الاستعمار هو سيطرة دول القوية على أخرى ضعيفة لاستغلال ونهب جميع مواردها وثرواتها الطبيعية، منذ بداية القرن السادس عشر بدأ الفكر الاستعماري يظهر على السطح الأوروبي، وتحديدًا بعد طمع دول أوروبا في السيطرة على دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية وأستراليا وأسيويا، وكان الاستعمار أوجده الانفتاح الأوروبي على دول العالم الخارجي بهدف الاستيطان، وحيث توسع الفكر الاستعماري مع ظهور الثورة الصناعية في أوروبا وظهور نوع جديد من الاستعمار والمتمثل بتصريف المنتجات الأوروبية بالأسواق الخارجية وأيضًا البحث عن الموارد الطبيعية لتنمية الصناعات، وقامت الدول الأوروبية باستعمار الكثير من البلاد العربية خاصّة الدول التي تحتوي على البترول والغاز الطبيعي.

أهدافه

يوجد الكثير من الأهداف الخاصة بـ الاستعمار والتي وضعت من قبل الدول المستعمرة منها ما هو ظاهر للجميع ومنها ما هو خفي لا يعلمه سوى تلك البلاد التي تقوم باستعمار البلاد الضعيفة ومن بين الأهداف الخاصة بالاستعمار، أهداف سياسية وهنا تهدف تلك الدول إلى زيادة نفوذها في الكثير من الدول على مستوى العالم ونجد هذا المثل واضحا في الولايات المتحدة الأمريكية وما فعلته بريطانيا في السابق ودول الأتحاد السوفيتي، وهناك اهداف الاقتصادية والتي تتمثل في حاجة تلك الدول القوية إلى المواد الطبيعية التي توجد في الدول الضعيفة والتي من بينها خام البترول والثروات المعدنية وغيرها من الثروات التي ميز بها الله عز وجل بعض الدول عن غيرها في الأرض، كما أن الكثير من تلك الدول الضعيفة تمتلك أيدي عاملة كثيرة تسخرها الدول القوية للعمل لصالحها بدون مقابل يذكر.

واسباب اخرى ثقافية والدينية والذي يعد من أخطر الأهداف الخاصة بالاستعمار حيث يتم تدمير البنية التحتية للكثير من الدول التي تتمسك بالمبادئ والقيم، كما تسيطر تلك الدول على ثقافة الشعوب من خلال محو اللغة الأم وجعل اللغة الخاصة بالبلاد القوية هي اللغة الرسمية لهم، وهناك استعمار يعزى لحب الاستكشاف قد يدفع الكثير من الدول الكبيرة حب الاستكشاف والتعرف على طبيعة الدول الضعيفة إلى استعمارها عملا على تعزيز الإنجازات الخاصة بهم على المستوى العالمي وبه نوع من بسط وزيادة النفوذ أيضا،وهناك ما يتصل بالحصول على القوة العسكرية الكبرى فالكثير من الدول الكبيرة قد سعوا إلى وضع المزيد من المستعمرات لهم في كل البلاد بهدف إبراز مدى قوتهم العسكرية ووضع قواعد لهم في كل مكان حتى تظهر قوتهم.

أنواعه

الاستعمار الاستيطاني: أي أن تقوم الدول المستعمِرة بتشجيع رعاياها على الهجرة إلى الدولة المراد نهب خيراتها ومواردها وسلب حرياتها واحتلال مجموعة من الأراضي، حيث تبدأ تلك المجموعة في التكاثر والتملك والاستثمار في هذه الأراضي، حتى أن الأمر يصل لقتل السكان الأصليين أو تشريدهم خارج بلدهم مثلما حدث في جنوب أفريقيا وفلسطين.

الاستعمار العسكري: وهو أن قيام جيش أو دولة ذات قوة و سلطة بالسيطرة فجأة بدون مقدمات على احتلال دولة ضعيفة لا تملك سلاح قوي وشعبها ضعيف ولا يقدر الدفاع عن بلده، والبدء في سرقة كافة الثروات والموارد الموجودة فيها، مثل: احتلال فرنسا لتونس والجزائر.

استعمار الحماية: هو سيطرة المستعمِر على دولة أخرى من خلال إجبار حاكمها على توقيع معاهدة لحمايتها، حيث يزعم المحتل أن الهدف منها هو لتحقيق الحماية للشعوب المستعمَرة بداخل أراضيهم، دون أن تطلب منهم الحماية، وتبدأ بموجب هذه المعاهدة السيطرة خطوة بخطوة على البلاد بأكملها، مثل: الأمور السياسية والمالية والأسلحة العسكرية، كم قامت بريطانيا عندما بحكم الخليج العربي أوائل القرن التاسع العشر.

الانتداب: وهو قيام الدولة المستعمِرِة بأخذ جزءًا من ثروات البلاد التي تستعمرها بحجة الحفاظ عليها واستثمارها وازدهارها، حيث تقوم مع مرور الأيام بالسّطو عليها. استعمار الوصاية: وهو النظام بديل لنظام الانتداب والذي لا يختلف عنه كثيرًا، حيث تقوم فيها الدولة المستعمِرة بالسيطرة عليها والتحكم بها وجعلها أرض من أراضيها، وهذا النظام هو وظيفة هيئة الأمم المتحدة، حيث تقوم بوضع ممتلكات الدولة المهزومة في الحروب بيد الأمم المتحدة، حيث تُعدّ المسيطر الأول على هذه الممتلكات، كما قامت بوضع الوصايا على الصومال وليبيا.

أثاره

الأثر الاقتصادي: يريد المستعمر بناء الاقتصاد القوي من خلال الصناعات الحديثة والمتطورة، وهو بذلك يحتاج إلى المواد الخام لإمداد المصانع علاوة على السوق الذي يصرف فيه المنتجات، والتي تشمل الصناعات الخفيفة والثقيلة للتصدير للعالم، ومن أجل الحصول على المكسب الاقتصادي يعتمد المستعمر على الجيش القوي الذي يمكنه من فرض سيطرته على البلاد الضعيفة، وبدأت الدول المستعمرة في فرض الضرائب والجمارك على طرق التجارة الخاصة بالدول التي احتلوها، وهو ما سهل الفكر التجاري والتسويقي وزاد من الموارد المالية للمستعمر.

الأثر الاجتماعي: للسيطرة على الدول الضعيفة يصطحب المستعمر الجيش القوي وتقوم المعارك الغير متكافئة، وهو الأمر الذي خلف العدد الكبير من القتلى والعدد الأكبر من المصابين وأصحاب الأمراض الجسدية والنفسية، وهو الأمر الذي يتضح جلياً بالدولة الجزائرية فيقول المستعمر الفرنسي أن عدد القتلى وصل لنحو 300 ألف قتيل بينما يقول الجزائريون أن العدد تعدى المليون والنصف، وهذه حالة واحدة عبارة عن كارثة بشرية، ولا يقتصر القتل بالمعارك ولكن هناك الاغتيال السياسي لكل فكر يريد الانفصال عن هذا المستعمر، علاوة على الموت بسبب الفقر والتعرض للمجاعات والأمراض وهذا الأمر تسبب فيه الطمع في الموارد فأصبحت البلاد خالية من الخيرات.

الأثر السياسي: بعد الحرب العالمية الثانية بدأت الدول الأوربية في الانسحاب من بعض المستعمرات، نظراً للخسائر الكبرى التي تعرضوا لها أثناء الحرب العالمية، وجاء الانسحاب السريع فرسم الحدود الغير مبررة والغير منطقية بين البلاد والتي سببت العديد من الخلافات بينها حتى يومنا هذا، فمثلاً الخلاف بين الهند وباكستان على إقليم كشمير والذي يزيد الأمر خطورة امتلاك كل من الدولتين السلاح النووي.

الاستعمار الثقافي والفكري

للاستعمار الفكري صور عديدة يمارس المستعمر منها ما يناسب ظروف حكمه ويبسط نفوذه فيعمل على نشرها وتثبيتها وجعلها عقيدة يحرم مخالفتها ونذكر هنا بعضاً من هذه الصور :

ألوهية الحاكم: تعتبر أخطر فكرة ناقشها القرآن الكريم هي ادّعاء الحاكم ألوهيته وربوبيته، وأنه هو الذي يدبّر شؤون الناس ويرعاهم، وتأتي خطورة هذه الفكرة من أثرها الناتج في واقع الناس حيث تصبح شرعاً ، يمارس الحاكم جبروته وطغيانه ، ويقف الناس أمامه أذلاء صاغرين خاضعين لكل أوامره؛ ولهذا ناقشت الآيات القرآنية هذا الموضوع بشكل مستفيض واضعة فرعون مثالاً للحكام والأنظمة الظالمة التي لا تريد أن تعلو كلمة على كلمتها ، وتريد أن تكون الآمر الناهي، وتعتبر كل مقاوم لها ومناهض؛ خارجاً عن النظام والقانون يستحق العقاب وكل أصناف العذاب، وأحسب أن صورة دول النظام العالمي اليوم لا تقل شبهاً عن صورة فرعون عندما قسمت العالم أحزاباً وشيعاً، وخلقت الصراعات والحروب في ما بينها، وتخال كل خير وثروة في العالم ماهو إلا لها

الحرية بيد الاستعمار: نلاحظ أثناء الحروب التي تشنها الدول الحاكمة للعالم أو الحكام على مناهضي الظلم العمل الإعلامي المكثف على تزييف الواقع وقلب الحقائق ومحاولة إقناع الرأي العام بأن الحرب التي يخوضونها هي من أجل الدولة المعتدى عليها ومن أجل تحريرها وأن قضيتهم عادلة ونبيلة وأنهم يسعون دائماً لإنقاذ العالم من خطر يهدده، معتبرين كل مناهض لظلمهم وحامل الفكرة التي تبيّن زيف ادعائهم عدواً يريد دمار الشعوب وانحطاطها وأنه كهنوت يريد تخلف الأمم ورجعيتها، ويمارسون كل أنواع الظلم لإزاحة حاملي الوعي عن طريقهم فإن كانوا أفرادا اتجهوا إلى الاغتيالات وإن كانت جماعات أدخلوها في حروب وصراعات داخلية وخارجية، وألهوها عن عملها في بناء الأفكار ونشر الوعي والحقائق.

إعادة تشكيل المنظومة الثقافية: ومن أخطر وسائل المستعمرين قديماً وحديثاً هو إعادة تشكيل المنظومة الثقافية من خلال وسائل كثيرة ومن هذه الوسائل:

اللغة: هي إحدى الأسس الفكرية والروحية وأهم الروابط التاريخية والأدبية التي لجأ المستعمرون قديماً والدول المهيمنة حاضراً إلى نشر ثقافتها من خلال نشر لغتها على الدول المراد السيطرة عليها ، بحيث تصبح هذه اللغة في مقرراتها الدراسية وتستعمل في وسائل الاتصال والإعلام والتخاطب اليوم، وتفتح مئات المعاهد لتدريسها وإعطاء المنح المجانية للمتفوقين فيها..

وعند إلقاء نظرة على الخريطة اللغوية للعالم ، تجد أن لغة المستعمر تصبح هي اللغة الرئيسة في البلدان المستعمرة وتحل مكان اللغة الأم لها؛ فأغلب المستعمرات الأسبانية في أمريكا اللاتينية تستخدم اللغة الأسبانية لغة رسمية، وتعد الإنجليزية اللغة الرسمية لعدد من المستعمرات البريطانية كالهند ونيجيريا وجنوب أفريقيا، كما تعد اللغة الفرنسية اللغة الرسمية في المستعمرات الفرنسية مثل تشاد ومالي والسنغال، وتعد اللغة البرتغالية لغة موزمبيق الرسمية بوصفها مستعمرة برتغالية سابقة، كما تجد أن اللغة الثانية في عدد من الدول المستعمرة هي لغة المستعمر؛ كما هو حال الإنجليزية في العراق ومصر والأردن وغيرها ، والفرنسية في دول المغرب العربي، وهو أمر ينسجم مع ما قاله العالم تريتشكا من أن اللغة هي أساس التجارة المزدهرة إذ أن الأمة لا تفقد مستعمراتها المرتبطة بها باللغة والثقافة حتى لو انقطعت الرابطة السياسية.

بالإضافة إلى أن انتشار هذه اللغات والاهتمام بها يأتي مع عدم الاعتناء باللغة العربية وتدريسها وهذا ما نتج عنه ضعفُ العرب والمسلمين في فهم أساليبها ومعانيها فجعل بينهم وبين القرآن الكريم -الذي هو كتاب هدايتهم ودستور عزتهم وكرامتهم – فجوة كبيرة وغموضاً عميقاً فجعلوه وراءهم ظهرياً وأصبح كتاباً مهجوراً..

العادات والتقاليد: عمدت الدول المستعمرة قديماً ودول النظام العالمي حديثاً لاسيما مع التقدم التكنولوجي إلى التأثير في عادات وتقاليد دول العالم وقد وصل الأمر إلى أن أثرت عليها حتى في أدق تفاصيل حياتهم ملبساً ومأكلاً ومشرباً بل وحتى في المشية والحركة، وقد نجحت هذه الدول من خلال دراساتها العميقة في كيفية التأثير على فكر الإنسان ووعيه والتحكم بتصرفاته وسلوكياته ومواقفه ، وتوجيهه نحو أفكار ونماذج وسلوكيات جديدة تتبناها، وقد أشارت بعض الدراسات إلى أنه من أجل التأثير على الأفراد من اللازم إحداث نوع من الاضطراب النفسي والسلوكي، وخلق بيئة فكرية ونفسية مضطربة للأفراد والجماهير كونه شرطاً لازماً لتحضير الأرضية الضرورية لتقبل النماذج والسلوكيات المصممة مسبقاً ؛ وكي تحدث هذه البرمجة يتم تعريض الجمهور لمواد ومعطيات ومواضيع ومعلومات مركزة على جمهور محدد، أصبح يعتمد بشكل شبه كلي في تواصله وتلقيه المعرفي والثقافي والترفيهي وحتى الاجتماعي على وسائل الاتصال والإعلام خاصة التلفزيون والإنترنت، ولإيضاح ذلك بشكل أكثر يكفي أن نشير إلى إحصاء علمي كشف أن الجمهور يتعرض لوسائل الإعلام بمعدل 3-4 ساعات يومياً، أي ما يوازي 1000 ساعة سنوياً ، مقابل 800 ساعة تعليم يتعرض لها التلامذة والطلاب في المدارس والجامعات، ويؤدي هذا التعرض (المشاهدة ، الاستماع أو التصفح أو القراءة) إلى حدوث آثار ومضاعفات هائلة في تشويش الأذهان وتوجيه ميولها النفسية والجمالية والاستهلاكية.

وحسب دراسات وأبحاث علمية تشير إلى أن العقل والدماغ البشري يستقبل المعطيات والمواد والوسائل الإعلامية عن طريق وسائل الاتصال والإعلام المختلفة تلفزيون، إذاعة، فضائيات، صحف ومطبوعات ومجلات، مواقع انترنت، إعلانات، أجهزة الاتصال الخليوية بمعدل يصل لمليوني جزئية في الثانية الواحدة، يدخل منها إلى الوعي نسبة قليلة جداً قد تقل عن 10 % في حين يذهب القسم الباقي 90 % إلى اللاوعي محدثاً آثارا بطيئة عبر عمليات التأثير وآليات الاتصال والتفاعل بين اللاوعي والوعي في أروقة وعوالم العقل الباطن، من خلال ما سبق ذكره يتضح لنا سبب تدهور القيم الأخلاقية في المجتمعات وانسلاخها عن كثير من عاداتها وتقاليدها.

والمتأمل في واقع الوطن العربي والإسلامي في العصر الراهن يجد أن هناك أزمة فكرية وثقافية استفحلت في جسد الأمة وأن بذور الاستعمار الغربي تنامت وتغلغلت في المجتمعات العربية والإسلامية حتى وإن استقلت عسكرياً وأن ما تعانيه من انقسامات واقتتال تحت مسميات الطائفية والمناطقية والمذهبية ماهي إلا نتيجة استعمار العقول والأفكار .

ومن هنا نقيم الحجة على الشخصيات العلمائية والنخب الثقافية والفكرية بأن تضغط على الجهات السياسية الحاكمة بالاتجاه إلى إقامة مشاريع وطنية نابعة من البيئة العربية والإسلامية ابتداء من المناهج التعليمية مروراً بالتجارة والمعاملات وحتى الفنون وانتهاء بالفكر العام ، والاتجاه إلى إنشاء مراكز دراسات وأبحاث في كل المجالات فندرس الماضي ونقيّم الحاضر ونخطط للمستقبل من خلال ديننا وفكرنا وثقافتنا ونتميز عن غيرنا من خلال إظهار ذات الإسلام وجوهره وبيان جمال أحكامه وروعة مبادئه.

........................................................................................................................
المصادر
- المرسال
- سطور
- الجزيرة
- موهوبون
- مشروعنا بالعقل نبدأ

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2