تداعيات فاجعة العبارة في الموصل لم تقتصر على المحافظ الذي صوت البرلمان على اقالته ونائبيه، بل ان الامر تعداه الى مجلس محافظة نينوى ومجالس المحافظات الاخرى جميعها، إذ يعمل مجلس النواب على دراسة اصدار قرار بتجميد عمل هذه المجالس.

حيث جاء الدستور العراقي لعام 2005 بنظام اتحادي ذو طبيعة خاصة، اذ تبنى الفدرالية، ووصف الدولة بالاتحادية بدء من الديباجة "… من خلال نظام جمهوري اتحادي ديمقراطي تعددي…"، والمادة الاولى "جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة…"، جعل من وجود قانون ينظم عمل المحافظات غير المنتظمة باقليم امر ضروري.

الا انه ومع الشلل الحاصل في مفاصل هذه المجالس منذ 2004 والى الان، وعجزها عن تأدية مهامها، من تشريع القوانين وتنفيذ المشاريع التي تهم المواطن، جعلها في مهب رياح التغيير التي تقودها سائرون والقوى الساندة لها بعد فوزها بالانتخابات النيابية الاخيرة.

وبعد حمولة ثقيلة من الفساد على متن عبارة الموصل، غرقت الحكومات المحلية وهذه المرة على ما يبدو لن ينجو احد من سيول التغيير، فإلغاء تلك المجالس هدف تحاول سائرون الوصول اليه مستندة على جملة من الاخفاقات الادارية وحزم من الفساد المالي والاداري في تلك المجالس.

مؤسسات اقرها الدستور

نظرأ لكون مجالس المحافظات تعد احدى مؤسسات الدولة العراقية التي اقرها الدستور العراقي في (2005) في مادته 122 ثانيا، فقد صدر قانون لتشكيلها بالرقم 21 لسنة 2008 الذي عدل مرتين في عام 2010بالقانون رقم 115وفي عام 2013 بالقانون رقم 19ولكن لم تنجح مجالس المحافظات في تحقيق ماهو مطلوب منها لاسباب عديدة، مما ادى ان تكون عبأ على المواطنين وعلى موازنة، وبيد ان هناك اتفاقا من عدد من اعضاء مجلس النواب على الغاء هذه المجالس.

وبما ان مجالس المحافظات قد اقرها الدستور وتعمل وفقا للقانون 21 وتعديلاته، يرى المحلل السياسي ورئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية الدكتور واثق الهاشمي ان "الغاء مجالس المحافظات يتقاطع مع المادة (122) من الدستور العراقي، لذا فأن هذه الفكرة تبدو غير واقعية كونها قانونية، اذ يتطلب ذلك تعديلا دستوريا لايمكن انجازه في ظل الخلافات الكبيرة حول مواده، بالاخص المواد المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها في بغداد واقليم كردستان".

ومع هذا العقد القانونية التي يمتلئ بها العراق، فأن المباحثات من اجل التعديل اذا لم تكن سياسية حقيقة لذلك، ستكون بمثابة نافذة جديدة لاثارة المزيد من النزاعات الحزبية والطائفية والتي ستؤدي الى اجتماعية حتما.

فشل.. اعتراف.. خرق دستوري

ويبين الهاشمي في لقاء خاص لشبكة النبأ المعلوماتية ان "تزامنا مع مطالبات خفض النفقات ومعالجة الترهل في مؤسسات الدولة، تم الغاء مجالس الاقضية والنواحي وتقليص عدد اعضاء مجالس المحافظات كأعتراف ضمني بفشل هذه المجالس في تحقيق الغاية المتوخاة من انشاءها، والمتمثلة بتطبيق فكرة اللامركزية التي نص عليها الدستور وعدم قدرتها على انجاز التنمية في شتى المجالات.

مما جعلها عرضة للانتقاد والاحتجاج من الجماهير لذا حاولت ان تلقي باللائمة على الحكومة الاتحادية، ومثال ذلك ماحدث في تظاهرات البصرة وسواها في المحافظات الاخرى، اذ انها اعادت اسباب الاحتقان تحت ذريعة تقاطع الصلاحيات في حين ان هناك العديد من الصلاحيات التي منحت لها وفق القانون 21".

ويوضح "الصراع السياسي داخلها ومحاولة ركوب موجة الاحتجاجات لتحقيق مكاسب حزبية جاء للتغطية على الفساد المستشري في المحافظات، ومما يؤكد ذلك ان اغلبها منذ الانتخابات الاخيرة لها ولحد الان شهدت اقالة المحافظين او رؤساء المجالس".

فيما يتكررالخرق الدستوري تأجيل انتخابات مجالس المحافظات لكون الحالية انتهت مدتها القانونية في حزيران عام 2017، وتم تحديد شهر تشرين الثاني 2017موعدا لاجرائها ثم تم تعديل الموعد الى دمجها مع انتخابات مجلس النواب في ايار 2018، ثم تم التأجيل مرة اخرى الى شهر كانون الاول 2018 ثم قررت المفوضية اقتراح يوم ١٦-١١-٢٠١٩ وهذا الامر سيصطدم بعدة عقبات حقيقية كبيرة.

مطبات وحوادث

وعلى مايبدو ان الانتخابات القادمة لمجالس المحافظات ستكون امام تحديات كبيرة ستاتي بخيبات امل اكبر في حال بقيت المعطيات الحالية كما هي، اذ يرى الهاشمي ان "العقبة الاولى التي ستواجهها هي تنامي حالة العزوف عن المشاركة في الانتخابات (كما حدث في انتخابات البرلمان العراقي واقليم كردستان) مما يلقي بظلاله على ترسيخ الاسس الديمقراطية وتوسيع دائرة المشاركة اذ لا فائدة من انتخابات بدون مشاركة جماهيرية".

ويضيف ان "تكاليف اجراء عمليتي انتخابات متقاربة (مجلس النواب ومجالس محافظات) يتطلب مبالغ كبيرة لتغطية تلك العملية في وقت تشهد الموازنة عجز كبير قد يتنامى في ظل انخفاض اسعار النفط، وهو امر سيجعل الحكومة المركزية في مازق مالي كبير جدا".

ويشير الهاشمي الى ان "هناك مشكلة لوجستية تكمن في عدم تشريع قانون انتخابات مجالس محافظات جديد، فضلا عن مشكلة تواجه المفوضية في التهيئة لنجاح هذة الانتخابات في الجانب المالي والجانب البشري".

الا ان المحكمة الاتحادية تدعم مشروع قرار تقليص مجالس المحافظات وليس الغاؤها، بما يجعلها بنحو يتفق مع نفوس كل محافظة، وحسب رؤيتها فان ذلك سيدعم تقليص الواتب التقاعدية وبالتالي تطبيق المساواة بين الافراد التي كفلها الدستور.

العبارة ليست السبب

احداث تصاعدت بوتيرة حادة جدا، للوهلة الاولى تجد انها بداية النهاية لمجالس المحافظات مستبعدا الاشكالات القانونية لحلها، مستندا على غياب الالتزام بالنصوص الدستورية وان الاحزاب تشرعن لنفسها ماتتخذ من مواقف.

الا ان الدكتور ميثاق العيسى استاذ في كلية العلوم السياسية، جامعة كربلاء، قال في حديث لشبكة النبأ المعلوماتية "حالة عدم الاستقرار والصراع السياسي بين القوى السياسية وغياب الرؤى الوطنية الهادفة إلى بناء البلد ليس بجيدة على العراق، وهذ الصراع ينعكس سلباً على كل قطاعات الدولة.

حادثة العبارة أزمت الوضع أكثر، لاسيما مع الصراع الموجود في محافظة الموصل حول منصب المحافظ، وأن اقالة العاكوب ربما لم تكن بسبب حادثة العبارة، وإنما جاءت منسجمة مع إرادة بعض نواب محافظة نينوى الذي سعوا إلى اقالة المحافظ قبل ذلك".

وعليه، لا يعتقد العيسى بأنها "ستكون محور تأثير في تغير بوصلة الصراع بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية، بين هذه الاحداث ومع غياب التفاهم بين القوى السياسية على حقيبتي الداخلية والدفاع، يطفوا على السطح ملف مجالس المحافظات، وهذه ليست المرة الأولى التي يتم في طرح الغؤها، فقد طرت المشكلة على طاولة الحكومات السابقة، إلا أن ذلك يحتاج إلى تشريع قانون تلغى بموجبه مجالس المحافظات، والسعي إلى تفعيل اللامركزية الإدارية".

ويختم العيسى قائلا: "كل ما يجري هو نتيجة طبيعة لسوء الإدارة والحكم، وما رافقه من سوء خدمات وفساد في كل مفاصل الدولة في ظل أحزاب تسعى إلى السلطة دون الدولة، هدفها المغانم السلطوية بعيداً عن خدمة المواطن.

إن كل المشاهد الجارية في الوقت الراهن، تبرهن على وجود خلل بنيوي في النظام السياسي العراقي، وسببه الرئيس الاحزاب والقوى السياسية الحالية".

متطلعا الى مستقبل حكومة عبد المهدي، "ستستمر حتى نهاية دورتها الحالية على هذا الحال، دون أي نجاح يذكر".

الحل في تعديل الدستور

ويلخص الدكتور الهاشمي الحل بعدة مراحل:-

اولا:

*السعي مع الكتل السياسية الاخرى لانضاج وسيلة لايجاد الية جديدة لتعديل الدستور بدلا عن الالية الحالية المعقدة، خاصة ان هناك حراك برلماني بدأ في الدورة السابقة بمقترح مفاتحة المحكمة الاتحادية بصدد التعديل الدستوري الذي يمنح اغلبية الثلثين صلاحية اجراء التعديل دون اللجوء الى الاستفتاء .

ثانيا :

اذا لم يكن هناك اجراء لتعديل الدستور فالمقترح هو تقليص عدد اعضاء مجالس المحافظات الى النصف كوسيلة جديدة لضغط النفقات وتوجيهها للمشاريع الخدمية وكسب ود الشارع العراقي .

ثالثا :

العمل على تبني فكرة الاكتفاء بمنصب المحافظ فقط والغاء مجالس المحافظات لتجنب الصراعات السياسية التي انعكست بشكل سلبي على اداء المحافظات وتلكأ تقديم الخدمات الى الجمهور .

رابعا:

تبني فكرة موجودة في دول متعددة في العالم، وفي دول جوار كثيرة هي انتخاب رئيس بلدية يتمتع بصلاحيات خدمية واسعة لابناء المدينة".

وعلى مايبدو ان توجه سائرون مع الفتح لتعطيل عمل مجالس المحافظات هو لانتزاع السلطة من الاحزاب المهيمنة عليها، الا ان هذا الابحاث والاراء مجرد نظريات ساسية، تبقى مرهونة بقرار مجلس النواب اذ سيكون الفيصل في تحقيق رغبة سائرون من عدمها.

........................................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6