تحديات كبيرة ومهمة تواجهها الحكومة الفرنسية، التي دخلت اليوم في مواجهات جديدة مع الناخبين بسبب السياسات الجديدة التي تتبعها حكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومنها رفع رسوم المحروقات وما اعقبها من تطورات واحتجاجات شعبية شهدت اعمال عنف بين قوات الأمن والشرطة والمتظاهرين، مما دفع العديد من النقابات ومسئولى الشرطة وكما نقلت بعض المصادر، إلى المطالبة بفرض حالة الطوارئ فى البلاد لاحتواء الأزمة، وهو الأمر الذى لم يستبعده وزير الداخلية الفرنسى كريستوف كاستانير، فى تصريحات صحفية.

وتمثل هذه الاحتجاجات تحديا كبيرا لماكرون حيث تجذب متظاهرين متباينين بدون قائد أو مهمة واضحة. وكان ماكرون قد تعهد برد "لا هودة فيه" على العنف وبرر زيارة رسوم المحروقات بخطط لحكومته للتخلي عن الوقود الأحفوري. وأطلق على مجموعات الاحتجاج هذه "السترات الصفراء" نسبة لستراتهم العاكسة للضوء. ويرفض المحتجون زيادة سعر الوقود وفرض رسوم علي على شكل ضريبة بيئية، ويحتجون أيضا على السياسة "الظالمة" للحكومة التي تمس بالقدرة الشرائية. ودان ماكرون في تغريدة الذين "اعتدوا" على قوات الأمن و"هاجموا مواطنين" مؤكدا تصريحات وزير الداخلية حول أعمال العنف و"تعبئة اليمين المتطرف".

ولعل الحديث عن احتمالات فرض حالة الطوارئ فى العاصمة الفرنسية بحسب بعض المراقبين، يمثل انعكاسا صريحا لخطورة الأوضاع فى الداخل الفرنسى فى المرحلة الراهنة، جراء زيادة الاحتجاجات بصورة كبيرة، بسبب ارتفاع أسعار الوقود، بالإضافة إلى خطط الإصلاح الأخرى التى يتبناها الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، والتى فرضت حالة من التقشف على المواطن الفرنسى، حيث أن الحكومة الفرنسية لم تفرض حالة الطوارئ منذ عام 2015، على خلفية الأعمال الإرهابية التى استهدفت العاصمة الفرنسية.

وتطرح الأوضاع الراهنة تساؤلات كبيرة حول ما إذا كانت الاحتجاجات التى تشهدها فرنسا فى المرحلة الراهنة بسبب الأوضاع الاقتصادية فقط، أم أن هناك مؤامرات خارجية تستهدف إثارة حالة من الفوضى فى الداخل الفرنسى فى المرحلة الراهنة فى ظل مستجدات وتطورات دولية كبيرة. وتمثل الخلافات الكبيرة بين واشنطن وباريس، على خلفية تصريحات ومواقف عدائية تبناها الرئيس الفرنسى تجاه نظيره الأمريكى أحد أهم أسباب الشكوك التى تدور فى عقول قطاع كبير من المتابعين للشئون الدولية حول احتمالات وجود دور أمريكى فى تأجيج الاحتجاجات، على غرار ما شهدته مناطق أخرى فى العالم، وعلى رأسها منطقة الشرق الأوسط، إبان فترة الربيع العربى.

وحسب قناة "BFMTV" التليفزيونية نقلا عن وزارة الداخلية، فإن عدد المحتجين وصل إلى حوالي 75 ألف شحصا في جميع أنحاء البلاد. وفي وقت سابق، ذكرت تقارير أن حوالي 36 ألف شخص شاركوا في الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك حوالي 5 آلاف شخص في باريس. وحتى الآن، لا تمثل أية جهة حكومية أو نقابية الحراك، وتتفاوت المواقف اتجاههم بسبب ذلك، حيث يصف بعضهم نفسه بأنه يشارك لأنه يشعر بخيبة أمل كبيرة من السياسات الاقتصادية في البلاد، بحسب وسائل إعلامية محلية. بالمقابل، يلقي العديد من نقاد هذه الحراك والمشككين به باللوم على اليمين واليسار المتطرفين، وزادت الشكوك بعد الكشف عن أن بعض القادة المحليين للحركة معادون للمهاجرين وللسامية وضد المثليينن كما نقل موقع "لوكال" بنسخته الفرنسية.

موجة غضب فرنسية

وفي هذا الشأن انطلقت تظاهرات "السترات الصفراء" بالأساس احتجاجا على ارتفاع سعر المحروقات، لكنها سرعان ما اتسعت لتشمل النظام الضريبي ككل وتراجع القدرة الشرائية، فتحولت إلى موجة غير سياسية متباينة التوجهات والمطالب تندرج في سياق تقليد فرنسي من الاحتجاجات الضريبية. وقال دومينيك الخمسيني مرتديا "سترة صفراء" عند حاجز أقامه المتظاهرون في مارتيغ بجنوب شرق فرنسا "إنهم ينتزعون منا كل شيء" موضحا أنه يعيش بخمسمئة يورو في الشهر.

وتندد هذه الحركة التي تجمع فرنسيين من كل التوجهات السياسية والشرائح الاجتماعية بغلاء البنزين وارتفاع الضرائب والمعاشات التقاعدية المتدنية، لتعكس بصورة إجمالية احتجاجا رئيسيا هو تراجع القدرة الشرائية. وهو ما تؤكده دراسة أجراها "المرصد الفرنسي للأوضاع الاقتصادية"، إذ تشير إلى تراجع الدخل السنوي للأسر الفرنسية بمقدار 440 يورو بين 2008 و2016. وأوضح الخبير الاقتصادي في المرصد ماتيو بلان "المشكلة أنه قبل الأزمة كان هناك اتجاه متصاعد، ونحن الآن أمام انقطاع هذا الاتجاه منذ 2008. لم يعد متوسط المستوى المعيشي للاسرة الواحدة إلى مستواه ما قبل الأزمة".

ويتوقع مدير الدراسات في معهد "ريكسكود" إيمانويل جيسوا أن يتحسن الوضع تدريجيا وقال "نرى أنه سيكون هناك على مدى العام 2018 تحسن إجمالي للقدرة الشرائية لمجمل الأسر بنسبة 1,3%". لكن هذا التحسن في الأوضاع لن يشمل الأكثر تواضعا، بل أن دخل هذه الشرائح سيسجل تراجعا طفيفا في 2018 و2019، وفق دراسة لمعهد السياسات العامة. وقال جيسوا "هناك زيادات ضريبية مثل زيادة الضريبة على البنزين والتبغ، دخلت حيز التنفيذ منذ الأول من كانون الثاني/يناير 2018. وبموازاة ذلك، فإن خفض المساهمات المترتبة على الموظفين لن تطبق إلا في نهاية السنة".

وما يساهم في مشاعر الاستياء تراجع بعض الخدمات العامة وخصوصا في الأرياف. ولفت الخبير السياسي جان إيف كامو إلى أن "القبول بالضريبة يقوم على مفهوم إعادة التوزيع. وهو ينخفض حين تبتعد الخدمات العامة وتقل شباك الأمان ويزداد التفاوت في الثروة". وانطلاقا من هنا، فإن حركة "السترات الصفراء" التي نجحت في جمع أكثر من 270 ألف شخص من غير أن يكون لها زعيم سياسي أو نقابي، تفتح فصلا جديدا في تاريخ فرنسا الطويل في الاحتجاجات الضريبية. بل إنها تذكر في بعض نواحيها بانتفاضة الفلاحين على الزيادات الضريبية أيام الملكية عام 1358.

ورأى المؤرخ والأستاذ في معهد العلوم السياسية جان غاريغ أن "هناك عزم على الالتفاف على أشكال التعبير التقليدية في الحياة السياسية للإفصاح عن المطالب. وهذه القاعدة الشعبية الجديدة تندرج في سياق تقليد من التمرد العفوي يعود إلى القرون الوسطى". وتابع أن "ثورات الفلاحين كانت مؤشرا إلى نظام اجتماعي اقتصادي لم يعد من الممكن احتماله. وهنا، السترات الصفراء هي تعبير عن ضيق اجتماعي، ما يجعل من الصعب للغاية إيجاد حل للظاهرة". بحسب فرانس برس.

وتراجع عدد المحتجين هذا الأسبوع، لكن المتظاهرين يعولون على نواة مصممة على مواصلة عمليات قطع الطرقات ومحاصرة مستودعات النفط. لكن هل يكون للحركة مستقبل سياسي على غرار "حركة خمس نجوم" الإيطالية التي انطلقت بعد يوم غضب وباتت اليوم في السلطة؟ وقال غي غرو من مركز "سيفيبوف" للأبحاث "ليس لدينا اليوم شخصية مثل بيبي غريلو (مؤسس حركة خمس نجوم) قادر على أن يكون جامعا. ليس هناك شخصية معترف بها بما يكفي لتجمع هذه الحركة وتمثلها لدى السلطات العامة" مضيفا أن "الحركة متنوعة تماما على صعيد التطلعات والطموحات وحتى الهويات السياسية".

اعتقالات وتحقيقات

من جانب اخر أعلنت مديرية شرطة باريس أن 103 أشخاص أعتقلوا أثناء تظاهرة "السترات الصفراء" التي تخللتها أعمال عنف، في جادة الشانزيليزيه في باريس، مشيرة إلى أن 101 شخص من هؤلاء أوقفوا قيد التحقيق. وخلال الاشتباكات بين المحتجيّن وقوات الأمن، رشق المتظاهرون عناصر الشرطة بمقذوفات مختلفة وتحصّنوا خلف متاريس بنوها بما تيسّر لهم، في حين ردّ عليهم عناصر الدرك وشرطة مكافحة الشغب بقنابل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه.

وتدخّل عناصر الإطفاء لإخماد حرائق أشعلها المتظاهرون في المتاريس التي أقاموها والتي تسبّبت بأعمدة كثيفة من الدخان الأسود اختلطت بالدخان الناجم عن القنابل المسيلة للدموع. وقالت مديرية الشرطة إن الصدامات أسفرت عن 24 جريحاً بينهم خمسة من قوات الأمن. وكانت جرافة ترفع أحد المتاريس الأخيرة من الشارع، فيما كانت شاحنات النظافة في العاصمة تنظف الجادة.

وكُسرت هياكل محطات الحافلات وعدد من واجهات المحلات. وانشغل عمال أحد المطاعم في وضع ألواح خشبية في مكان النوافذ فيما كان آخرون يرتّبون شرفاتهم. وصرح وزير الداخلية الفرنسي كريستوف كاستانيه أنه في باريس "الأضرار قليلة، وهي مادية، وهذا المهمّ". ونسب أعمال العنف إلى "مشاغبين" من "اليمين المتطرف" لبّوا دعوة زعيمة اليمين الفرنسي مارين لوبان.

وفي جنوب شرق فرنسا، لا يزال يمكن رؤية ما فعله محتجو "السترات الصفراء" في فار وفوكلوز خصوصاً إغلاق مداخل ومخارج الطرق السريعة قرب افينيون. أما في جنوب غرب البلاد، فما زالت تسجل تحركات ل"السترات الصفراء" في محيط مراكز للتسوق أو على دوارات استراتيجية.

واستخدمت الشرطة الفرنسية الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق محتجين في باريس غاضبين من ارتفاع تكاليف الوقود والسياسات الاقتصادية للرئيس إيمانويل ماكرون. وأُضرمت النيران في مقطورة وانفجرت في شارع الشانزليزيه وحاول رجل الهجوم على رجال الإطفاء لكن بعض المتظاهرين أنفسهم سيطروا عليه ومنعوه من القيام بذلك.

وفي شارع دو فريدلوند القريب أطلقت الشرطة كرات مطاطية للسيطرة على المتظاهرين. وتجمع نحو خمسة آلاف محتج في شارع الشانزليزيه حيث وقعت اشتباكات مع الشرطة التي تم إرسالها لمنعهم من الوصول إلى قصر الإليزيه القريب. وردد بعض المحتجين النشيد الوطني ولوحوا بعلم البلاد بينما رفع آخرون لافتات كُتب عليها ”ماكرون، استقالة“ و“ماكرون، لص“.

واتهم وزير الداخلية كريستوف كاستانير زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان بتأجيج الاحتجاجات في العاصمة. وقال ”اليمين المتطرف محتشد ويقيم حواجز في الشانزليزيه. الشرطة تحقق تقدما في تحييدهم ودفعهم للتراجع“. وردت لوبان في تغريدة على تويتر بالقول إنها تساءلت عن سبب عدم السماح بالاحتجاج في المنطقة وأضافت ”اليوم السيد كاستانير يستغل هذا لاستهدافي. هذا أمر وضيع ومضلل“.

ماكرون وترامب

الى جانب ذلك اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مراجعة الضرائب على الديزل والبنزين كل ثلاثة أشهر للأخذ في الاعتبار حركة الأسعار العالمية، في مسعى منه لنزع فتيل احتجاجات شابها العنف في بعض الأحيان بسبب ارتفاع أسعار الوقود. ووجهت الاضطرابات، التي حدثت خلالها أعمال تخريب في بعض شوارع باريس، ضربة لماكرون في الوقت الذي يقاوم فيه تراجعا حادا في شعبيته وعرضته لاتهامات بأنه منفصل عن الناخبين.

وفي خطاب مدته ساعة بشأن سياسة الطاقة، تناول أيضا احتجاجات ”السترات الصفراء“، أصر ماكرون على أنه لن يذعن للضغوط لتغيير السياسة في مسعاه للانتقال إلى استخدام طاقة أكثر نظافة أو تغيير السياسة بسبب العنف في الشوارع. لكن في محاولة لإبداء التعاطف مع غضب الناخبين الذين يعيشون خارج المدن الكبرى في فرنسا، قال الرئيس البالغ من العمر 40 عاما إنه ينبغي لإدارته أن تكون أكثر ذكاء في صياغة سياساتها لتفادي إهمال العمال في المناطق الحضرية خارج المدن الكبرى.

وقال في الخطاب الذي بثه التلفزيون ”يجب ألا نغير المسار لأن توجه السياسة سليم وضروري... لكن علينا أن نغير طريقة عملنا لأن عددا من مواطنينا يشعرون بأن هذا المسار السياسي مفروض عليهم من فوق“. وذكر أن الشعب الفرنسي لا يمكن أن يطلب خدمات عامة أفضل ويتوقع في الوقت نفسه ضرائب أقل. لكنه أقر بأن الزيادة في ضرائب الديزل، التي بدأ سريانها مع ارتفاع أسعار الوقود، سببت أضرارا أكبر من المتوقع. وأضاف ”نحتاج إلى طريقة في العمل تجعل هذه الضرائب أكثر ذكاء“. وطرح فكرة المراجعة كل ثلاثة أشهر رغم أن التفاصيل بشأن كيفية تنفيذ ذلك لم تتضح.

من جانب اخر اغتنم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التعبئة التي شهدتها فرنسا ضمن تحرك "السترات الصفراء" ليجدد الضغط على نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون والاتحاد الأوروبي، فيما يتعلق بالمعاملات التجارية والنفقات العسكرية. وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يتابع من كثب تظاهرات "السترات الصفراء" في فرنسا. وكتب ترامب في تغريدة "التظاهرات الكبرى والعنيفة في فرنسا لا تأخذ في الاعتبار إلى أي مدى عوملت الولايات المتحدة بشكل سيء من قبل الاتحاد الأوروبي حول التجارة أو حول نفقاتنا العادلة والمنطقية لضمان حمايتنا العسكرية. علينا معالجة هذين الموضوعين قريبا".

ولم يشر الرئيس الأمريكي بصورة مباشرة إلى نظيره الفرنسي، لكن تصريحه جاء غداة يوم تعبئة جديد في فرنسا لـ"السترات الصفراء" وهو تحرك يدين تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الرسوم على المحروقات بقرار من ماكرون. ويأتي ذلك أيضا بعد تبادل الرئيسين للانتقادات بشكل غير مسبوق. وبعد عودته من باريس منتصف تشرين الثاني/نوفمبر إثر احتفالات الذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى مع زعماء آخرين من العالم، هاجم ترامب بشدة الرئيس الفرنسي وسخر من "نسبة شعبيته الضعيفة جدا". كذلك، هاجم في تغريدات اقتراحه بإنشاء جيش أوروبي. بحسب فرانس برس.

ورد ماكرون "علينا أن نحترم بعضنا البعض كحلفاء". وفي خطابه خلال الاحتفالات، انتقد بشدة "القومية". وشكل ذلك قطيعة مع التوافق الواضح بين الرجلين منذ وصولهما إلى سدة الحكم في 2017. وتكشفت لماكرون طباع ترامب الحادة التي سبق أن اختبرها حلفاء لواشنطن كرئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ورئيس وزراء كندا جاستن ترودو.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0