لم تخلو الاحتجاجات الشعبية التي اتسمت بمشاركة واسعة من قبل فئات الشعب المختلفة ضد نظام ما يوما من اعمال عنف تطال الناشطين من قبل السلطات القمعية، وما شهده العالم العربي من تظاهرات مليونية التي عرفت بالربيع العربي في عدد من دول المنطقة ما هو الا ترجمة لدكتاتورية الانظمة الحاكمة والرفض القاطع للاصطلاحات الاقتصادية والسياسية التي تنادي بها الشعوب.

وباتت التظاهرات التي تقابل بالعنف المفرط من جهة قوات الامن يقابلها اصرار منقطع النظير من جميع الشرائح والفئات العمرية فتجد المرأة تتصدر المشهد ومن ثم تشاهد اصطحاب الاباء ابنائهم في بعض الاحيان مما يرفع من مقياس التحدي ويكسر حاجز الخوف الذي جثم على صدورهم لعقود.

وهذا مما يؤشر ان الاحتجاجات لن تطفئ شرارتها الا بتحقيق المطالب وما عرضته وسائل الاعلام المختلفة من استخدام السلطات الحاكمة لوسائل ضغط متعددة من الضرب وخراطيم المياه واعتقال البعض لتفريق المتظاهرين، ساهمت بشكل كبير على تأجيجها وانضمام اعداد اضافية للحراك الجماهيري وزادت من زخمها.

ربيع متأخر

ويرى المحللون ان القوات المسلحة التي أطاحت بالرئيس في كل من الجزائر والسودان بعد احتجاجات شعبية تنفذ سيناريو سبق أن خذل ملايين العرب منذ تفجر انتفاضات 2011، كانت انتفاضات ”الربيع العربي“ قد أثارت الآمال في تطبيق إصلاحات سياسية واقتصادية في دول مثل مصر التي ظل الجيش يتابع فيها الأوضاع من على الهامش ثم استفاد من الاضطرابات في توسيع نفوذه في الساحة السياسية، فقد أزاح قائد القوات المسلحة المصرية فعليا الرئيس حسني مبارك عندما اتضح أن قوات الأمن لم تستطع احتواء احتجاجات الشوارع اعتراضا على الرئيس الذي تولى الحكم لنحو 30 عاما، وتولى مجلس عسكري المسؤولية وأشرف على البلاد في فترة انتقالية مضطربة بلغت حد العنف في بعض الأحيان أجريت خلالها أول انتخابات ديمقراطية في مصر، حسبما ذكرته وكالة رويترز.

وبعد عامين قاد عبد الفتاح السيسي قائد الجيش عملية الإطاحة بالرئيس محمد مرسي أول رئيس منتخب في انتخابات حرة بمصر. ثم فاز السيسي في انتخابات الرئاسة عامي 2014 و2018 بنسبة تتجاوز 97 في المئة من الأصوات في المرتين، ويدرس البرلمان تعديلات دستورية يمكن أن تسمح للسيسي بالبقاء في السلطة حتى العام 2034.

ويبدو أن السودان يتبع النموذج المصري، على الأقل في الوقت الراهن، بعد الإطاحة بالرئيس عمر حسن البشير في انقلاب عسكري الأسبوع الماضي في أعقاب احتجاجات متواصلة، وكانت أعداد كبيرة قد تجمعت خارج مقر وزارة الدفاع لتطلب من الجيش المساعدة في عزل البشير، وقال رئيس المجلس العسكري الجديد في السودان عبد الفتاح البرهان عبد الرحمن يوم السبت إنه سيتم تشكيل حكومة مدنية بعد مشاورات مع المعارضة ووعد بفترة انتقالية أقصاها عامان.

وتولى البرهان رئاسة المجلس العسكري بعد استقالة وزير الدفاع عوض بن عوف، الذي أعلن وضع البشير رهن الإقامة الجبرية، من رئاسة المجلس بعد يوم واحد وذلك في مواجهة مطالب بالحكم المدني.

ورغم ذلك واصل المحتجون الضغط للمطالبة بالتغيير مثلما حدث في مصر عندما أدار البلاد المشير حسين طنطاوي وزير الدفاع المخضرم بعد سقوط مبارك.

ومن الشعارات الشائعة التي رفعها السودانيون ”إما النصر أو مصر“ في إشارة إلى اعتراضهم على اتباع هذا السيناريو. وامتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بإشارات إلى تطابق الاسم الأول للسيسي والبرهان محذرة بهذه الطريقة الفكاهية من مصير مماثل.

أما قائد الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح فقد انتهج نهجا أخف من ذلك. فقد أعلن أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (82 عاما) لم يعد قادرا على أداء مهام منصبه وذلك عندما حاول الرئيس تمديد فترة رئاسته الرابعة وأثار شبح طول أمد المظاهرات.

وفي غضون أيام أعلن البرلمان رئيسا مؤقتا جديدا من صفوف النخبة الحاكمة وأبدى الجيش تأييده لفترة انتقالية وتحدد موعد الانتخابات العامة ليوفر بذلك ما وصفه محللون بغطاء للجيش صاحب اليد الطولى منذ عهد بعيد في اختيار قادة البلاد.

وفي المستقبل يحتاج أي زعيم مدني في السودان أو الجزائر لتأييد الجيش، وهو وضع شائع في العالم العربي، وسيواجه في الوقت نفسه تحديات اقتصادية وسياسية هائلة، وقد ازدادت حدة المشاكل التي أطلقت شرارة الاحتجاجات في الشرق الأوسط عام 2011. ورحل حكام مستبدون أطاحت بهم الانتفاضات لتحل محلهم قيادات أخفقت في إيجاد فرص العمل والقضاء على الفقر والفساد.

رعب في الخليج

لم تتحرك السعودية والإمارات ردا على سقوط الرئيس السوداني عمر البشير، لكنهما تخشيان الآن انزلاق هذا البلد إلى الفوضى ما من شأنه أن يؤدي الى زعزعة الاستقرار في القرن الأفريقي والاضرار بمصالحهما.

تقول إليزابيث ديكنسون من مجموعة الازمات الدولية أنه "في السنوات الأخيرة، أصبح السودان أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية بالنسبة لدول الخليج، وسقوط البشير هو بحد ذاته لحظة محورية".

بعد أيام من الصمت، ردت السعودية وحليفتها الإمارات بحذر الأحد باسم "الاستقرار" على رحيل البشير الذي أبعده الجيش السوداني تحت ضغوط الشارع.

من جهتها، لا تزال قطر تلتزم صمتا محرجا بعد أن كانت تحظى بنفوذ في الخرطوم قبل أن يقترب البشير من الرياض.

وتمت صياغة رد فعل الرياض وأبو ظبي بعبارات اختيرت بعناية، وأكدت العاصمتان "دعم الشعب السوداني"، وعبرتا عن الامل في "انتقال سلمي" وقدمتا وعوداً غامضة بمساعدة البلاد التي تغرق في الفوضى الاقتصادية يوما بعد يوم، وفقاً لوكالة فرانس برس.

بدوره، يقول مصطفى العاني من مركز الخليج للابحاث أن "دول الخليج لا تريد انتقالا عنيفا للسلطة، ولا تريد مأساة أخرى كما حدث في ليبيا أو سوريا أو العراق، والسبيل الوحيد هو الانتقال السلمي للسلطة"، وتابع أن الرياض وأبو ظبي "توصلتا إلى استنتاج مفاده أن "التغيير أصبح حتمياً" في السودان كما في الجزائر طالما بقيت العملية تحت سيطرة الجيش.

ولدى السعودية والإمارات حساسية إزاء الاضطرابات التي لا يمكن السيطرة عليها مثل تلك التي أغرقت ليبيا في الفوضى عام 2011 وأدت إلى صعود جماعة الإخوان المسلمين، "عدوهم اللدود" في مصر، وبدرجة أقل في تونس.

ولم تتردد الدولتان في المشاركة عسكريا في اليمن المجاور عندما حادت المرحلة الانتقالية عن مسارها وسمحت للمتمردين الحوثيين، الذين يعتبرون مقربين من إيران، بالسيطرة على أجزاء كبيرة من البلاد، بما في ذلك العاصمة صنعاء.

في الحرب اليمنية، حصلتا على دعم الجيش السوداني بقرار من الرئيس المخلوع عمر البشير ضمن التحالف العسكري بقيادة السعودية الذي يتدخل في هذا البلد منذ عام 2015، خلافا لذلك، لا يبدو أن قطر التي يدور خلاف بينها وبين الرياض وأبو ظبي منذ قرابة عامين، يعجبها ما يحدث في السودان. ورغم أن لدى هذا البلد "ميول لدعم المعارضة"، كما يشير بيطار، فان قربه من نظام البشير جعله في وضع غير مريح.

ويبقى القاسم المشترك لجميع الثورات العربية التي ازاحت الانظمة الحاكمة هو الخبز والحرية والكرامة والديمقراطية، في ظل انظمة حاكمة استبدادية متسلطة، سمتها البارزة سرقة اموال الشعب والتحكم بمقدراته ناهيك عن تفشي الفساد الاداري والمالي وارتفاع البطالة بين الشباب وازدياد نسبة الفقر وهجرة الكفاءات.

في حين اثبتت التجارب ان التدخل العسكري لتغيير الانظمة الذي حصل في بعض دول المنطقة لم يعد بالنفع على شعوبها بشيء سوى الدمار الاقتصادي وتردي البنى التحتية وانهيار مؤسسات الدولة، اضافة الى ما رافقها من حروب داخلية ناهيك عن التدخل الخارجي الصارخ الى جانب صعود انظمة انتجتها المرحلة تعاني من ضعف واضح في ادارة الدولة.

اذ ما تزال هذه الدول تعاني الامرين بدأ من فقدانها لقرارها السيادي وفقد الثقة بين الانظمة الحاكمة وشعوبها، حيث لم يأتي التغيير عن الطريق العسكري الخارجي أُكُله، لا سيما ان اغلب المتنفذين غلبت عليهم سمة النفعية في كيفية ادارة امور الدولة.

ويبدو ان الشعوب اختارت طريقتها في انتزاع الحقوق، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي بالتظاهر السلمي واختيار من يمثلهم بصورة ديمقراطية وتعلمت الدرس جيدا مما حصل في دول اقتلعت الانظمة فيها عن طريق مؤثر خارجي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0