قضية رجل الأعمال اللبناني الأصل كارلوس غصن، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركتي "نيسان" و"رينو" ورئيس مجلس إدارة "ميتسوبيتشي موتورز"، ما تزال محط اهتمام اعلامي واسع. خصوصاً وان البعض يرى ان هذه القضية، يمكن ان تسهم بخلق مشكلات وازمات جديدة قد تضاعف التهديد لإمبراطورية «رينو - نيسان - ميتسوبيشي موتورز». وكارلوس غصن (64 عاماً) متهم بالتهرب الضريبي من خلال عدم التصريح عن قسم كبير من مداخيله الهائلة، وحسب بيان النيابة العامة اليابانية فإن غصن «تآمر لخفض مداخيله خمس مرات بين يونيو (حزيران) 2011 ويونيو 2015»، موضحةً أنه تم التصريح بمبلغ 4.9 مليارات ين (51.5 مليون دولار) للسلطات الضريبية، في الوقت الذي كسب فيه غصن نحو 10 مليارات ين خلال تلك الفترة.

وجاء توقيف رجل الأعمال الفرنسي البرازيلي من أصل لبناني، نتيجة تحقيق داخلي استمر عدة أشهر داخل «نيسان»، التي أحالت المعلومات إلى النيابة العامة اليابانية. وفي مؤتمر صحافي أشار الرئيس التنفيذي لشركة «نيسان» هيروتو سايكاوا، إلى «عمليات اختلاس أموال كثيرة أخرى على غرار استخدام أملاك الشركة لغايات شخصية». وحسب وسائل إعلام محلية، فإن شركة متفرعة من «نيسان» موّلت شراء مقرات إقامة فاخرة في أربع دول كان غصن ينزل فيها مجاناً متى أراد. كما تقاضى غصن حسب قناة «إن إتش كاي» العامة مبالغ تم التصريح بها باسم أعضاء آخرين في مجلس إدارة الشركة.

ويشتهر غصن، بإعادة هيكلة رينو ونيسان منذ نهاية التسعينات عندما هبت رينو إلى نجدة مصنع السيارات الياباني في 1999. وكلفت غصن خفض التكلفة والوظائف في عملية ضخمة لإعادة هيكلة الشركة. وفي 2016 تولى غصن رئاسة ميستوبيشي التي كانت تواجه صعوبات بعد أن أنقذتها نيسان بشراء ثلث أسهمها مقابل 2.2 مليار دولار فيما كانت تواجه فضيحة التلاعب ببيانات قراءات استهلاك الوقود التي أدت إلى تراجع المبيعات. وغصن من الشخصيات المعروفة جدا في اليابان، وهو مدافع كبير عن قطاع السيارات فيها، إلا أنه واجه معارضة خاصة بسبب دخله، حيث أثارت حزمة التعويض الخاصة به في شركة رينو خلافا مع المساهمين وانتقادات من وزير الاقتصاد الفرنسي في ذلك الوقت إيمانويل ماكرون.

71 مليون دولار

وفي هذا الشأن أفادت وسائل إعلام يابانية أن الرئيس السابق لمجموعة "نيسان" كارلوس غصن قلل بيانات دخله بنحو 71 مليون دولار، وهو أكثر بكثير مما أفاد به الإعلام الياباني في البداية. ووفق وسائل الإعلام إن الملياردير الفرنسي البرازيلي من أصل لبناني يواجه الآن اتهاما جديدا من الادعاء العام، بعد أن أقاله مجلس إدارة نيسان من منصبه كرئيس للمجموعة ، ليواجه هبوطا مذهلا من قمة إدارة الأعمال بالعالم حيث كان يحظى باحترام واسع.

وتشتبه السلطات اليابانية الآن أن غصن قلل بيانات دخله بثلاثة مليارات ين أخرى للسنوات المالية الثلاث التالية، حسبما أفادت صحيفة أساهي شيمبون وصحيفة نيكي الاقتصادية اليومية. وقالت الصحيفة إن المدعين يخططون الآن لإصدار مذكرة إعادة توقيف بحقه بتهمة تقليل دخله بما يصل إلى ثمانية مليارات ين (71 مليون دولار) منذ حزيران/يونيو 2011. ولم يتسن التأكد على الفور من صحة هذه المعلومات.

ويذكر أنه بموجب القانون الياباني، يمكن أن يواجه المشتبه بهم الموقوفين مذكرات اعتقال إضافية، ما يمكن أن يعرضهم لمواجهة تهم أكبر. من جهتها، ذكرت صحيفة "نيكاي" أنه يشتبه أيضا في أن غصن لم يبلغ عن تحقيق أرباح بقيمة أربعة مليارات ين من خلال حقوق ارتفاع قيمة الأسهم، وهي طريقة تمنح الشركات مكافأة على الأرباح القوية. وقالت وكالة الأنباء اليابانية "كيودو" إن شركة نيسان دفعت مبلغ مئة ألف دولار منذ 2002 لشقيقة غصن التي لا يوجد سجل لتقديمها أي عمل استشاري للمجموعة. بحسب فرانس برس.

وقال نائب المدع العام شين كيكيموتو إن قضية غصن تعد "من أخطر أنواع الجرائم" بموجب قانون الأدوات المالية الياباني. وقد يواجه غصن عقوبة السجن لمدة 10 سنوات. واكتسب غصن البالغ 64 عاما شهرة بعد إعادة هيكلته مجموعتي رينو ونيسان منذ نهاية التسعينيات عندما هبت رينو إلى نجدة مصنع السيارات الياباني في 1999 وكلفت غصن خفض التكلفة والوظائف في عملية ضخمة لإعادة هيكلة الشركة.

مزيد من التهم

على صعيد متصل تكثفت المواقف الداعية للحفاظ على الشراكة الهشة القائمة بين رينو ونيسان وميتشوبيشي أكان في فرنسا أو في اليابان، في حين كشفت وسائل إعلام عدة تجاوزات إضافية قد يكون كارلوس غصن متورطا فيها. وكان غصن الذي يحمل الجنسيات الفرنسية واللبنانية والبرازيلية أوقف في اليابان للاشتباه بعدم إعلانه كامل دخله كرئيس مجلس إدارة شركة نيسان، وبأنه أخفى منه ما يوازي خمسة مليارات ين بين حزيران/يونيو 2011 وحزيران/يونيو 2015.

كما كشفت الصحيفتان اليابانيتان ازاهي شيمبون ونيكاي أنه فعل الشيء نفسه خلال الأعوام الثلاثة التالية أي حتى 2018 ما يعني أنه أخفى عن مصلحة الضرائب في اليابان 62 مليون يورو من دخله. وقد أقيل غصن من رئاسة مجلس ادارة شركة نيسان. كما يشتبه بعدم إعلانه الحصول على علاوة بقيمة 30 مليون يورو جناها من أرباح في قيمة أسهم يملكها، بحسب ما نقلت صحيفة نيكاي. من جهتها أعلنت وكالة كيودو للأنباء أن شركة نيسان دفعت لشقيقة كارلوس 100 ألف دولار سنويا منذ العام 2002 مقابل عمل وهمي.

وواصل المدير الجديد لشركة نيسان هيروتو سايكاوا هجومه على غصن، بعد أن كان شن هجوما عنيفا عليه في مؤتمر صحافي. وقال سايكاوا أن تحقيقا داخليا أجرته شركة نيسان، مضيفا "ستتفاجأون على الأرجح إزاء ما تم اكتشافه" بشأن تجاوزات غصن، مضيفا "لا يمكننا أن نتسامح أمام الوقائع التي كشفت". ويضيف المدير العام الجديد لشركة نيسان "بالنسبة الى الشراكة بين رينو وميتسوبيتشي موتورز فإن ما حصل لن يكون له أي تأثير، وسنبذل كل ما بوسعنا لجعل العلاقة مستقرة بين الشركات الثلاث".

وبعد أيام من صدمة اعتقال غصن بات بعض المحللين يتكلم عن احتمال أن يكون حصل "انقلاب" من شركة نيسان على غصن، بهدف إعادة النظر في الشراكة بين الشركات الثلاث لجعلها أكثر توازنا. لذلك تكثفت التصريحات أكان في باريس أو في طوكيو لدعم الشراكة بين الشركات الثلاث التي كانت تعاني أصلا خلافات ساهم توقيف غصن في تسليط الضوء عليها.

والمعلوم أن رينو تملك 43% من نيسان التي تملك من جهتها 15% من رينو (ولكن من دون حق تصويت) و34% من ميتسوبيتشي. وباتت السلطة بيد رينو منذ أنقذت منافستها اليابانية من الافلاس عام 1999، مع العلم أن قيمة نيسان اليوم في البورصة تبلغ ضعف قيمة رينو. وقال وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير "نحن متمسكون بالحفاظ على التحالف بين رينو ونيسان لما فيه مصلحة الفرنسيين واليابانيين على السواء". وتملك الدولة الفرنسية 15% من رينو وهي معنية تماما بمستقبل الشراكة مع نيسان.

ودعا الوزير لومير الى العمل سريعا على تشكيل ادارة انتقالية لدى رينو، واستقبل تييري بولوري الذي تسلم رئاسة أدارة رينو أي غداة اعتقال غصن. ويسعى الاليزيه الى تهدئة الوضع عبر استبعاد فكرة وجود "تلاعب" من جانب نيسان. تبقى معرفة كيف تنظر طوكيو الى المواقف الفرنسية الرسمية من هذه الأزمة. بحسب فرانس برس.

ولا يزال كل المسؤولين في شركة نيسان يتذكرون الأزمة التي اندلعت في نيسان/ابريل 2015 عندما زاد ايمانويل ماكرون الذي كان يومها وزيرا للاقتصاد من حصة الدولة في رأسمال رينو لمضاعفة حصة الفرنسيين في حق الفيتو داخل مجلس الادارة، الامر الذي لم يرق ابدا لليابانيين. الا ان الدولة الفرنسية عادت وتنازلت عن حصة الاسهم الاضافية هذه في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 لتعود الى نسبة 15%من رأس المال.

رئيس جديد

الى جانب ذلك قالت مصادر إن شركة رينو الفرنسية المتخصصة في صناعة السيارات اختارت رئيسا مؤقتا لمجلس إدارتها وأسندت سلطات جديدة للرئيس التنفيذي للعمليات ليحل محل كارلوس غصن بعد إلقاء القبض عليه في اليابان بتهمة سوء السلوك المالي. وقالت المصادر إن فيليب لاجاييت، المدير المستقل الأعلى درجة في مجلس الإدارة، سيتولى مؤقتا منصب رئيس مجلس الإدارة. وسيتولى تيري بولوريه، نائب غصن، كافة صلاحيات الرئيس التنفيذي.

وذكرت المصادر أن مجلس الإدارة امتنع خلال اجتماع عن الإطاحة بغصن، رئيس المجلس والرئيس التنفيذي، انتظارا لمزيد من المعلومات بشأن الاتهامات الموجهة له في اليابان. ونشأت تلك الاتهامات عن تحقيق داخلي أجرته شركة نيسان الشريكة في تحالف مع رينو. وحثت فرنسا شركة رينو على استبدال رئيسها التنفيذي كارلوس غصن بعد إلقاء القبض عليه في اليابان بتهم إساءة السلوك المالي، التي قالت مصادر إنها شكلت جزءا من تحقيقات تمتد إلى تحالف الشركة في صناعة السيارات مع نيسان.

وبدأت الدولة الفرنسية، التي تمتلك 15 بالمئة في رينو، تنأى بنفسها عن غصن، وقال وزير المالية الفرنسي برونو لومير في تصريحات للإذاعة الفرنسية ”كارلوس غصن لم يعد في وضع يمكنه من قيادة رينو... لقد أُضعفت رينو، وهو ما يجعل من الضروري جدا التحرك بسرعة“. وبعد محادثات بين لومير ونظيره الياباني هيروشيجي سيكو، أصدر الوزيران بيانا مشتركا أكدا فيه من جديد على دعمهما لتحالف رينو-نيسان و“تمنيهما الحفاظ على هذا التعاون الناجح“. وقال وزير المالية إنه لم يعد من الملائم أن يقود كارلوس غصن رينو عقب توقيفه في اليابان. وأضاف أنه يرغب في أن تشكل رينو هيكل إداري مؤقت في ضوء توقيف غصن.

من القمة إلى الهاوية

في السياق ذاته حقق كارلوس غصن نجاحاً ساحقا في اليابان نظراً لأنه كان أجنبياً عصف اسلوبه المختلف بعالم الشركات اليابانية الذي كان يعتريه العفن، ولكن تجاهله لأعراف عالم الأعمال ربما كان السبب في سقوطه. هذا الرجل الذي اعتبر منقذا لشركات متعثرة لدرجة أن حياته تحولت إلى قصة خلدتها كتب الرسوم، موقوف ويواجه تهما بارتكاب مخالفات مالية، بما فيها إخفاء دخله الهائل.

قال كوسوكي ساتو الخبير الاقتصادي البارز في معهد ابحاث اليابان أن "غصن هو على الأرجح أنجح رئيس مجلس إدارة أجنبي في اليابان". وأضاف "ما فعله لم يكن له مثيل في تاريخ الشركات اليابانية". ولكن كل هذه الروايات تبخرت. في مؤتمر صحافي بعد ساعات من توقيف غصن، عرض الرئيس التنفيذي لشركة نيسان هيروتو سايكاوا الذي اختاره غصن بنفسه، رواية معدلة عن تاريخ غصن المولود في البرازيل، قللت من دوره في تغيير مصير الشركة اليابانية.

وأشار سايكاوا إلى "الجانب المظلم" من عهد غصن، وقال أنه جمع قدرا مفرطا من السلطة في يده وأصبح بعيداً عن العمليات اليومية للشركة. ورفض سايكاوا الإنحاء اعتذارا كما هي الحال في أي مؤتمر صحافي تقر فيه أية شركة يابانية بارتكاب موظفيها مخالفات. وسارع الإعلام الياباني، الذي دأب على مدح غصن لدوره في انقاذ شركة نيسان وإنعاش قطاع صناعة السيارات في البلاد، إلى انتقاده.

وأشارت صحيفة "نيكاي" المالية اليومية إلى أنه لم يقطع اجازته عند اندلاع فضيحة تفتيش في نيسان في 2017، بينما وصفت صحيفة يوميوري شيمبون المدراء التنفيذيين في نيسان بأنهم "طماعون". ونقلت الصحيفة اليومية عن موظفين قولهم إن "غصن يقول الصواب، ولكن في النهاية كل شيء يتعلق بالمال". فضائح الشركات ليست جديدة على اليابان، غير أن هذه القضية التي تركزت على الإثراء الشخصي تركت مرارة.

وقال جيف كينغستون مدير الدراسات الأسيوية في جامعة تيمبل اليابانية "غصن ضحية عجرفته ونجاحه". وأضاف "لقد تم تحويله إلى بطل بسبب ثقافة الشركات المتعفنة في اليابان، حيث أنه لم يكن يرحم، وهو الآن يدفع الثمن". وصرح أن غصن "داس على الأعراف الثقافية اليابانية بأساليبه بادعاء المجد، كما أن راتبه الهائل أثار الغيرة والاحقاد عليه". وكان راتبه هائلا بالمعايير اليابانية وأدى الى انتقادات له حتى على مستوى الحكومة في فرنسا.

وقال روبرت دوجيريك مدير معهد الدراسات الآسيوية المعاصرة في جامعة تمبل اليابانية إن غصن "صنع أعداء وتسبب في غيرة المؤسسة اليابانية لأنه بطريقة ما انتهك أعراف المدراء التنفيذيين". وأضاف أن "غصن كان يعيش حياة رئيس تنفيذي في حين كان معظم المدراء اليابانيين أكثر تواضعاً". ربما كان أسلوب غصن المتكبر وليس كونه أجنبيا هو ما جعله مختلفا عن باقي المدراء اليابانيين.

وسواء من خلال تنفيذه إعادة هيكلة شاملة للشركات الذي أكسبه لقب "خافض التكاليف" أو قراره الاحتفال بزواجه الثاني في قصر فرساي على أسلوب حفلات ماري انطوانيت، فقد كانت شخصية غصن مناقضة لشخصية مدراء الشركات اليابانية. ويأتي سقوط هذا الأجنبي البارز في الوقت الذي تعاني منه اليابان من نقص الأيدي العاملة وتسعى إلى جلب العمال المهاجرين الاجانب. بحسب فرانس برس.

وتسبب ذلك في استياء في بعض الأوساط بوصفه خروجاً على سياسة الهجرة اليابانية المتشددة التي ضمنت تجانس المجتمع الياباني نسبياً. وقال ساتو أن قضية غصن توضح الصدام الحضاري الأساسي في قطاع الشركات اليابانية. وصرح أن "من أسباب حدوث ذلك أن الشركات اليابانية ليست لديها ثقافة منح المدراء التنفيذيين رواتب هائلة". واضاف "بعد هذه القضية قد تتردد الشركات اليابانية في قبول قادة أجانب في المستقبل". ولكن جيني كوربيت من مؤسسة الدراسات الاسترالية اليابانية، قالت إن ذلك سيكون خسارة لعالم الشركات اليابانية. وقالت "بالنسبة للشركات التي تحتاج إلى التغيير، فيبدو أن الطريقة الوحيدة للقيام بذلك هو وجود أجنبي". وأضافت "بعد غصن ربما تصبح الشركات التي تحتاج إلى هذا النوع من التغيير أكثر ترددا بتعيين أجانب للقيام بذلك".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0