدث الكبير

- محمد علاء الصافي، الباحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث، يؤكد أن "المؤسسة الدينية في العراق ما بعد (2003) كانت غير مهيأة لاستقبال هذا الحدث الكبير في التغيير، بمعنى انها لم تواجه التغيير بطريقة صحيحة، بالتالي لا الطبقة السياسية التي جاءت ما بعد (2003) مهيأة لما بعد نظام صدام حسين، فمشروعهم كان غير واضح وهو يقوم على فكرة المعارضة أو اسقاط النظام فقط، والدليل على ذلك حتى من نفس الطائفة الواحدة ومن نفس المنهج ومن نفس المدرسة اختلفوا على المغانم ولا يمتلكون رؤية موحدة لبناء الدولة".

يكمل الصافي "المؤسسة الدينية حاولت أن تحتوي الاطراف الموجودة وان توجههم نحو بناء دولة مدنية ومن دون عنف، بالتالي استطاعت المؤسسة الدينية احتواء الشعب العراقي بأزمات كثيرة واثناء الحرب الطائفية سنة (2005/2006 /2007/2014)، وذلك من خلال خطب الجمعة التي باتت ترسم استراتيجية الوئام والانسجام بين مكونات المجتمع العراقي، اما بالنسبة للخطاب السياسي فكان موجه بالدرجة الاولى للشعب العراقي وليس للطبقة السياسية، والدليل أن المؤسسة الدينية في العراق امتنعت عن استقبال اي شخصية سياسية لمدة (9) سنوات، وحتى في مرحلة الحراك منذ اللحظة الاولى كانت المؤسسة الدينية إلى جانب الحراك الشعبي".

يختم الصافي "ولكن هي ليست وصية على الشعب العراقي بقدر ما يتعلق الامر بأبداء النصح والارشاد، بالتالي أن خيارات الشعب العراقي مفتوحة وهم من يقررون مصيرهم بأيديهم حسب توجيهات المؤسسة الدينية في النجف الاشرف، لذلك كانت تريد من الشعب العراقي أن يكون هو المبادر وهو من يطلب التغيير، والا لو كانت تريد ذلك لكان لها موقف مشابه لموقف فتوى الجهاد الكفائي، لذا أن دور المؤسسة الدينية مؤثر بالضغط على الشعب العراقي بالدرجة الاولى بالتغيير، وليس أن تفرض تغييرا سياسيا بيدها".

التقريب السياسي اتجاه الفاعل الديني

- الدكتور اسعد كاظم شبيب، عميد كلية العلوم السياسية في جامعة الكوفة، قال "بالمقارنة مع العام (2003) وما بعدها برز دور رئيسي ومؤثر للمؤسسة الدينية لاسيما في مدينتي النجف وكربلاء، حيث كان دور مرجعية النجف ملحوظا منذ الايام الاولى لدخول قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ومن ثم تدخلت في اغلب تفاصيل ومراحل العملية السياسية في العراق حتى في مسائل صفات رئيس الحكومة ورجال الدولة، وعدم الرضى عن السياسيين واغلاق الباب امامهم من جانب اخر، هذا الدور المهم وأن كان رئيسا ومؤثرا الا أن هذا التأثير له متلازمته الدينية والاجتماعية".

يكمل شبيب "اذا اغلب ابناء الشعب العراقي مرتبط ارتباطا روحيا بالمرجعيات الدينية، هذا التأثير مثلما اشرنا اليه الا أنه لم يحقق ما تصبو اليه كبريات المؤسسات الدينية، والسبب أن هذه المؤسسات عندما تبين رأيها باي مسألة من مسائل العراق الشائكة، فانه غير ملزم لغيرها من السياسيين والمتصدين على المستوى التشريعي والتنفيذي، وعليه فإن المؤسسة الدينية وأن كانت مواقفها متناسبة وحجم التحديات التي فرضها التغيير السياسي والاجتماعي في العراق".

يختم شبيب "الا أن طبيعة دورها الفقهي والسياسي هو السبب في أن يكون هذا التناسب لم يحقق طموحات المؤسسة بصورة خاصة وابناء الشعب العراقي بصورة عامة، اما عن تقريب المسافات بين الفاعلين السياسيين والدينين والفواعل الاجتماعية الاخرى، بعد الفجوة التي برزت جراء الخلل في الاداء السياسي، فهذا يكون عبر ارضاء ابناء الشعب العراقي بالمنجز الخدمي والتنموي اولا، ومن ثم في التقريب السياسي اتجاه الفاعل الديني والاجتماعي عبر البرامج السياسية الاستراتيجية".

لكي يكون الدين عامل قوة في بناء الدولة

- الدكتور حميد الطرفي، مدير جمعية الهلال الاحمر العراقية فرع كربلاء وعضو مجلس محافظة سابق، قال "للأسف لم تكون المؤسسة الدينية بمستوى التحديات لأنها كانت منفعلة مع الحس الديني العام وليست فاعلة، ما حصل من مد ديني بعد عام (2003) كان بسبب تراكم القهر والاضطهاد الديني الموجه ضد الشعائر الحسينية، بالتالي لم تستطع المؤسسة الدينية من تحويل هذا المد إلى مد اسلامي حركي توعوي اصيل، بل انساقت وراء هذا المد لتجعل منه مدا طقوسيا بامتياز".

يكمل الطرفي "وهذا المد لا يستطيع بناء انسان تنموي معطاء في بناء الدولة الناجحة النامية هذا من جانب، ومن جانب اخر تباطأ الفاعلون الدينيون في تحديد فلسفة الدولة ونظامها السياسي وموقع الدين منها، في الوقت الذي تعبأت الحركات الاسلامية ايام تأسيسها بشعار (الاسلام دين ودولة) و (شريعة ونظام) و(سياسة وقيادة)، الا انها واجهت في السلطة مشكلة حقيقية في تبني ما يعرف بـ (النظام الديمقراطي التعددي)، ولكن لم تجد من الحوزات العلمية نظرية واضحة في هذا الاطار يمنع من ازدواجية المفهوم بين التنشئة الاولى وواقع الحال المعاش".

يختم الطرفي "لتقريب المسافات لابد من تبني نظرية واقعية تحدد مقدار مساهمة الدين في الدولة وتوضح حدود العلاقة بينهما، نقيم على اساسها تنشئة اجتماعية وسياسية وفق خطاب ورؤية شبه موحدة، تبدأ من المدارس الابتدائية ثم المتوسطة والثانوية والجامعات وفي المنابر الحسينية وخطب الجمعة، لكي يكون الدين عامل قوة في بناء الدولة".

السؤال الثاني: كيف يمكن تقريب المسافات الفاصلة بين الفاعلين السياسيين والدينيين والاجتماعيين في العراق؟.

- الدكتور عدي حاتم عبد الزهرة المفرجي، يرى ان "على المؤسسة الدينية في العراق أن تنهض من جديد ليس وحدها فقط، بل بإحياء المدارس العلمية الفقهية القديمة من مثل المدرسة الشيرازية ومدرسة السيد المدرسي والمدرسة الحيدرية ومدرسة الصغير ومدرسة آل الصدر، خصوصا وأن المدارس الدينية لها سمعة طيبة في تاريخ العراق الحديث والمعاصر، إلى جانب ذلك لابد أن نبتعد قدر الامكان عن التأثير الخارجي، الشيء الاخر الالتزام مع الدولة".

 - الشيخ مرتضى معاش، يؤكد على أن "التحول الاجتماعي حاصل الان وبقوة لسببين، السبب الاول هو وجود الديمقراطية الحديثة والحريات الموجودة وهي نسبية في العراق، والسبب الثاني هو التقدم المعلوماتي القوي، لذلك ما دام التحول الاجتماعي اصبح امرا واقعا فعلى المؤسسة الدينية اما تكون صانعة ومتفاعلة مع الحدث ومع التطور الموجود واما لا، المشكلة أن بعض الجماعات الدينية تريد ابقاء الوضع على ما هو عليه، أو شيطنة أي تحول اجتماعي بمختلف الاساليب والمفاهيم والكلمات، وهذا خطأ كبير جدا وسوف يحدث فجوة كبيرة بين المؤسسات الدينية والمجتمع".

يكمل معاش "لابد للمؤسسة الدينية مواكبة للتطورات وان تكون سابقة وليست مسبوقة، بمعنى ادق أن لا تكون المؤسسة الدينية انفعالية، أي انها فقط تتدخل فقط عند حصول الأزمات، بل أن تكون لها استراتيجية ومتفاعلة مع التغيير الاجتماعي والتحول الاجتماعي، وصانعة للتحول الاجتماعي بشكل ايجابي، وذلك عبر أن تكون المؤسسة الدينية في حالة مؤسساتية وليست انفرادية ولا ارتجالية ولا استبدادية ولا احتكارية، لابد أن تكون حالة مؤسساتية استقلالية وليست تابعة أو لاغية للتعددية، فالتعددية هي التي تحافظ استقلالية المذهب الشيعي وحرية الاجتهاد وحرية التعبير وحرية الرأي".

اضاف ايضا "من المهم جدا في الحوزات العلمية تشجيع على دخول الدراسات الاكاديمية في الدراسات الحوزوية، بالاضافة إلى ذلك هناك تراجع في النهضة العلمية فحتى الحوزات العلمية التقليدية اصبح فيها جمود وخفوت، فلابد أن تكون هناك نهضة علمية تستقطب الناس وتستقطب الطلاب، المشكلة أن الحرب الطائفية اخرجت الحوزات العلمية من فلسفتها ومن اهدافها العلمية، في صراعات من اجل هويتها".

يختم معاش "على المؤسسة الدينية بكافة اشكالها وخاصة الحوزات والمرجعيات أن تقوم بالانفتاح والتواصل لاستقطاب التخصصات والكفاءات العلمية من المثقفين والاكاديميين والباحثين، عبر فتح حوار اجتماعي وفكري وعلمي مع المؤسسات المتنوعة والاكاديميين والمثقفين، وهذه الحوارات مهمة من اجل بناء جسور التواصل وبناء السلم الاجتماعي وبناء استراتيجية شاملة لعملية التحول الاجتماعي، والهدف الأساسي هو بناء العقد الاجتماعي الذي يؤدي الى تحول سياسي كبير وبناء علاقة اساسية جوهرية بين الحاكم والمحكوم وعلاقات اجتماعية صحيحة بين مختلف التوجهات والتيارات".

- الدكتور علاء إبراهيم الحسيني، قال "من اجل المقاربة بين الفواعل السياسية والدينية والاجتماعية حتى نخرج بحصيلة جيدة، فلو نظرنا على سبيل المثال إلى المحكمة الاتحادية في العراق خصوصا وأن المادة (72) اكدت على انها تتشكل من مجموعة من القضاة وفقهاء في القانون وخبراء في الشريعة الاسلامية، طبعا النص كان مقصود وهو بصياغته جيد، لكن لو نظرنا إلى انعدام الثقة المتبادلة بين هؤلاء الثلاثة الذين كانوا احد اسباب عرقلة اصدار القانون من عام (2005) ولحد الان، لان فئة القضاة لديهم عقد من رجال الدين وكذلك رجال القانون لديهم عقد من رجال الدين والعكس صحيح، والسبب النظرة النمطية وهناك انعدام للثقة بين رجال الدين ورجال القانون والقضاة".

يكمل الحسيني "فهذه المؤسسة الرسمية كان من المفترض أن تجمع هؤلاء الثلاثة في مكان واحد، لكن هذا القانون فشل في ايجاد المكان الذي يجمعهم، وذلك على اعتبار أن رجال الدين كانوا يشترطون الفيتو الموقف لمشاريع القوانين وحتى يغلب على رأي القضاة، لذلك لابد أن يكون هناك حوار ولابد من اعادة الثقة بين المؤسسة الدينية وبين المؤسسة السياسية والمجتمع المدني، لان اعادة الثقة بين هذه الاطراف الثلاثة مهم جدا عندنا في العراق".

 - عدنان الصالحي، يعتقد بوجود "بون شاسع بين الخط الأكاديمي بشكل عام ورجال الدين، وهذا البون الشاسع ولد فراغا كبيرا طمر الكثير من الناس، فحتى المؤتمرات واللقاءات هي لقاءات هامشية وان التودد هو تودد ظاهري فقط، بالنتيجة بقى الانسان البسيط بين الاكاديمي وبين رجل الدين، فرجل الدين يرى في الإنسان القانوني والعلمي البحت قد يكون رجل دنيوي فقط، اما الرجل الاكاديمي يرى في رجل الدين فقط تنظير في العلم ولا توجد لديه حالة عملية، بالتالي بقت كل جهة تحتفظ بآرائها بمعزل عن الجهة الاخرى".

يكمل الصالحي "بالنتيجة هناك كم هائل من الخراب في عدم انتاج مجتمع واعي أو حالة مرحلية انتقالية للناس، للأخذ بيدها من حالة الصراع والفوضى وانقاذها إلى حالة القيادية الحقيقية، لذلك اذا بقى هذا الانقطاع بين هذين الخطين فالمشكلة عميقة، وهناك من يعمل على فسح مجال اكبر امام هذه الفجوة لزيادة الكثير من المشاكل".

- الحقوقي احمد جويد، يرى أن المشكلة تتركز بين الفواعل الدينية والسياسية وهي مشكلة ارادات، بالتالي اذا كانت الغاية من الفاعل السياسي والديني هو الرقي بالمجتمع فليست هناك مشكلة، ولكن الفاعل الديني اليوم لم يأت بنصوص تختلف عن النصوص التي جاءت بها السماء وهي تهدف لإسعاد الانسان، الا أن الفاعل السياسي يريد أن يصل بالإنسان إلى غاية معينة وهي الوصول إلى السلطة".

يكمل جويد "هنا الفاعل الثالث وهو الفاعل الاجتماعي يبحث عن من ينصفه من الفاعل الديني أو الفاعل السياسي".

- حيدر الاجودي، يوصي المؤسسات الدينية عامة أن تعمل على التقريب فيما بينها اولا، لكي تكون اكثر فاعلية واكثر تأثيرا على بناء المجتمع وباقي طبقاته".

- حامد عبد الحسين الجبوري، يعتقد أن المسالة لا تتعلق بأفراد المجتمع، بل الاشكال الحقيقي بين علماء الاجتماع وبين علماء الدين، فعالم الاجتماع دائما ما ينظر للمشكلة بشكل واقعي فيعمل على ايجاد الحلول لها، اما رجل الدين فينظر للمشكلة من جانب ديني فيرحل المشكلة من الواقع للنص الديني".

- محمد علاء الصافي، يرى أن تقريب المسافات بين الاخرين يتم من خلال الاعتراف بالأخر، فمثلا المؤتمرات التي تعقد هنا أو هناك لا تجمع بين المرجعيات الدينية وبين النخبة الاكاديمية والثقافية، لذلك لا يمكن تقريب المسافات الفاصلة ما لم يكن هناك حوار مباشر بين الفاعل الديني وبين الفاعل الاجتماعي بكافة تشكيلاته، بل على العكس من ذلك هناك عزلة شبه تامة حتى بيننا كنخب ثقافية وبين المجتمع.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2020Ⓒ
http://shrsc.com

 

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6