أنباء مقتل عزة الدوري زعيم حزب البعث المنحل والرجل الثاني في نظام صدام حسين والمطلوب للقضاء العراقي باعتباره الرأس المدبر لكل الاحداث الدموية في العراق منذ 2003 وحتى وقتنا الحاضر، لاتزال محط اهتمام واسع لدى العديد من الجهات الشعبية والسياسية كما يقول بعض المراقبين، خصوصا مع عدم وجود تأكيد رسمي لمقتلة، فالجثة التي عثر عليها بعد مواجهات القوات الأمنية والحشد الشعبي مع مسلحين في منطقة حمرين، بالقرب من حقول علاس، شرقي محافظة صلاح الدين. لاتزال تخضع لفحوصات خاصة لمطابقة الحمض النووي لأجل التأكد من هويتها، فيما نفى حزب البعث العراقي المنحل أنباء مقتل الدوري، بحسب وسائل إعلامية.

ورغم تعدد الروايات حول مصيره، وكما يقول بعض الخبراء فإن تأكيد مقتل الدوري سيكون حدثاً مهماً ونصرا حقيقياً للقوات المسلحة العراقية في الحرب على تنظيم "داعش" الوجه الجديد لحزب البعث المنحل، الذي مني بالكثير من الهزائم وهو ما قد يسهم بتغيير المعادلة العسكرية، من جانب اخر استبعد بعض الخبراء حدوث تغيير مهم في المعادلة الأمنية، خصوصا في المناطق الساخنة ولأسباب كثيرة منها، استمرار الدعم المقدم من قبل الأطراف والجهات الدولية الاقليمية للجماعات الإرهابية المسلحة لأجل استمرار الحرب وتعميق الخلافات السياسية في العراق. مؤكدين في الوقت ان هذه الجهات ستسعى وفي حال تأكيد مقتل الدوري الى إيجاد بديل اخر، خصوصا وان بعض التقارير المسربة تفيد بوجود العديد من الخطط التي تهدف الى تقسيم العراق وهو ما تؤيده بعض الأحزاب والقوى السياسية، التي عمدت الى مساعدة الدوري وباقي الجهات الإرهابية الأخرى وبمباركة بعض الدول العظمى.

وبعد سقوط النظام وكما تنقل المصادر، توارى الدوري عن الأنظار لكنه وجه العديد من التسجيلات الصوتية في فترات مختلفة، يحث فيها على مقاتلة القوات الأمريكية وقوات الأمن العراقية. وكان يعرّف نفسه في هذه التسجيلات بأنه "الأمين العام لحزب البعث" خلفًا لصدام حسين بعد إعدامه. وظهر أول تسجيل مرئي له بعد سقوط النظام في 7 أبريل/ نيسان 2012 بمناسبة الذكرى السنوية لتأسيس حزب البعث.

ورغم أن الدوري من أبرز رموز النظام السابق المطلوبة دولياً، إلا أن جميع محاولات القبض عليه باءت بالفشل، الأمر الذي شكل لغزاً حول قدرته على التخفي والتنقل، خصوصاً وأنه مصاب بمرض سرطان الدم، الذي حاول علاجه في فيينا عام 1999، لكنه ترك النمسا على وجه السرعة بعد مطالبة المعارضة النمساوية آنذاك باعتقاله كمجرم حرب. هذا التخفي الطويل أثار الكثير من الشكوك والتكهنات حيث عدها البعض ورقة أمريكية مهمة أحرقتها اليوم القوات المسلحة العراقية وفصائل الحشد الشعبي.

مزيد من الفحوص

وفي هذا الشأن فقد سلمت كتائب حزب الله، احدى ابرز الفصائل العراقية التي تقاتل الى جانب القوات الامنية، جثة يشتبه بأنها تعود الى نائب الرئيس السابق عزة ابراهيم الدوري، الى الحكومة لإجراء المزيد من الفحوص للتأكد. وتعود الجثة الى شخص قتل خلال اشتباك مسلح شمال مدينة تكريت (160 كلم شمال بغداد)، وتحمل ملامح شبيهة بتلك العائدة الى الدوري، ابرز شخصيات النظام السابق الذي بقي متواريا عن الأنظار منذ سقوط النظام اثر الاجتياح الاميركي للبلاد في العام 2003.

وقال المتحدث العسكري باسم الكتائب جعفر الحسيني للصحافيين "سلمت جثة المجرم عزة الدوري الی الحكومة العراقية (...) بعدما تم التأكد منه بنتيجة الفحوص وايضا شهادة من التقوا به مسبقا". وكان الحسيني اكد ان كتائب حزب الله متأكدة "مئة بالمئة" بان الجثة تعود للدوري، وذلك اثر فحوص اجرتها دون كشف تفاصيلها، ومن خلال تعرف شخصين تحتجزهما الكتائب عليه.

واوضح ان هذين الشخصين "تعرفا اليه على اعتبار انهما التقيا به تقريبا قبل ستة اشهر"، مشيرا الى ان الكتائب اعتقلتهما خلال الشهرين الماضيين. واقيمت مراسم التسليم في منطقة الكرادة بوسط بغداد، ووصلت الجثة الى المكان على متن باص صغير رمادي اللون مبرد، ضمن موكب من عشرات المركبات التابعة لكتائب حزب الله، بينها شاحنات "بيك اب" صغيرة مزودة برشاشات ثقيلة.

وانتشر العشرات من عناصر الكتائب الملثمين في محيط مكان التسليم، وسط قطع للطرق وتدابير امنية مشددة. ونقلت الجثة التي وضعت في تابوت شفاف، الى شاحنة صغيرة مغلقة بيضاء اللون. واكد متحدث باسم وزارة الصحة العراقية رفض كشف اسمه "استلام الجثة وهي في إحدى المختبرات التابعة لمؤسسات وزارة الصحة". واضاف "سوف تجرى فحص الحمض النووي ومطابقته وتعلن النتائج بعد ذلك والفترة غير محددة لإعلان النتائج".

وكان مدير الشؤون الانسانية في وزارة حقوق الانسان العراقية غانم عبد الكريم غانم افاد في وقت سابق، ان الحكومة ستعتمد "على الملفات المتوفرة لدى الطب العدلي"، لإجراء فحوص الحمض النووي، وفي حال عدم توافره، ستسعى للحصول على عينة من دم احد اقاربه. واكد انه في حال عدم توافر ذلك ايضا "فسيعتمد على المواصفات لان الجثة لم يصبها ضرر ويمكن التعرف عليه من خلال الجسد". وكان الشخص الذي يشتبه بانه عزة الدوري، قتل في معارك. وقال الحسيني في تصريحات لقناة "الاتجاه" التابعة للكتائب، انه عثر على الجثة اثر اشتباكات بين ابناء عشائر منطقة العلم شمال تكريت ومجموعة مسلحة كان يعتقد انها تنتمي الى تنظيم داعش الذي يسيطر على مساحات واسعة في البلاد منذ حزيران/يونيو. بحسب فرانس برس.

وتتقاطع هذه الرواية مع تلك التي اعلنها عمر جبارة، احد مسؤولي المتطوعين في منطقة العلم الذين يقاتلون ضد التنظيم. ويرجح ان "جيش رجال الطريقة النقشبندية" الذي يتزعمه الدوري، شارك في الهجوم الذي قاده التنظيم في حزيران/يونيو، واتاح له السيطرة على مناطق واسعة من شمال العراق وغربه. الا ان التفاصيل عن دور هذا الجيش ومجموعات اخرى يعتقد انها شاركت في الهجوم، انعدم منذ ذلك الحين. ويتحدر الدوري من بلدة الدور القريبة من تكريت مركز محافظة صلاح الدين. وكانت تكريت مسقط العديد من قادة حزب البعث واركان النظام.

وسبق أن أعلنت بغداد أكثر من مرة عن مقتل الدوري ولكن هذه المرة يجري تداول صور للجثة تحمل شبها للرجل. ونفى متحدث في المنفى باسم حزب البعث المحظور مقتل الدوري لكن لم يقدم دليلا على أن الرجل الذي خلف صدام في قيادة الحزب ما زال على قيد الحياة. وبعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق رصدت واشنطن مكافأة عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي لاعتقال الدوري الذي كان أرفع أعوان صدام الذين ما زالوا طلقاء.

تأكيدات أخرى متواصلة

الى جانب ذلك قال محافظ صلاح الدين رائد الجبوري إن الدوري قتل في عملية عسكرية. وعرضت قناة العربية التلفزيونية صورا لرجل ميت يشبه الدوري. وإذا تأكدت وفاته فستكون ضربة كبيرة للمقاتلين السنة وهم تحالف من ضباط سابقين في حزب البعث وتنظيم داعش. وقال الجبوري لقناة العربية التلفزيونية "بالتاكيد هذا الخبر سوف يكون له مردودات ايجابية جهتنا ومردودات سلبية على تنظيمات داعش الارهابية ومن ينتمى الى هذه التنظيمات سوف يكون هناك انكسار لدى هؤلاء. عزة الدورى يعتبر من العقول المدبرة لهذا التنظيم الارهابى."

وأبلغ الجبوري أن مجموعة من قوات الأمن حاصرت المنطقة وإن هؤلاء "الإرهابيين" قتلوا. وأشار إلى أن من بينهم ثلاثة انتحاريين فجروا أنفسهم وأن جثة الدوري كانت بين الجثث. وذكر أن العملية نفذت في منطقة جبال حمرين قرب العلم في محافظة صلاح الدين لكن القوات العراقية لم تعرف مسبقا أن الدوري كان هناك. ووصف العملية بأنها انتصار كبير.

وقال كريم النوري وهو قيادي في منظمة بدر التي تقاتل تنظيم داعش إن قواته شاركت في العملية رغم أنها اعتقدت أن الهدف كان زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي. وأضاف أن القوات تلقت معلومات من مصادرها بأن شخصا مهما كان في مدينة الحويجة وإنهم نصبوا كمينا له وإن المعلومات كانت تشير إلى أن الرجل هو البغدادي لكن اتضح أنه الدوري.

وقال الفريق الركن عبد الامير الزيدي "الجثة التي تم قتلها مع 11 ارهابيا تحمل ملامح وبصمات الدوري بشكل كبير جدا". واضاف "شاهدت الجثة، ومن خلال مشاهدتي للملامح، هي تحمل صورة الدوري التي في ذهن العراقيين"، مضيفا انها تعود له بنسبة "95 بالمئة". وكان هادي العامري، قائد "منظمة بدر" وهي من ابرز الفصائل التي تقاتل الى جانب القوات الامنية، قال ان جثة احد القتلى "تحمل ملامح الدوري". واضاف "سنجري عمليات فحص للتاكد من عائدية الجثة (...) للدوري".

وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي صورا قيل انها للجثة التي تحمل بعض الشبه مع المسؤول السابق، لا سيما لجهة لون الشعر. وبدلا من الشاربين المشذبين اللذين كان يعرف بهما، كان الشخص الظاهر ذو لحية كثة. وفي آخر صوره العلنية قبل سقوط النظام، كان الدوري نحيلا وهزيلا. الا ان الرجل الذي ادرج اسمه على لائحة اكثر مسؤولي النظام السابق المطلوبين لواشنطن، غالبا ما كان يعاود الظهور من خلال رسائل صوتية او اشرطة.

واشار الزيدي الى ان الاشتباكات مع المجموعة استغرقت قرابة 25 دقيقة. واوضح انه نتج عن العملية تدمير ثلاث عربات كانت تستخدمها المجموعة التي عثر في حوزتها على اسلحة خفيفة ومتوسطة، اضافة الى ما قيمتها بضعة آلاف الدولارات من الدنانير العراقية، واجهزة اتصال. واوضح عمر عبدالله جبارة، وهو احد قادة قوات "الحشد الشعبي" الموالية للحكومة في منطقة العلم التي وقعت المعارك على اطرافها، ان قواته تلقت معلومات عن وجود مجموعة من 15 شخصا تسللت خارج مدينة تكريت، مركز محافظة صلاح الدين، عشية استعادتها مطلع نيسان/ابريل من قبل القوات العراقية. بحسب فرانس برس.

واشار الى ان المقاتلين بحثوا عن هذه المجموعة دون جدوى، قبل ان يتلقوا معلومة انهم شوهدوا في منطقة بين العلم وجبال حمرين، حيث تحركت قوات من الشرطة و"الحشد الشعبي" واشتبكت معهم. واوضح ان "القيادي في هذه المجموعة كان معه اربعة عناصر للحماية، وهم آخر من تم قتلهم"، مضيفا "بينه وبين عزة الدوري شبه كبير جدا". واضاف "وجدنا لديه اسنان من الذهب، ووجدنا ايضا نوعا من الوشم (...) ازرق اللون عند الرسغ الايمن".

بائع الثلج حليف لداعش

ويعتبر الدوري من الأسماء التي أنيط بها مسؤوليات كبرى حيث شغل منصب نائب الرئيس. وهو الرجل الثاني في نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين. ظهر للمرة الأولى بعد انهيار هذا النظام في أبريل/نيسان 2012 في شريط مصور بث على الإنترنت. وكان الدوري هاجم وقتها الحكومة العراقية التي كان يسيطر عليها الشيعة، قائلا إن "العملية السياسية قد نفذت بالكامل اليوم لإيران، وهي تنفذ أخطر مشروع للفرس بهدف ابتلاع العراق ثم تدمير الأمة".

والدوري من مواليد 1942، تسلق هرم السلطة بقوة خارقة، حيث تحول من بائع ثلج إلى الرجل الثاني في نظام صدام حسين. واستمد قوته بالأساس من نشاطه في حزب البعث حيث لمع اسمه في هياكله مع مرور السنوات، كما شغل منصب رئيس مجلس قيادة الدولة وتسلم حقيبتي وزارة الزراعة وبعدها الداخلية. وتحدثت الكثير من وسائل الإعلام العراقية قبل تحرير تكريت عن كون عزة الدوري إضافة إلى نجلة صدام رغدة كانا متواجدين في هذه المدينة، ويتهم بكونه ساند تكتيكيا التنظيم كما هو شأن الكثير من الضباط العسكريين المحسوبين على نظام صدام حسين.

ولم يتمكن أحد من اعتقاله أثناء الاحتلال الأمريكي الطويل في الوقت الذي قتل فيه معاونو صدام الآخرون أو قدموا للمحاكمة واجتاحت الحرب الأهلية الطائفية البلاد. ويتكهن بعض المحللين بأن صدام حسين بعد فترة وجيزة من الاختباء وضع أساسا لحركة تمرد ونشر مساعديه وبينهم الرجل الذي يضع فيه أكبر قدر من الثقة عزة الدوري ليخططوا لعودة حزب البعث.

لكن محللين قالوا إن الانقسامات بين البعثيين أدت إلى إفساد تلك الخطط الطموحة ورأى الدوري فرصة في متشددي تنظيم داعش الذي يمتلك الأسلحة الثقيلة والدبابات. وطالب الصوت الذي يشبه صوت الدوري في تسجيلات صوتية سابقة صدرت باسمه العراقيين بالانضمام إلى صفوف المسلحين الذين قال إنهم حرروا نصف البلاد. وأضاف أن "تحرير" بغداد قاب قوسين أو أدنى وأنه يتعين على الجميع المساهمة بأقصى طاقتهم لاستكمال ما قال إنه تحرير للبلاد.

وقد وُصِف الدوري بأنه العقل المدبر للتمرد ضد الحكومة التي يقودها الشيعة. ولكن لم يظهر دليل ملموس على ذلك بل لقد ظهرت مؤشرات على أن تحالف المصالح كان قصير العمر. وقال سكان وأقارب إنه في خلال ثلاثة أسابيع من السيطرة على الموصل بدأ متشددو التنظيم اعتقال كبار الضباط السابقين في الجيش وأعضاء حزب البعث. وقال مسؤول مخابرات في وزارة الداخلية إنه يعتقد أن البعثيين بما في ذلك الدوري قاموا بتمويل داعش لكن الجهاديين المتطرفين أطاحوا بهم في نهاية المطاف.

وأضاف المسؤول "في بداية عام 2014 ومنذ ذلك الحين كان هناك زواج مؤقت بين المجالس العسكرية (البعثيين) وداعش. كان قصيرا جدا". وأضاف "اعتقد البعثيون أن بوسعهم استخدام داعش للوصول إلى بغداد لكن المتطرفين هم الذين استخدموا البعثيين لكسب تأييد الناس." مع ذلك يقول مسؤولون عراقيون آخرون إن المسؤولين العسكريين السابقين الذين كان يحكمهم في السابق رجال مثل الدوري عملوا كمستشارين للتنظيم الذين اتبعوا قواعد اللعبة التي مارسها صدام من الاغتيالات والتعذيب للتعامل مع المعارضين. بحسب رويترز.

ويقول سكان الموصل إن الدولة الإسلامية لها خلايا وجواسيس في كل مكان بنفس الطريقة التي كانت تعمل بها الدولة العراقية في ظل مسؤولين مثل الدوري. وفي عام 1998 نجا من محاولة اغتيال في مدينة كربلاء وهي موطن كثيرين من الغالبية الشيعية التي قمعها. لكن يبدو أن الحظ عانده هذه المرة عندما حاصرت مجموعة من قوات الأمن منطقة بعد ورود معلومات بأن "إرهابيين" موجودون فيها.

انقر لاضافة تعليق
سالم محمد علي
بصرة
شكرا لكاتب الموضوع على المعلومات الجيدة التي اغنت الموضوع بصورة واضحة وسهلة.. تحيات2015-04-23

مواضيع ذات صلة

1