مع استمرار الاحتجاجات في هونغ كونغ التي تشهد وبحسب بعض المصادر أسوأ ازمة سياسية منذ عودتها إلى الصين قبل نحو 22 عاما، تتزايد المخاوف من تفاقم هذه الازمة بسبب التدخلات الخارجية في هونغ كونغ، التي تعد اليوم ثالث أكبر مركز مالي في العالم (بعد لندن ونيويورك)، والأول، في آسيا. واندلعت الاحتجاجات في الأسبوع الأول من يونيو/حزيران الماضي بعد اقتراح الرئيسة التنفيذية لهونغ كونغ كاري لام مشروع قانون يسمح بترحيل المطلوبين أمنيا للبر الصيني. ورغم أن الحكومة المحلية اضطرت في غضون أسبوع لتعليق المشروع، فإن المحتجين الغاضبين استمروا في الضغط سعيا لإجبار السلطات على إلغائه نهائيا، وضمان استقلال القضاء، فضلا عن المطالبة باستقالة الرئيسة التنفيذية للجزيرة المتمتعة بحكم ذاتي واسع، والخاضعة في نفس الوقت لسيادة الصين.

وفيما يخص اخر المستجدات فقد عبرت بكين عن غضبها الشديد بعد الاحتجاجات العنيفة المناهضة للحكومة المحلية في مطار هونغ كونغ، ونددت بما اعتبرته عنفا ضد شرطة هونغ كونغ، ودعت إلى إنزال أشد العقوبات بحق الضالعين فيه من المتظاهرين، وقالت إن قمع من وصفته بالغوغاء، ووقف الفوضى، واستعادة النظام العام، تشكل المهمة الأكثر إلحاحا حاليا.

من جانبه قال الرئيس الأميركي إن استخبارات بلاده أفادت بأن الحكومة الصينية تقوم بتحريك قوات إلى الحدود مع هونغ كونغ. وأضاف ترامب -في تغريدة على تويتر- أنه ينبغي أن يتحلى الجميع بالهدوء وأن يكونوا آمنين، كما وصف الأوضاع في تلك الجزيرة بالصعبة للغاية. وأعرب ترامب عن أمله في أن تحل الأزمة سلميا، وأن تحل لصالح الحرية ولصالح الجميع بما فيها الصين، حسب تعبيره. وكانت الصين احتجت في وقت سابقة على اتصالات بين واشنطن ومن وصفتهم بالانفصاليين بهونغ كونغ، ودعت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى عدم التدخل في الأزمة.

ودعت بريطانيا -الضامن للاتفاق الذي نقل هونغ كونغ إلى الصين عام 1997- إلى الحوار، ونددت بالعنف. كما دعا الاتحاد الأوروبي جميع الأطراف المنخرطة في المواجهات للتحلي بضبط النفس، وتهدئة الوضع بشكل عاجل. من جهتها، حثت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت سلطات هونغ كونغ على ضبط النفس والتحقيق في الاستخدام المفرط للقوة من جانب قوات الأمن ضد المتظاهرين. ورغم أن هونغ كونغ عادت للحكم الصيني عام 1997، فإن لديها نظاما تشريعيا منفصلا حتى عام 2047 تحت مبدأ "دولة واحدة ونظامان".

سلوك ارهابي

وفي هذا الشأن دان الناطق باسم مكتب شؤون هونغ كونغ وماكاو في مجلس الدولة الصيني بشدة "المحتجين" الذين رموا قنابل حارقة على رجال الشرطة في هونغ كونغ. وقال الناطق يانغ غوانغ إن المحتجين "المتطرفين" الذين دأبوا على مهاجمة رجال الشرطة في الأيام الماضية قد ارتكبوا جرائم خطيرة وبدأوا بإظهار "سلوك إرهابي".

وقال الناطق باسم المكتب إن عددا صغيرا من المشاغبين رموا رجال الشرطة بقنابل حارقة في مراكز شرطة مناطق تشيونغ شا وان وتسيم شا تسوي ووان تشاي في هونغ كونغ ليلة الأحد مما تسبب باصابة أحد رجال الشرطة بحروق. وقال "نعرب عن شديد سخطنا واستنكارنا لهذه الجريمة المشبوهة والخطيرة والرعناء". ومضى يانغ إلى القول "إن محتجين "متطرفين" هاجموا في الأيام الأخيرة بشكل متكرر رجال الشرطة باستخدام أدوات خطرة للغاية، وهو أمر ينتهك بشكل وحشي سيادة القانون والنظام الاجتماعي في هونغ كونغ ويمثل تهديدا خطيرا لحياة مواطني هونغ كونغ وتهديدا لاستقرار ورخاء هونغ كونغ".

وأضاف أنه "ينبغي التصدي بشدة لهذه الجرائم بموجب القانون وبدون رحمة، وأن مكتب شؤون هونغ كونغ وماكاو يدعم بقوة شرطة هونغ كونغ في سعيها لفرض سلطة القانون واحالة المجرمين للقضاء في أقرب وقت". ووصف يانغ شرطة هونغ كونغ بأنها "العمود الفقري في الحفاظ على الأمن الاجتماعي وحكم القانون" في المستعمرة البريطانية السابقة. وقال "إن هونغ كونغ تقف على تقاطع فاصل"، مضيفا أن على كل الذين يهتمون بمستقبل هونغ كونغ أن يقفوا بقوة من أجل إيقاف العنف واعادة النظام.

وقال عدد من الخبراء القانونيين في هونغ كونغ إن توصيف تصرفات بعض المحتجين بأنها شكل من أشكال الإرهاب "قد يؤدي إلى تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب بحقهم". وذكرت صحيفة غلوبال تايمز المقربة من الحكومة الصينية أن قوات من الشرطة الشعبية الصينية تجمعت في مدينة شينزين الصينية التي تبعد بمسافة 50 كم عن هونغ كونغ لاجراء تمارين. وسبق لبكين أن قالت إن "مجرمين ومشاغبين" يحرضون على العنف، ولكن استخدامها لتعبير "الإرهاب" يعد أشد تحذير تصدره إلى الآن. يذكر أن الصين قد استخدمت محاربة الإرهاب كذريعة لتطبيق اجراءات قاسية في إقليمي شينجيانغ والتبت.

وجاء في بيان تلته هوا تشونيينغ الناطقة باسم وزارة الخارجية الصينية "أن هونغ كونغ صينية، وشؤون هونغ كونغ جزء من الشأن الصيني الداخلي". وكان مطار هونغ كونغ الدولي أعلن عن الغاء كل الرحلات الجوية المقلعة والقادمة، ملقيا باللائمة على "المحتجين" الذين غزوا قاعات المطار واحتلوها. ويذكر أن مطار هونغ كونغ الدولي هو أكثر مطارات العالم نشاطا من ناحية نقل البضائع، والثامن عالميا من ناحية عدد المسافرين، حسب ما يقول مجلس المطارات الدولي.

مقترح امريكي

اقترح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عقد "لقاء شخصي" مع الرئيس الصيني، شي جينبينغ، لمناقشة الأزمة السياسية التي تغمر هونغ كونغ. وقال ترامب في تغريدة إنه "لا شك" لديه في أن شي يستطيع "حل مشكلة هونغ كونغ بطريقة إنسانية". وربط ترامب بين الاحتجاجات والاتفاق التجاري مع بكين، مع استمرار التوتر التجاري بين البلدين. وقال: "تريد الصين بالطبع عقد اتفاق. فليعملوا إذن مع هونغ كونغ بإنسانية أولا". وتأتي تعليقات ترامب في أعقاب أسابيع من احتجاجات عاصفة مؤيدة للديمقراطية، أدت إلى اندلاعها معارضة مشروع قانون لترحيل المجرمين إلى الصين.

ويخشى منتقدون من أن تفضي معارضة مشروع القانون بهونغ كونغ إلى الوقوع تحت سيطرة الصين. وقد علق مشروع القانون، لكن الاحتجاجات تطورت إلى حركة واسعة النطاق موالية للديمقراطية. وهونغ كونغ جزء من الصين يعامل بناء على النموذج الذي يعرف بـ"بلد واحد ونظامين"، والذي يمنحها قدرا كبيرا من الحكم الذاتي. ولهونغ كونغ نظامها القانوني والقضائي الخاص بها، كما أنها تتمتع ببعض الحريات، التي لا توجد في بقية أنحاء الصين. وتعد هونغ كونغ وماكاو الأراضي الوحيدة في الصين، التي يستطيع الناس فيها عقد وقفات احتجاجية لتذكر حوادث ميدان تيانانمين.

تصاعد التوتر في الأيام الأخيرة بين المتظاهرين والشرطة، مع تحذير زعيمة هونغ كونغ، كاري لام، من أن المدينة "تندفع إلى الهاوية". وأطلق أفراد الشرطة المسلحون بالدروع قنابل الغاز المسيلة للدموع لتفريق مئات المتظاهرين، الذين احتشدوا في ضواحي حي شام شوي بو، حيث كانت مؤشرات الليزر اللامعة تضيء مركز الشرطة. وبرز دور مؤشرات الليزر خلال الاحتجاجات بعد القبض على طالب لامتلاكه مؤشرات ليزر، وصفتها الشرطة بأنها "أسلحة عدوانية" قد تسبب جروحا خطيرة للعيون. ومنذ ذلك اليوم بدأ المتظاهرون يستخدمون الليزر كطريقة للسخرية من ذلك الادعاء.

وجاء إطلاق قنابل الغاز المسلة للدموع بعد يوم واحد من تحول الاحتجاجات في مطار هونغ كونغ الدولي إلى عنف. وتدفق آلاف المحتجين على مباني المطار، وشكلوا من عربات الحقائب حواجز تمنع الشرطة عنهم. وبدأ التجمع سلميا باعتصام في المطار، لكن الوضع تدهور بعد استخدام ضباط شرطة رذاذ الفلفل في مواجهة بعض المحتجين، وهم يحاولون إجلاء رجل مصاب.

وقالت شرطة هونغ كونغ إن حياة الضابط كانت "معرضة للخطر"، وأصرت في روايتها على أنه سحب بندقيته فقط "كإجراء طارئ عند الضرورة". وقد حشره المحتجون في زاوية بعد أن سحبوا هراوته من يديه في اشتباك عنيف. وبعد وقوعه على الأرض سحبه زملاؤه في نهاية المطاف إلى مكان آمن.

ويخشى نشطاء من أن يؤدي استمرار الاضطرابات التي ضربت البنى التحتية في هونغ كونغ، دون أن يلوح حل في الأفق، إلى التدخل المباشر للجيش الصيني، لكن محللين يستبعدون حدوث هذا. وكان مستشار ترامب للأمن القومي، جون بولتون، قد حذر الصين بأن تتعامل "بعناية" مع ما يحدث في هونغ كونغ، "لأن الناس في أمريكا لا يزالون يتذكرون أحدث ميدان تيانانمين". وأشار إلى أن تكرار الحملة العسكرية التي حدثت في عام 1989 لقمع احتجاجات قادها طلاب في الصين سيكون "خطأ كبيرا"، بحسب ما قاله لصوت أمريكا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0