رغم مرور ثلاث سنوات على طرد تنظيم داعش الإرهابي لا تزال مدينة سنجار شمالي العراق تعاني من مخلفات الحرب التي شردت الأهالي وجعلت من مأساة الايزيديين قضية عالمية. المتاجر مدمرة والبيوت خالية من أهلها، واغلبها تحولت الى ركام.

هذا الواقع لم يتغير حتى الان، واليوم لم يرجع إلا ثلث السكان وجميعهم يزيدون، ويقول المجلس النرويجي للاجئين إن أفراد الجاليات الأخرى لم يرجعوا بسبب غياب المصالحة، اما الايزديون الذين قُتل ثلاثة آلاف منهم في مذبحة وصفتها الأمم المتحدة بأنها إبادة جماعية فإنهم يتهمون سكانا محليين بمساعدة داعش لابادتهم.

في سنجار يبدو وكأن الوقت قد توقف، حيث لا أثر لأعمال إعادة إعمار المدينة المدمرة، مر عامان فقط على تحرير كامل مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، من إرهاب "داعش"، لكن هناك على بعد 120 كيلومتراً فقط، إلى الغرب من سنجار بدأت عملية إعادة الإعمار منذ فترة طويلة، لكن في سنجار، التي تم تحريرها منذ ما يقارب ثلاث سنوات، لم يحدث الكثير منذ عمليات إزالة الأنقاض من الشوارع. بحسب تقرير لموقع (DW) الألمانية.

وتعرضت العديد من القرى القريبة من المدينة للتدمير وهجرها سكانها، مثل قرية حردان، حيث يوجد على جانب الطريق المؤدي لها، أربعة قبور جماعية يحيط بها سياج مؤقت، في الماضي يعتقد بأنه كانت تعيش 300 عائلة في القرية واليوم لا يوجد سوى 60 أسرة، كما يقول الشيخ حسن خلف، الذي فقد ولدين و أخ وأربعة من أبناء أخيه ولا يعلم إن كانوا قد دفنوا في المقابر الجماعية.

لا توجد خطة

ويوضح المتحدث باسم المجلس النروجي للاجئين في العراق توم بير-كوستا إلى أن التوترات بين المكونات هي السبب الرئيس لعدم عودة السكان حتى الآن، ثم تأتي مسألة المنازل المهدمة وغياب الخدمات العامة.

ورغم أن الأنقاض لا تزال تغطي المدينة المقفرة حتى اليوم، "فنحن نرى خططا لإعادة الإعمار والتأهيل، لكننا لا نرى خططا حقيقية للمصالحة"، وفق ما يؤكد كوستا لفرانس برس.

ويضيف أنه "ما دام أن التعايش لم يعد ممكنا بسبب التوترات بين المكونات المحلية، ينبغي أن تكون المصالحة أولوية (...) نحن في حاجة إلى حوار بين تلك المكونات وإلى محاكمات عادلة وشفافة تضمن الحكومة أن يساق إليها كل مرتكبي الجرائم".

وبحسب مصادر قضائية عراقية، حكمت محاكم العراق على المئات من الأشخاص بتهمة الانتماء إلى تنظيم داعش، بينهم أكثر من 300 بالإعدام، ولكن في المحافظات التي كانت خاضعة لسيطرة الارهابيين على مدى ثلاث سنوات، لا يزال البعض يتهم أقرباءه أو أشخاصا يعرفهم، بالانتماء إلى التنظيم المتطرف.

أما بين الأيزيديين الذين لا يزال نحو ثلاثة آلاف منهم في عداد المفقودين، بينهم نساء ربما لا يزلن في قبضة تنظيم داعش الذي اتخذهن سبايا استعباد جنسي، هؤلاء يحتجن وقتا طويلا ليقتنعن بالتعايش الذي كان سائدا قبل دخول الارهابيين.

عودة متاخرة

أعلن أكراد سوريا التوصل إلى اتفاق مع الحكومة العراقية، لإعادة نحو 31 ألف عراقي من مخيمات شمال شرق سوريا، إلى بلدهم، مؤكدين أن بينهم عوائل من عناصر "داعش".

وبحسب تقرير لموقع روسيا اليوم نشر يوم (11 نيسان 2019) أوضح المسؤول عن مخيمات النازحين في شمال شرق سوريا، محمود كرو، أن "وفدا من مجلس الوزراء العراقي، زار الإدارة الذاتية لبحث عودة اللاجئين العراقيين إلى بلدهم، وجرى الاتفاق على عودتهم".

وقال كرو: "فتحنا باب التسجيل.. ولحد الآن سجلت أسماء أربعة آلاف شخص.. ننتظر أن تفتح الحكومة العراقية الحدود لنبدأ بتسيير الرحلات".

وتضم المخيمات التي يديرها الأكراد في شمال شرق سوريا وأبرزها مخيم "الهول"، آلاف العائلات العراقية، التي خرجت من مناطق سيطرة التنظيم قبل إعلان الأكراد القضاء على "التنظيم" عقب سيطرته في سوريا والعراق عام 2014.

وتواجه الإدارة الذاتية، وفق كرو، مشكلة عدم حيازة "الكثير من العراقيين أوراقا ثبوتية وهويات شخصية، عدا عن وجود أطفال ولدوا في سوريا"، مطالبا بغداد بالعمل على إعادة "جميع العراقيين وأن لا يتم ذلك بشكل انتقائي، وكذلك "محاكمة المتهمين بالانضمام إلى داعش على الأراضي العراقية".

متابعة حكومية

من جهته، أكد أحد مسؤولي وزارة الهجرة والمهجرين في العراق، علي عباس، أن الوزارة تتولى متابعة ملف النازحين العراقيين في سوريا، وأنها قريبة من إنهاء جميع الاستعدادات لاستقبال هذه العوائل في مخيم يشيد قرب سنجار في شمال غرب العراق، ومن المتوقع أن يكتمل خلال مهلة شهرين.

وقال: "تعتزم الحكومة العراقية، إخضاع العائلات لتدقيق أمني مع وجود مؤشرات بأن قسما منها من عوائل الدواعش، وهذا الأمر مشخص من قبل التحالف الدولي، وبالتالي لن يكون من السهل تركهم يندمجون في المجتمع لأن هناك التزامات قانونية ستفرض عليهم وعلى ذويهم".

وأضاف أنهم "سيخضعون لبرنامج ثقافي وديني بعدما تعرضوا لغسل أدمغة"، في عملية قد تتطلب "سنوات"، وتكتظ مخيمات شمال شرق سوريا بالنازحين غير السوريين وبينهم آلاف الأجانب من نساء وأطفال عناصر التنظيم الارهابي.

اكتشاف الموتى

وكشفت عضو مفوضية حقوق الإنسان في العراق، فاتن الحلفي، منتصف شهر اذار مارس الماضي، عن وجود 76 مقبرة جماعية في قضاء سنجار شمالي العراق، حيث موطن الإيزيديين.

وقالت الحلفي في بيان صحفي: "لغاية هذا اليوم نبش قبر واحد، وبدأت تظهر آثار رفات الشهداء وينتظر نبش البقية خلال ثلاثة أيام".

وأضافت أن "مجموع المقابر الجماعية في سنجار بلغ 76 مقبرة بعد اكتشاف تسعة مقابر في الفترة الأخيرة"، والتي تحوي رفات الضحايا الإيزيديين الذين قضوا على يد تنظيم "داعش".

وأشارت فاتن إلى أنه "وبحسب إفادة الشاهد الوحيد الناجي، من المفترض أن توجد في المقبرة رقم واحد 15 ضحية لمواطنين عزل قتلتهم العصابات الإرهابية بدم بارد".

عودة الاسرى

وفي منتصف نيسان الجاري أعادت الإدارة الذاتية الكردية في شمال سوريا 25 إمرأة وطفلاً أيزيدياً جرى تحريرهم مؤخراً من قبضة تنظيم داعش إلى منطقة سنجار، وفق ما أعلن مسؤول محلي.

وحررت قوات سوريا الديموقراطية، وفق مؤسسة "البيت الأيزيدي"، التابعة للإدارة الذاتية الكردية، 300 شخص من نساء وأطفال أيزيديين خلال الحملة الأخيرة التي طردت خلالها تنظيم داعش من آخر جيب سيطر عليه في بلدة الباغوز في شرق سوريا.

وعلى هامش مؤتمر صحافي في قرية قزلاجوخ في ريف الحسكة الشمالي، قال مسؤول "البيت الأيزيدي" زياد رستم "اليوم نسلم 25 شخصاً هم عشر نساء و15 طفلاً الى مجلس الايزيديين في شنكال (سنجار)"، موضحاً أنه "سيتم ارسالهم إلى ذويهم". بحسب تقرير لفرانس برس.

وفي مقر مؤسسة "البيت الأيزيدي" ، شوهدت نساء ارتدينّ عباءات ملونة وأطفال يلعبون من حولهن، قبل أن يصعدوا على متن حافلات تقلهم إلى منطقة سنجار في العراق، حيث تعيش الأقلية الأيزيدية.

وقالت إحدى الشابات جميلة حيدر (17 عاماً) "لا يزال مصير شقيقاتي الثلاث مجهولاً ولا أعلم عنهنّ شيئاً"، مضيفة "أتمنى أن يلتم شملنا قريباً".

صراعات على جراحات السكان المحليين

ومنذ اجتياح داعش لقضاء سنجار تحولت المنطقة الى ساحة صراع دخل من خلالها عناصر حزب العمال الكردستاني البالغ عددهم أكثر من ألف مقاتل في سنجار وضواحيها، وتغاضت بغداد عن نزول مسلحي الحزب من جبال قنديل العراقية معقله التقليدي بالمثلث العراقي التركي الإيراني تحت ذريعة قتال التنظيم، إلا أنه ورغم تحرير سنجار عام 2015 ما زال الحزب يتواجد في المدينة ومناطق أخرى وشيد مقرات وثكنات عسكرية له، دفعت أنقرة لاستهدافها أكثر من مرة خلال الفترة الماضية عبر طلعات جوية تسببت بقتل عدد من مسلحي الحزب.

وبحسب تقرير لصحيفة العربي الجديد نشر في الخامس والعشرين من شهر اذار الماضي، فإن البرلمان تجاهل توصيات اللجنة بشأن وجود حزب "العمال الكردستاني" في سنجار، ونقل التقرير عن عضو لجة تقصي الحقائق أسامة النجيفي فان مجلس النواب قام باختيار عدد من فقرات تقرير اللجنة والتصويت عليها بشكل منفرد.

وبين خلال تصريح صحافي أن من بين التوصيات التي لم يصوت عليها مجلس النواب تلك المتعلقة بإخراج حزب "العمال الكردستاني" من العراق.

تسويف حكومي

ولا يقتصر التسويف في قضية "العمال الكردستاني" على البرلمان، إذ تتهرب الحكومة العراقية هي الأخرى من مسألة الخروج بموقف حاسم من بقاء أو إخراج "العمال الكردستاني"، واكتفت الجهات المرتبطة بالحكومة بالمواقف والتصريحات القابلة للتأويل.

وجاء بيان خلية الإعلام المرتبطة بالحكومة العراقية ليثبت أن بغداد غير جادة في مسألة إخراج "العمال الكردستاني" على الأقل في الوقت الحاضر، إذ تحدث عن أن الوضع الأمني في سنجار تحت السيطرة من خلال تعاون المواطنين، والقوات المحلية في البلدة، دون أن توضح طبيعة "القوات المحلية" لأن مقاتلي حزب "العمال الكردستاني" يعتبرون أنفسهم قوة محلية تدافع عن الكرد الايزيديين في سنجار.

كما وجهت خلية الإعلام الحكومي انتقادات لقائم مقام سنجار محما خليل الذي قالت إنه أدلى بتصريحات سابقة نقلت وصفا غير دقيق لما يحدث في البلدة.

وكان خليل قد أكد في وقت سابق أن سنجار لن تنعم بالأمن والاستقرار في ظل وجود "الحشد الشعبي"، وحزب "العمال الكردستاني" فيها، موضحا أن مقاتلي "العمال الكردستاني" يتنقلون يوميا عبر الحدود بين العراق وسورية.

وما بين غياب الاعمار وانشغال القوى السياسية في بغداد بصراعاتها الداخلية تبقى المناطق المحررة من داعش بعيدة عن تحقيق طموحاتها بإعادة الاعمار والسلم المجتمعي، فالخراب الذي تعرضت له المناطق تلك، يتجاوز تهديم البيوت الى احداث شروخ اجتماعية بحاجة الى جهود حكومية ومؤسساتية كبيرة، وهذه الجهود غير موجود حتى الان، ما يعني ان مدينة سنجار والمدن المحررة الأخرى سوف تبقى تعاني خلال الفترة المقبلة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2