الاحتجاجات الكبيرة واعمال العنف التي اندلعت العديد من المدن الايرانية، بعد قرار الحكومة رفع أسعار المحروقات بشكل مفاجئ، ماتزال محط اهتمام كبير في وقت يظل فيه الإنترنت مقطوعا إلى حد كبير بعد أيام من الاحتجاجات العنيفة التي طالت نحو مئة مدينة، واسفرت هذه الاحتجاجات بحسب بعض المصادر عن مقتل وجرح المئات من الأشخاص اضافة الى الاعتقالات التي طالت اكثر من الف شخص، ويرى بعض المراقبين ان ما حدث في ايران هو دليل واضح على تفاقم المشكلات والازمات الداخلية في ايران بسبب الضغوط الاقتصادية المستمرة، التي دفعت الحكومة الى اعتماد اجراءات وقرارات خاصة ومنها رفع أسعار المحروقات، لمعالجة الازمة الاقتصادية التي تفاقمت بسبب العقوبات الأميركية التي قلّصت بشكل كبير صادرات النفط، حيث أشار الرئيس الإيراني حسن روحاني وبحسب بعض المصادر قبل يوم واحد فقط من إعلان القرار الجديد الى إنّ البلاد تواجه عجزاً يصل إلى نحو ثلثي ميزانيّتها السنوية البالغة 45 مليار دولار.

وقالت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية أنّ ما يحصل في إيران من احتجاجات يشبه ما يحصل في دول اخرى، حيث أنّ السبب هو القلق الاقتصادي، بحسب تعبيرها، مضيفة أنّ الإيرانيين، الأصوليين والإصلاحيين، عبّروا عن غضبهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرين أنّ الزيادات في الأسعار من شأنها أن تؤذي الشعب وتسبب المزيد من الفساد المالي. وقال الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في تصريحات نُشرت على موقعه الرسمي على الإنترنت إن الاحتجاجات التي اندلعت في الآونة الأخيرة بعد رفع أسعار البنزين هي مسألة أمنية وليست من صنع الشعب. وأضاف ”على الأصدقاء والأعداء أن يعلموا أننا تصدينا للعدو عسكريا وسياسيا وأمنيا“.

وقال في إشارة إلى الاحتجاجات ”هذا ليس من صنع الشعب، هذا فعل الأشرار، هذا ما يقوم به الأشرار، ينبغي الالتفات إلى هذا الأمر“. وذكر متحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية في وقت سابق أن الاحتجاجات انحسرت بعد يوم من تحذير الحرس الثوري من إجراء ”حاسم“ إذا لم تتوقف الاحتجاجات المناهضة للحكومة. وحذر الحرس الثوري الإيراني المحتجين المناهضين للحكومة من إجراء ”حاسم“ إذا لم تتوقف الاضطرابات.

بيان للحرس الثوري

وفي هذا الشأن أشار الحرس الثوري الإيراني إلى عودة الهدوء إلى البلاد بعد توقيف "قادة الاحتجاجات" في عدة مناطق بالبلاد، مشيدا بتحرك القوات المسلحة "السريع" للتصدي لـ"مثيري الشغب"، وأفاد الحرس الثوري في بيان "وقعت حوادث، بعضها كبير وبعضها صغير، نتيجة زيادة أسعار البنزين (الجمعة في 15 نوفمبر/تشرين الثاني)، في أقل من مئة مدينة عبر إيران". وجاء في البيان الذي نشره موقع "سيبا نيوز"، الصفحة الرسمية للحرس الثوري، أنه "تم وضع حد لهذه الأحداث في أقل من 24 ساعة، وفي بعض المدن في 72 ساعة".

وتابع "هذه نتيجة يقظة القوات المسلحة وقوات حفظ النظام وتحركهما السريع"، مشيرا إلى أن "توقيف قادة (الاحتجاجات) ساهم إلى حد بعيد في تهدئة الاضطرابات". وأوضح الحرس الثوري أن "القادة الرئيسيين" أوقفوا في محافظتي طهران والبرز المحاذية وفي مدينة شيراز في وسط جنوب البلاد. ونقلت وكالة أنباء "مهر" عن الأميرال علي شمخاني أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي أن "كل مثير شغب، حيثما وجد في إيران سيتم التعرف عليه وسينال قصاصه".

ولم تبث قناة التلفزيون الحكومية أي صور جديدة عن الاحتجاجات، مكتفية بنقل مشاهد مظاهرات تقول إنها "عفوية" دعما للسلطات في العديد من المدن الإيرانية. وظهرت في الصور تجمعات في قم واصفهان وشيراز وكرمان في الوسط وفي بندر عباس في الجنوب. وتحدثت وكالة أنباء "إسنا" شبه الرسمية عن تجمع في خرج قرب طهران.

وأكدت السلطات حتى الآن مقتل خمسة أشخاص لكن الأمم المتحدة عبرت عن خشيتها من مقتل "عشرات" الأشخاص خلال المواجهات. فيما أشارت منظمة العفو الدولية إلى تقارير عن "مقتل 106 متظاهرين على الأقل"، متهمة النظام بالإفراط في استخدام "القوة القاتلة لسحق المظاهرات السلمية بغالبيتها". من جهتها أعربت الأمم المتحدة عن خشيتها من أن تصل الحصيلة إلى "عشرات" القتلى. وحض الاتحاد الأوروبي قوات الأمن الإيرانية على التزام "أقصى درجات ضبط النفس" واعتبر "أن أي شكل من أشكال العنف غير مقبول"، مشددا على "ضرورة ضمان الحق في حرية التعبير والتجمع".

من جانبه أكد المرشد الأعلى لجمهورية إيران الإسلامية علي خامنئي أنه تم "دحر العدو" بعد أيام من التظاهرات التي تخللتها أعمال عنف أوقعت قتلى اثر زيادة أسعار الوقود. وقال خامنئي "فرضنا التقهقر على العدو في ميادين الحرب العسكرية والسياسية والامنية". ولم يحدد المرشد الأعلى من هو هذا "العدو"، لكن السلطات اتهمت خلال الأيام الأخيرة قوى أجنبية، خصوصاً الولايات المتحدة، بإثارة الاضطرابات في الجمهورية الإسلامية.

من جهته أكد الرئيس الايراني حسن روحاني ان ايران خرجت "منتصرة بوجه المخططات". وأعربت الولايات المتحدة التي تتهم إيران بأنها خلف الأزمات في الشرق الأوسط وتفرض عليها عقوبات اقتصادية مشددة، عن دعمها للمتظاهرين. وأكد خامنئي "دحرنا العدو خلال الأحداث الأمنية في الأيام الأخيرة"، مشيراً إلى أن الاضطرابات التي شهدتها البلاد لم تكن ناتجة عن حراك شعبي. وقال إن ما حدث "خلال الأيام الاخيرة كان ممارسات أمنية وليست شعبية".

وعبرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي انسحبت من الاتفاق النووي الدولي المبرم مع إيران عن تأييدها لما وصفتها ”بالاحتجاجات السلمية ضد النظام“. وقال البيت الأبيض ”نندد باستخدام القوة المميتة والقيود الصارمة على الاتصالات المفروضة على المتظاهرين“. ويحرص رجال الدين الذين يحكمون إيران على منع تكرار الاضطرابات التي حدثت في أواخر عام 2017 حينما خرجت احتجاجات في 80 مدينة وبلدة بسبب تدني مستوى المعيشة وترددت فيها دعوات لتنحي رجال الدين عن الحكم. وقال المسؤولون الإيرانيون إن 22 شخصا لقوا حتفهم في تلك الاحتجاجات.

وعلى الرغم من التوتر الكبير بين واشنطن وطهران، عبرت حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن مضيق بدون أي حوادث، وذلك للمرة الأولى منذ تدمير الإيرانيين لطائرة استطلاع أميركية في المنطقة في 20 حزيران/يونيو. وأوضحت البحرية الأميركية في بيان أن عبور مجموعة حاملة الطائرات المضيق الاستراتيجي الى الخليج يهدف الى اظهار "تصميم" واشنطن على ضرورة الالتزام بحرية الملاحة.

خدمة الإنترنت

الى جانب ذلك قالت وكالات أنباء محلية وسكان إن إيران بدأت في إعادة خدمات الإنترنت في العاصمة طهران وعدد من الأقاليم بعد أن قطعتها السلطات لأيام على مستوى البلاد بهدف احتواء احتجاجات عنيفة على رفع أسعار الوقود. ونقلت وكالة فارس شبه الرسمية للأنباء عن مصادر مطلعة لم تحددها قولها ”خدمة الإنترنت تعود تدريجيا للبلاد“. ونقلت الوكالة عن مجلس الأمن القومي، الذي أمر بقطع الخدمة، قوله إن إعادة الخدمة أجيزت ”لبعض المناطق، ووفقا للتقارير الواردة حتى الآن، أعيدت خدمة الإنترنت على الخطوط الأرضية في أقاليم هرمزجان وكرمانشاه وأراك ومشهد وقم وتبريز وهمدان وبوشهر وفي أجزاء من طهران“.

وجعل قطع خدمة الإنترنت من الصعب على المتظاهرين نشر تسجيلات على مواقع التواصل الاجتماعي لحشد المزيد من التأييد أو الحصول على تقارير يعتد بها عن نطاق الاضطرابات. وقال مرصد نتبلوكس لمراقبة انقطاع الإنترنت إن عودة الخدمة في إيران ما زال جزئيا ويغطي نسبة عشرة بالمئة فقط من البلاد. وقالت وكالات أنباء محلية وسكان إن خدمة الإنترنت عبر الخطوط الهاتفية الثابتة فقط، وليس خدمة الإنترنت على الهواتف المحمولة، هي التي عادت جزئيا بعد انقطاع دام أيام.

وألقت إيران بالمسؤولية في الاحتجاجات على ”بلطجية“ لهم صلة بمنفيين وأعداء في الخارج، في إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية. وقالت وكالة فارس دون الخوض في تفاصيل ”المواطنون المعتقلون ممن يحملون أيضا الجنسيات الألمانية والتركية والأفغانية تلقوا تدريبا وتمويلا من أجهزة مخابرات أجنبية... لإثارة العصيان المدني في إيران... كانت بحوزتهم معدات تستخدم في التخريب“. ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن المتحدث باسم الحكومة علي ربيعي قوله إنه تم إحباط مؤامرة لتفجير منشآت رئيسية لإنتاج الغاز في عسلوية على الخليج، وألقى بالمسؤولية في ذلك على ”مخربين“.

وانتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قطع إيران لخدمة الإنترنت. وقال على تويتر ”إيران أصبحت مضطربة لدرجة أن النظام أغلق الإنترنت بالكامل حتى لا يتمكن الشعب الإيراني العظيم من الحديث عن العنف المروع الذي يحدث في البلاد“. وأضاف ”يريدون انعداما تاما للشفافية ويعتقدون أن العالم لن يكتشف الموت والمأساة التي يسببها النظام الإيراني“. وقال صندوق النقد الدولي إنه يأسف على العنف وفقدان الأرواح خلال الاحتجاجات وإنه لم يناقش رفع أسعار البنزين مع إيران. بحسب رويترز.

وأضافت كاميلا أندرسن المتحدثة باسم الصندوق ”يواصل صندوق النقد الدولي بشكل عام تقديم المشورة للدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط ووسط آسيا لخفض دعم الوقود مع تعويض الفقراء بدعم نقدي .. وهو ما نعلم أنه النهج الذي اتخذته إيران“. وتأتي هذه الاضطرابات فيما تمر إيران، البلد النفطي والعضو في منظمة أوبك، بانكماش اقتصادي خطير عززه الانسحاب الأحادي الجانب للولايات المتحدة عام 2018 من الاتفاق الدولي حول النووي الإيراني وإعادتها فرض عقوبات مشددة على طهران. وعلى الرغم من أن الحكومة رفعت سعر البنزين إلى 15 ألف ريال (0.13 دولار) للتر من عشرة آلاف ريال وحددت حصصا لصرفه، وستبلغ تكلفة المشتريات الإضافية 30 ألف ريال للتر، فإن سعر الوقود في إيران لا يزال من بين الأرخص في العالم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

11