الاستقالة المفاجأة التي قدمها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ورفضها الرئيس الايراني في وقت سابق، أثارت ضجة كبرى وردود فعل متباينة على الصعيدين المحلي والعالمي، فاستقالة ظريف الذي يعتبر من أبرز مهندسي الاتفاق النووي بين بلاده والدول العظمى عام 2015، والتي أعلنها على "انستغرام" عدها البعض نتيجة حتمية للضغوط الكبيرة والمتواصلة على هذا الدبلوماسي الهادئ والسياسي المحنك، من قبل خصومه المتشددين الساعين فرض سيطرتهم على قرارات وتحركات حكومة روحاني، الذي يواجه وكما نقلت بعض المصادر تحديات ومشكلات داخلية وخارجية متفاقمة بسبب مواقف الخصوم لإعادة صياغة المشهد السياسي في إيران، بالشكل الذي يلبي متطلبات المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

فقد ذكرت صحيفة «شرق رزنامة» المقربة من التيار الإصلاحي في إيران في وقت سابق ، بأن التيار المحافظ، ومعه أركان الدولة العميقة، اقتنعا بأنه إذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه داخليا وخارجيا، فإن شخصية رئيس الجمهورية القادم ستكون عسكرية، وهو ما عبر عنه حسين الله كرم، الأستاذ في الجامعة الحرة الإسلامية، بأنه ينبغي أن تكون شخصية عسكرية استراتيجية، ووضع العديد من الخيارات ضمن إطار هذه الشخصية، كقاسم سليماني (قائد قوة القدس)، ومحسن رضائي (القائد السابق للحرس الثوري الإيراني ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام)، إلى جانب محمد باقر قاليباف (قائد سابق لسلاح الجو في الحرس الثوري ولمقر خاتم الأنبياء وعمدة طهران حاليا)، إلى جانب شخصيات أخرى قد تكون قريبة من تفكير التيار المحافظ، كحسين دهقاني أو مسعود جزائري وغيرهما، ويبقى قاسم سليماني هو الأقرب والأكثر حظا بين هذه الشخصيات، بحكم علاقاته داخليا مع أركان الدولة العميقة، وحتى خارجيا، مع مختلف التيارات السياسية والحركات المسلحة التي تدور في الفلك الإيراني.

ورغم محاولات ظريف المستمرة لإثبات استقلالية سياسته الخارجية بعيدا عن صراع التيارين المحافظ والإصلاحي في إيران، إلا أنه وكما نقلت صحيفة القدس العربي في مقال للكاتب فراس إلياس، لم ينجح في ذلك أيضا، فلكل تيار وجهة نظر خاصة في أولويات إيران الخارجية، التي قيدت بدورها الكثير من تحركات ظريف الخارجية، ونذكر من ذلك محاولات جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني العودة بالمفاوضات النووية إلى المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، وسحب الملف من يد الخارجية الإيرانية، أضف لذلك اتهام الكثير من الشخصيات السياسية في فريق ظريف التفاوضي مع الغرب، ومنهم عبدالرسول دري أصفهاني، ممثل البنك المركزي الإيراني، وحسين موسويان الأستاذ الزائر في جامعة برنيستون الأمريكية، وغيرهم بالتجسس والخيانة، وكل ذلك من أجل عرقلة جهود ظريف للتوصل إلى صفقة نووية نهائية مع القوى الكبرى، لتأتي مسألة ضرورة انضمام إيران لمعاهدة حظر غسيل الأموال، ودعم الإرهاب، لتشعل الصراع مرة أخرى، ولتضع مزيدا من العقبات في طريق ظريف.

روحاني يرفض الاستقالة

وفي هذا الشأن رفض الرئيس الإيراني حسن روحاني استقالة وزير الخارجية محمد جواد ظريف يوم الأربعاء ليقف بذلك إلى جانب حليفه المعتدل الذي تستهدفه منذ وقت طويل سهام المحافظين في إطار خلافات داخلية بين فصائل مختلفة على الاتفاق النووي مع الغرب عام 2015. وظريف دبلوماسي مخضرم درس في الولايات المتحدة وساعد على صياغة الاتفاق النووي الذي فرض قيودا على البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات على طهران. وأعلن ظريف استقالته عبر موقع إنستجرام.

وقال روحاني في خطاب نشرته وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء ”لأنك كما وصفك قائد الثورة الإسلامية ’الأمين والشجاع والأبي والمتدين‘ وفي طليعة المواجهة أمام الضغوط الأمريكية الشاملة، فإنني لا أوافق على استقالتك لأنها تتنافى مع مصالح البلاد“. وفي مؤشر آخر على الثقة، قال قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري إن ظريف هو المسؤول الرئيسي عن السياسة الخارجية وإنه يحظى بدعم الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي.

ووجه ظريف الشكر للإيرانيين لدعمهم له قائلا في منشور على موقع إنستجرام ”بصفتي خادما متواضعا، لم أهتم قط إلا بإعلاء السياسة الخارجية ومكانة وزارة الخارجية“. وبعد إعلان رفض روحاني الاستقالة، قالت وكالة الطلبة للأنباء إن ظريف حضر مراسم استقبال رئيس وزراء أرمينيا في طهران.

ولم يحدد ظريف أسبابا للاستقالة. لكن قراره كشف عن الشقاق بين المحافظين والمعتدلين بما يدفع خامنئي إلى الانحياز إلى أحد الطرفين. وقال أحد حلفاء ظريف لرويترز إن الاستقالة ترجع إلى الانتقادات الموجهة لظريف بسبب الاتفاق النووي الذي يواجه ضغوطا متزايدة في إيران منذ انسحاب الولايات المتحدة منه العام الماضي. ومنذ الانسحاب الأمريكي وإعادة فرض العقوبات، يضطر روحاني لتفسير ما يدعو إيران للابقاء على التزاماتها بموجب الاتفاق دون أن تحصد أيا من الثمار الاقتصادية المتوقعة. وقالت وكالة الطلبة الإيرانية للأنباء إن وزير النفط الإيراني بيجن زنغنه، وهو من المعسكر المعتدل، نفى يوم الأربعاء تقارير نائب من المحافظين تفيد أنه قدم استقالته.

من جانب اخر أفادت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية بأنه لم يتم إبلاغ وزير الخارجية محمد جواد ظريف بزيارة الرئيس السوري بشار الأسد لطهران وأن ذلك كان من أسباب تقديم استقالته. وذكرت الوكالة أن المتحدث باسم وزارة الخارجية بهرام قاسمي هو مصدر المعلومات الواردة في تقريرها. ورفض الرئيس حسن روحاني استقالة ظريف في خطوة عززت موقف حليفه المعتدل الذي ظل مستهدفا من المحافظين في صراع داخلي بشأن الاتفاق النووي المبرم مع الغرب عام 2015.

ونقلت الوكالة عن قاسمي قوله ”وزارة الشؤون الخارجية لم تتلق معلومات على أي مستوى (عن الزيارة)، وظل هذا هو الوضع حتى انتهاء الزيارة“. وأضاف ”أحد أسباب استقالة الدكتور ظريف كان ذلك الافتقار إلى التنسيق مع وزارة الشؤون الخارجية. وكما أُعلن من قبل، استقالة الوزير المبجل لم تكن بسبب قضية شخصية وفردية، والهدف والقصد من ذلك كان مسعى إيجابيا لإعادة وزارة الشؤون الخارجية والنظام الدبلوماسي في البلاد لوضعهما الأساسي“. وحضر قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني والمسؤول عن العمليات خارج إيران، لقاء الأسد والزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. وقال سليماني إن ظريف هو الشخصية الرئيسية المسؤولة عن السياسة الخارجية وإن خامنئي يدعمه.

ضغوط المحافظين

على صعيد متصل قال حليف مقرب من وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إن الخلافات الداخلية في إيران بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي بين إيران وقوى عالمية أجبرت ظريف على إعلان استقالته. وقال حليف ظريف الذي طلب عدم نشر اسمه ”ظريف والرئيس (حسن) روحاني يتعرضان لضغط هائل من كبار المسؤولين منذ مايو الماضي... انسحاب الولايات المتحدة زاد الخلافات الداخلية السياسية في إيران“.

ونسبت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى وزير الخارجية محمد جواد ظريف قوله إنه يحث الدبلوماسيين وموظفي وزارة الخارجية على ألا يستقيلوا وذلك بعد يوم من إعلانه تقديم استقالته. ونقلت الوكالة عن ظريف قوله في رد فعل على أنباء عن استقالات محتملة بالوزارة بعد استقالته ”أشدد على كل الإخوة والأخوات الأعزاء في وزارة الخارجية والمكاتب الممثلة ضرورة مواصلة واجباتهم دفاعا عن البلاد بقوة والابتعاد عن هذه التصرفات“.

وأضاف ”تشرفت بالعمل إلى جواركم. وآمل أن تقود استقالتي إلى عودة وزارة الشؤون الخارجية إلى مكانها المشروع في العلاقات الخارجية. أشكركم جميعا“. ولد ظريف في 1960 وعاش في الولايات المتحدة منذ أن كان عمره 17 عاما حيث كان يدرس في سان فرانسيسكو ودنفر، ثم عمل في بعثة الأمم المتحدة بنيويورك حيث تولى منصب سفير إيران في الفترة من 2002 إلى 2007.

وشغل ظريف منصب وزير الخارجية في أغسطس آب 2013 بعدما حقق روحاني فوزا كاسحا في انتخابات الرئاسة بناء على وعود بانفتاح إيران على العالم الخارجي. ومنذ توليه مسؤولية محادثات إيران النووية مع القوى الكبرى في أواخر 2013، استدعاه مشرعون محافظون في البرلمان عدة مرات لتقديم تفسيرات بشأن المفاوضات. وفي فبراير شباط 2014 أثار ضجة بتعليقات علنية أدان فيها محارق النازي واستدعي في البرلمان. وكان إنكار محارق النازي أمرا لا حياد عنه في الخطابات العامة في إيران على مدى عقود.

وبلغ الأمر ببعض المتشددين أن هددوا بإيذاء ظريف بعد توقيع الاتفاق النووي. ودعم خامنئي بحذر الاتفاق الذي وافقت فيه إيران على كبح عملها النووي الحساس. وقال حسن عباسي، القائد السابق في الحرس الثوري، في كلمة إنه يعتقد أن الشعب الإيراني سيبصق على ظريف والمسؤولين الذين دعموا الاتفاق النووي. ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن عباسي قوله في مدينة كرج بوسط البلاد ”فليذهب روحاني وظريف و(رئيس البرلمان علي) لاريجاني إلى الجحيم“.

ظريف يسخر من ترامب

منجانب اخر سخر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب انهيار قمته مع زعيم كوريا الشمالية بشأن نزع السلاح النووي، وتعهد بألا تحصل واشنطن على اتفاق نووي مع إيران أفضل من الذي انسحبت منه العام الماضي. وانهارت ثاني قمة بين ترامب وكيم جونج أون بسبب مسألة العقوبات، وأدلى الجانبان بتصريحات متضاربة عما حدث بالتحديد مما أثار تساؤلات بشأن مستقبل محادثات نزع السلاح النووي.

وقال ظريف على تويتر ”يفترض أن يكون الرئيس ترامب قد أدرك الآن أن العروض المبهرة الفارغة والتقاط الصور والتغير الحاد في السياسات لا يصنع دبلوماسية جادة“. وأضاف ”استغرق الأمر عشر سنوات من الإعداد إضافة لسنتين، آلاف الساعات من المفاوضات، لإنجاز كل كلمة في الاتفاق النووي المؤلف من 150 صفحة“. وقال ظريف ”لن تحصل أبدا على اتفاق أفضل“. وعاد ظريف لمنصبه بعد أن رفض الرئيس حسن روحاني استقالته. بحسب رويترز.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز في وقت سابق على توتير ”الرئيس (باراك) أوباما رفض الانسحاب من اتفاق سيء مع إيران. الرئيس دونالد ترامب يرفض أن يرتكب نفس الخطأ مع إيران أو كوريا الشمالية أو أي طرف آخر“. ويُعتقد أن ظريف عاد أقوى بعد رفض الاستقالة بفضل دعم روحاني ودعم جماعي من نواب معتدلين وقائد بارز في الحرس الثوري إضافة إلى دعم ضمني من الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي. وبعد أن تخلى ترامب عن الاتفاق النووي وأعاد فرض العقوبات في مايو أيار تعرض ظريف لانتقادات حادة من معارضين محافظين اتهموه ببيع بلاده.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1