يبدو ان العراق أصبح ساحة للمواجهة بين إيران الولايات المتحدة وباقي الحلفاء، خصوصا بعد تصاعد الخلافات والتوترات بين واشنطن وطهران بسبب تضارب المصالح، فبعد عقود من نزاعات متتالية وكما نقلت بعض المصادر، يجد العراق نفسه مجدداً محور "شد حبال" بين الولايات المتحدة وإيران اللتين صعدتا خطابهما أخيراً بشكل غير مسبوق، الأمر الذي يصب في مصلحة أطراف أخرى قد تدفع في اتجاه إشعال فتيل حربٍ بالوكالة، بحسب محللين. وقد عزّز التحشيد العسكري الأمريكي في الخليج التكهنات باحتمال اندلاع نزاع في المنطقة، لا سيما أنه جاء بعد عام من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، وترافق مع إدراج الحرس الثوري الإيراني على اللائحة السوداء الأمريكية "للمنظمات الإرهابية".

يضاف الى ذلك الهجمات المجهولة التي حدثت ضد بعض الاهداف ومنها مقرات الحشد الشعبي داخل العراق، والتي تتهم اسرائيل بها وهو ما قد يؤدي الى دفع بعض الجهات الى اعتماد اساليب رد مختلفه لضرب المصالح الامريكية في العراق الذي يعاني الكثير من المشكلات والازمات منذ عام 2003 ، بسبب الخلافات السياسية المتواصله وتضارب المصالح بين الاحزاب والكتل المشاركة في الحكومة.

ولعل دخول إسرائيل بشكل مباشر في هذا الصراع ربما سيخلق ازمات ومشكلات كبيرة كما يقول بعض المراقبين، الذين اكدوا ان تحركاتها الاخيرة ضد معسكرات الحشد جاءت بمباركة امريكية من اجل استفزاز بعض الفصائل الامر الذي سيعطي واشنطن مبرر لاستخدام القوة تحت مسميات واهداف جديدة. وقد لمح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى احتمال ضلوع إسرائيل في هجمات ضد أهداف مرتبطة بإيران في العراق. ووقعت في الأسابيع القليلة الماضية سلسلة انفجارات في مستودعات أسلحة وقواعد تابعة للحشد الشعبيي.

وفي مقابلة مع تلفزيون القناة التاسعة الإسرائيلية الناطق بالروسية سُئل نتنياهو عما إذا كانت إسرائيل ستضرب أهدافا إيرانية في العراق إذا لزم الأمر فقال ”نعمل، ليس فقط إذا لزم الأمر، وإنما نعمل في مناطق كثيرة ضد دولة تريد إبادتنا. بالطبع أطلقت يد قوات الأمن وأصدرت توجيهاتي لها بفعل أي شيء ضروري لإحباط خطط إيران“. ولم يذكر نتنياهو العراق بالاسم كأحد هذه المناطق.

وتقول إسرائيل إنها نفذت مئات الضربات في سوريا، أصاب بعضها أهدافا إيرانية، لمنع طهران من ترسيخ وجود عسكري لها هناك ولمنع وصول الأسلحة المتطورة إلى وكلائها في المنطقة. وأشار مسؤولون إسرائيليون في الآونة الأخيرة إلى أنهم يعتبرون أن العراق بات تهديدا أكثر مما كان عليه في السنوات القليلة الماضية، لكن لم يعلقوا بشكل مباشر على الانفجارات الأخيرة في مواقع الحشد الشعبي بالعراق.

وحملت هيئة الحشد الشعبي، الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية الانفجارات في مخازن أسلحة وقواعد تابعة لها. وجاء في بيان للهيئة أن الولايات المتحدة سمحت لأربع طائرات إسرائيلية مسيرة بدخول المنطقة مع قوات أمريكية وتنفيذ مهام على أراض عراقية. ونفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) المشاركة في هذه الضربات. ورفض التحالف بقيادة الولايات المتحدة في العراق هذا البيان.

قصفت اسرائيلي

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن اسرائيل شنت ضربة واحدة على الأقل على مستودع للأسلحة في العراق. ونقلت الصحيفة عن مسؤول كبير في الاستخبارات في الشرق الأوسط أن اسرائيل قصفت قاعدة تقع في شمال بغداد في تموز/يوليو الماضي، بينما قال مسؤولان أميركيان أن الدولة العبرية شنت عدة ضربات في العراق في الأيام الماضية الأخيرة. وتعرضت أربع قواعد يستخدمها الحشد الشعبي إلى انفجارات غامضة خلال تموز/يوليو الماضي.

وقصفت اسرائيل مرات عدة أهدافا إيرانية في سوريا. لكن توسيع هذه الحملة لتشمل العراق -- حيث دمرت اسرائيل في 1981 مفاعل تموز النووي في 1981 --، يمكن أن يضر بالعلاقات بين واشنطن وبغداد. وكان نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس المدرج على اللائحة السوداء للولايات المتحدة بسبب عدائه العنيف للوجود الأميركي، اتهم القوات الأميركية بأنها "المسؤول الأول والأخير" عن الهجمات التي جرت "عن طريق عملاء أو بعمليات نوعية بطائرات حديثة".

واتهم المهندس الأميركيين "بإدخال أربع طائرات مسيرة إسرائيلية" الى العراق ل"تنفيذ طلعات جوية تستهدف مقرات عسكرية عراقية"، مهددا بأن يتعامل الحشد الشعبي مع أي طائرات أجنبية تحلق فوق مواقعه بدون علم الحكومة العراقية، على أنها "طائرات معادية". وخفف رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض مستشار الأمن الوطني لدى الحكومة العراقية، من حدة هذه الاتهامات. فمع أنه قال إن "التحقيقات الأولية" كشفت أن الحوادث كانت "بعمل خارجي مدبّر"، أكد أن "التحقيقات ستستمر للوقوف بشكل دقيق على الجهات المسؤولة من أجل اتخاذ المواقف المناسبة بحقها". بحسب فرانس برس.

ونفت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) الاتهامات. وقال متحدث باسم الوزارة "لسنا متورطين في الانفجارات التي وقعت أخيرا"، مؤكدا أن الوجود الأميركي في العراق هو لدعم جهود البلاد ضد الجهاديين. ونأى الفياض بنفسه عن توجيه أصابع الاتهام الى الولايات المتحدة، وقال إن بيان المهندس "لا يمثل الموقف الرسمي للحشد الشعبي". وأمر رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بنقل جميع مخازن الذخيرة التابعة للقوات المسلحة أو الفصائل المسلحة خارج المدن. وألغى كذلك جميع التصاريح للرحلات الخاصة للطائرات العراقية أو الأجنبية، وهو ما يعني ضرورة موافقة رئيس الوزراء مسبقا على الطلعات الجوية بما فيها التي ينفذها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لقتال تنظيم داعش.

عقوبات امريكية

قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على اثنين من زعماء الفصائل العراقية المسلحة، ومحافظين اثنين سابقين تتهمهم بانتهاك حقوق الإنسان وممارسات تنطوي على فساد. وذكرت الوزارة في بيان أن العقوبات تستهدف ريان الكلداني ووعد قدو وهما من زعماء الفصائل المسلحة، وكذلك المحافظين السابقين نوفل حمادي السلطان وأحمد الجبوري.

وقال سيجال ماندلكر وكيل الوزارة لشؤون مكافحة الإرهاب والاستخبارات المالية ”سنواصل محاسبة أي أفراد يرتبطون بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ومنها اضطهاد الأقليات الدينية، والمسؤولين الفاسدين الذين يستغلون مواقعهم لسرقة المال والاستئثار بالسلطة على حساب المواطنين“. وذكرت الوزارة أن الكلداني زعيم فصيل اللواء 50 ظهر وهو يقطع أذن معتقل مقيد في تسجيل فيديو انتشر بالعراق العام الماضي.

وأضافت أن قدو يقود فصيل اللواء 30 الضالع في عمليات ابتزاز واحتجاز وخطف. وقالت الوزارة إن السلطان والجبوري شاركا في ممارسات فساد ومنها اختلاس أصول مملوكة للدولة وجرائم أخرى. وكان العراق قد أصدر في العام الماضي مذكرة اعتقال بحق السلطان محافظ نينوى السابق في تهم فساد بعد غرق 90 شخصا على الأقل في حادث عبارة بمدينة الموصل عاصمة المحافظة.

وفي وقت تزايدت فيه حدة التوتر بين واشنطن وطهران أبلغ وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو زعماء العراق خلال زيارة مفاجئة لبغداد في مايو أيار أنه في حالة عدم تمكنهم من كبح جماح الفصائل المدعومة من إيران فإن الولايات المتحدة سترد بقوة. وتملك تلك الفصائل، التي ساعدت العراق وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة على هزيمة تنظيم داعش نفوذا كبيرا في السياسة العراقية.

هجمات صاروخية

الى جانب ذلك تعرضت مواقع عسكرية ونفطية في العراق يتواجد فيها أميركيون في وقت سابق الى خمس هجمات صاروخية في مواقع متفرقة في البلاد كما أعلن مسؤولون وذلك في ظل استمرار التوتر في المنطقة بين واشنطن وطهران، الحليفان الرئيسيان لبغداد. ولم تتبن أي جهة مسؤولية إطلاق الصواريخ، لكن العراق اعرب في مناسبات عدة عن خشيته من أن ينعكس التوتر بين طهران وواشنطن على أراضيه. وقال مراقبون إنه على الرغم من عدم إعلان أي جهة مسؤولتيها عن هذه الهجمات، لكن الصاروخ انطلق من منطقة شيعية تقع الى الشمال من بغداد، بالتالي يستبعد أن تكون هجمات جهادية، ما يوجه الانظار تجاه الجماعات المقربة من إيران.

وبعد وقوع هذه الهجمات المتكررة، أصدر رئيس الوزراء عادل عبد المهدي "تعليمات مشددة الى كافة القيادات العسكرية لملاحقة هذه الاعمال والكشف عنها والقيام بكل الاجراءات القانونية لايقافها وتقديم المسؤولين عنها للمحاسبة". وأضاف "مثل هكذا أعمال تربك الوضع السياسي وتعطي صورة غير حقيقية وغير جيدة عن الاوضاع الأمنية". ولم يعلق المسؤولون الإيرانيون على الهجوم لكنهم نفوا بقوة كل المزاعم التي تشير إلى ضلوعهم في مهاجمة ناقلات ومنشآت الطاقة في المنطقة.

ورغم أن العدوين القديمين يقولان إنهما لا يريدان حربا إلا أن الولايات المتحدة عززت وجودها العسكري في المنطقة، ويقول محللون أمنيون إن العنف قد يتصاعد. ويقول بعض المسؤولين الغربيين إن الهجمات الأخيرة تستهدف فيما يبدو إظهار أن إيران يمكن أن تنشر الفوضى إذا أرادت. ويخشى مسؤولون عراقيون أن تصبح بلادهم ساحة لأي تصاعد في العنف. ويوجد في العراق فصائل شيعية مدعومة من إيران تنشط في مناطق بالقرب من نحو 5200 جندي أمريكي. بحسب رويترز.

كما سقط صاروخ قرب السفارة الأمريكية في بغداد في وقت سابق ايضا ولم يلحق أضرارا أو يسقط قتلى أو جرحى. وأجلت الولايات المتحدة بالفعل المئات من موظفيها الدبلوماسيين من سفارتها بسبب تهديدات غير محددة من إيران للمصالح الأمريكية في العراق. ويقول مسؤولون عراقيون إن التهديدات من إيران التي استشهدت بها واشنطن عندما أرسلت قوات إضافية إلى الشرق الأوسط تتضمن نشر فصائل مدعومة من إيران لصواريخ قرب القوات الأمريكية. وسقطت صواريخ على ثلاث قواعد عسكرية منفصلة أو قربها تضم قوات أمريكية قرب بغداد وفي مدينة الموصل في ثلاثة هجمات منفصلة ايضا.

من جانب اخر فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركة عراقية واثنين من المتعاملين معها، وقالت إنها ساعدت فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني على تفادي العقوبات عن طريق تهريب أسلحة بقيمة مئات الملايين من الدولارات. وقال وزير الخزانة ستيفن منوتشين في بيان ”الخزانة تتحرك لإغلاق شبكات تهريب الأسلحة الإيرانية التي تستخدم لتسليح وكلاء إقليميين لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني في العراق، بينما تثري بشكل شخصي الأفراد المقربين من النظام“.

وذكر البيان أن العقوبات استهدفت شركة (ساوث ويلث ريسورسيز) التي تتخذ من بغداد مقرا لها. وأضاف أن العقوبات استهدفت أيضا اثنين من المتعاملين معها ساعدا في تسهيل شحنات الأسلحة وعمليات الشركة المالية. وقال مسؤولون أمريكيون إن عمليات الشركة عادت بالنفع أيضا على أبو مهدي المهندس، وهو مستشار عراقي لقائد فيلق القدس قاسم سليماني سبق وفرضت عليه عقوبات. وكانت واشنطن قد فرضت عقوبات من قبل على الحرس الثوري الإيراني في أبريل نيسان وصنفته منظمة إرهابية في خطوة هي الأولى من نوعها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2